أحمد نورالدين: هل أوقعت السعودية نفسها في ورطة؟

أحمد نورالدين
قراءة : (132)
الجمعة, يوليو 21, 2017 - 10:15
أحمد نورالدين: هل أوقعت السعودية نفسها في ورطة؟

عندما أرادت الولايات المتحدة "تحرير" الكويت بعد غزوها من طرف الجيش العراقي في الثاني من غشت سنة 1991، لم يكن ذلك ممكناً دون الدعم السعودي وموافقة الرياض على إنزال المارينز في المنطقة الشرقية من الجزيرة، وتحديداً في قاعدة الظهران التي تحولت إلى نقطة ارتكاز للقوات البرية الأمريكية؛ تماماً كما احتاجت إلى "النورماندي" في الحرب العالمية الثانية. ولم تكتف السعودية بذلك بل ساهمت في المجهود الحربي لعاصفة الصحراء بأزيد من 16 مليار دولار، تمّ ضخها في الخزينة الأمريكية إلى جانب صكوك على بياض أمضتها الكويت، والمساهمات الأخرى لباقي إمارات الخليج.

ولكن ماذا كانت النتيجة بالنسبة لدول الخليج؟ ألم تُحقق الولايات المتحدة الأمريكية حُلُم إيران في تمزيق العراق الذي هَزمَ نظام الخميني، وأرغمه على وقف حرب الخليج الأولى "كمن يتجرع كأس السمّ" حسب التعبير الحرفي لآية الله؟ ألم تُساعد تلك الحربُ ومِن بعدِها غزوُ العراق سنة 2003 على إذكاء نار الحرب الطائفية والعرقية بين المكونات الثلاثة الكبرى في بلاد الرافدين؟ ألم تُسقط أمريكا الجدار الذي كان يحمي دول الخليج من "تصدير الثورة الخُمينية"؟ ألم تَجتَح الميلشيات الطائفية بسقوط بغداد، كل دول الشام وجزيرة العرب تحت مسميات "حزب الله" و"أنصار الله"، و"عصائب الحق" وجيش المهدي" و"الحشد الشعبي" و"أبو الفضل العباس"، وغيرها؟ ألم تُنقذ الحرب على العراق النظام الإيراني من الانهيار بعد خروجه مهزوماً عسكرياً واقتصادياً من حرب الثماني سنوات ضدّ صدام؟ ألم تَمنَح الولايات المتحدة لإيران ربع قرن من الزمان كي تطور قدراتها النووية والعسكرية والاقتصادية على حساب دول الخليج؟

في مقابل ذلك كان حظّ دول الخليج مثل جزاء سنّمار! فانطلاقاً من العام 2013 بدأ التحول في سياسات الولايات المتحدة تجاه أنظمة الخليج، والتي لم تكن في الحقيقة سوى سياسة لحماية أمن مصادر الطاقة وليس لشيء آخر. وكانت أول إشارة من الرئيس باراك أوباما، حين جمع في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شتنبر من تلك السنة، أحَدَ حُلفائه وهي مملكة البحرين، مع كلّ من العراق وسورية في سلة واحدة، واصفاً إياها كبلدان تعاني التوتر الطائفي. وكأنّ التركيبة الطائفية للبحرين كانت خافية على الإدارة الأمريكية حين اختارت هذا البلد لإيواء القاعدة البحرية للأسطول الخامس في الخليج سنة 1995.

ولم يكن حظّ السعودية بأفضل من البحرين، فقد تميّزت الفترة الرئاسية لأوباما بالتوتر على خلفية التقارب مع إيران في عدة محاور، كان أولها التنسيق الأمني بأشكال مباشرة وغير مباشرة في العراق منذ 2003. تلا ذلك "الصمت الذي يعني الرضا" عن التورط العسكري المباشر لإيران وحَرَسها "الثوري" في قمع الثورة السورية، بالإضافة إلى عبثها بأمن لبنان واليمن. وأخيراً الاتفاق النووي الذي يُعتبر بمثابة اعتراف أمريكي واضح بإيران كقوة إقليمية في الخليج والشرق الأوسط عموماً. وقد بلغ الأمر بالسعودية أن رفضت سنة 2013 العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن؛ وقد بررت موقفها رسمياً آنذاك بالاحتجاج على عجز مجلس الأمن تحملَ مسؤوليته إزاء استخدام الأسلحة الكيماوية ضدّ المدنيين في سورية؛ ولكن الأمير بندر بن سلطان صرح فيما بعد أن الرسالة كانت موجهة إلى الولايات المتحدة أساساً حسبما أوردته مجلة "الفورين بوليسي" ساعتها. ولكن أقوى لحظات التوتر بين العربية السعودية والعم سام كانت سنة 2016 وتحديداً في شهر أكتوبر بعد تبني الكونغرس لقانون "جاستا" الذي يسمح من بين ما يسمح به بمتابعة الدولة السعودية أمام القضاء الأمريكي في أحداث 11 سبتمبر 2001 بسبب تورط مواطنيها في تلك الأحداث أو غيرها.

وحتى لا تتكرر التراجيديا العراقية في السعودية التي تحمل بذوراً طائفية وقبلية لا تقلّ خطورة، على الذين وضعوا سناريو حصار قطر أن ينظروا إلى تبعات ذلك على أمنهم الاستراتيجي. وإذا كانت العلاقات مع إيران أحد المُسوغات لهذه الأزمة، فإنّ النتائج كانت عكسية تماماً، وأعطت لإيران مرة أخرى مساحات أوسع للمناورة وتوسيع النفوذ في المنطقة، بل وتفكيك مجلس التعاون الخليجي، بعدما ظلّ هذا التجمعَ الإقليمي العربي صامداً منذ إنشائه سنة 1981. فالقبول إذن بدولة قطر مشاكسة إعلامياً أو حتى سياسياً أفضل بكثير من الدخول في صراع سيهدد، إن استمر، وجود دول الخليج برمتها.

فإذا كانت حرب الكويت قد شكلت ذريعة الولايات المتحدة لإنشاء أو استغلال 25 قاعدة جوية وبحرية في دول الخليج منها أربعة في السعودية واثنتان في قطر، فإن الأزمة القطرية ومن حيث لا تحتسب الدول المعنية، قد تعصف بوجودها، أو على الأقل قد تضرب قوتها المالية الصاعدة مُمثلةً في صناديقها السيادية تحت ذريعة دعم هذه الدول للإرهاب. وربما كانت صفقة القرن التي حصل عليها الرئيس دونالد ترامب في الرياض باكورة هذه الحرب المالية على الخليج. ثمّ إنّ السعودية قبل قطر مُتّهمةٌ من قبل الكثير من أعضاء الكونغرس ومراكز الدراسات في أوربا وأمريكا، ومنذ وقت مبكر بتمويل الإرهاب وتصدير الإيديولوجيا الإرهابية، وما قانون "جاستا" إلاّ مؤشر صغير على ما قد تتعرض له السعودية من استنزاف أو حصار لا قدر الله.

لأجل ذلك لا أظن أنّ من مصلحة السعودية ودول الخليج فتح جبهة داخلية ستُقوض مجلس التعاون، وتحاصر دوله من الداخل بعدما أصبحت محاصرة جنوباً بالحرب في اليمن، وشرقاً بإيران، وشمالاً بانهيار العراق وسورية، وغرباً بمصر التي تغوص يوما بعد يوم في مستنقع الانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني وشبه حرب في سيناء. كما أنّ السعودية لا تتحمل استنزافاً آخر لميزانيتها وتشتيتاً لقواتها على أكثر من جبهة؛ خاصة مع استمرار هبوط أسعار النفط من جهة، ومع هشاشة التوازنات الداخلية في العائلة السعودية بعد العملية القيصرية في أعلى هرم السلطة من جهة ثانية. وحتى آخر قوة إقليمية وحليف طبيعي في المنطقة، دفع التسرع السعودي إلى استعدائه؛ وأعني به تركيا من خلال اشتراط تفكيك قاعدتها العسكرية في قطر دون غيرها من القواعد الأجنبية الأخرى.
فهل أوقعت السعودية نفسها في فخ؟ أم أننا سنردد مثل كلّ نكبة أنها كانت ضحية مؤامرة غربية؟ أم أن قيادة هذا البلد تملك من الحكمة والشجاعة ما يكفي لمراجعة الموقف قبل الوصول إلى نقطة اللاّعودة؟  

 

 

التعليقات

أضف تعليقك