إبراهيم الشعري: الرباط: مقاطعة اليوسفية والتنمية المنتظرة

إبراهيم الشعري
قراءة : (90)
الاثنين, سبتمبر 11, 2017 - 11:45
إبراهيم الشعري: الرباط: مقاطعة اليوسفية والتنمية المنتظرة

شهدت العاصمة الإدارية للمملكة المغربية الرباط،منذ سنة 2014 وثيرة متسارعة في انجاز مجموعة من الاوراش الكبرى في إطار مشروع "الرباط مدينة الأنوار عاصمة المغرب الثقافية" والتي شملت مجموعة من الميادين العمرانية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ...، وقد انعكست هذه الدينامية التنموية وبدرجات متفاوتة على مختلف مقاطعات العاصمة الخمس، لكن الملفت للانتباه أن مقاطعة اليوسفية على وجه الخصوص لاتزال بعيدة عن هذه الدينامية، ولا تزال مختلف مظاهر التهميش والهشاشة تلقي بظلالها الكئيبة على كل مناحي الحياة بها.

الأمر الذي يستدعي معه ضرورة طرح أسئلة جوهرية من قبيل: لماذا استفادت مجموعة من مقاطعات العاصمة من إمكانات الدولة في إنجاز أوراش تنموية حقيقية، وخاصة مقاطعات أكدال الرياض، يعقوب المنصور وحسان، بينما بقي سؤال التنمية بمقاطعة اليوسفية مؤجلا إلى إشعار غير معروف؟ من المسؤول عن هذه الوضعية؟ وماهي الفرص الممكنة للنهوض بورش التنمية المحلية بهذه المقاطعة؟

بداية لا بد من الإشارة إلى أن التنمية المحلية مسؤولية تتقاسمها مجموعة من الهيئات والمؤسسات وبدرجات مختلفة، وتبقى المسؤولية الكبيرة للمجالس المنتخبة في إنجاز تنمية محلية مستدامة سواء تعلق الأمر بمجلس الجهة أو مجلس العمالة أو مجلس الجماعة، وبخاصة مجلس المقاطعة والذي يسود تمثل لدى الرأي العام المحلي بأنه هو المسؤول الوحيد عن التنمية المحلية، خاصة في ظلال ركود الذي تعيشه مقاطعة اليوسفية، وهو تمثل غير صحيح ولعل محاولة الإجابة عن الإشكاليات المطروحة سابقا كفيلة بالإجابة عن سؤال أسباب غياب التنمية المحلية بالمقاطعة.

إن الوضعية الحالية المزرية لمقاطعة اليوسفية في اعتقادي الشخصي، جاءت كنتيجة طبيعية لمجموعة من العوامل الظرفية والبنيوية نجمل بعضا منها فيما يلي:

غلبة إحياء التنمية الحضرية على تراب المقاطعة: تعتبر مقاطعة اليوسفية أكبر مقاطعة بالعاصمة من حيث الكثافة السكانية، خاصة بأحياء التنمية الحضرية الفرح، الرشاد، أبي رقراق، الانبعاث، التقدم.. ، وهي أحياء تنتشر فيها مظاهر العشوائية سواء على مستوى الأنشطة من خلال انتشار الباعة المتجولين أو على مستوى السكن من خلال مباني عشوائية تطوق المقاطعة من كل جوانبها، في المقابل تغيب بالمقاطعة المرافق النوعية التي من شأنها أن ترقى بها من قبيل كلية أو مستشفى جامعي أو محطة طرقية أو شركات صناعية كبرى..وهو ما فوت على المقاطعة فرص الاستفادة من عوائد هذه المشاريع للنهوض بورش التنمية المحلية.

غياب سياسات عمومية ناجعة: يروج اعتقاد لدى نسبة كبيرة من الساكنة المحلية بالمقاطعة مفاده أن غياب التنمية المحلية باليوسفية، هو فعل إرادي متعمد، تسعى من خلاله بعض من دوائر صناعة القرار السياسي إلى جعل هذه المقاطعة ضمن دائرة المناطق التي من خلالها يتم ترتيب الخريطة الانتخابية على صعيد الرباط، وبالتالي يتوجب الابقاء على سياسات عمومية هشةبها، حفاظا على الخزان الانتخابي القاطن بها، والذي يسهل استمالته إما بالمال أو المصالح أو التخويف.

أزمة النخب المحلية: جزء من أزمة المجالس التي تعاقبت على تسيير مقاطعة اليوسفية بالرباط، هو غياب نوعية من النخب المحلية القادرة على مباشرة مهام المنتخب من موقع الإبداع والفعالية والنجاعة والعطاء والمتابعة والتواصل مع الساكنة، مع تسجيل استثناءات على رؤوس الأصابع، هذا الفراغ قاد إلى هيمنة فئة من المنتخبين الذين يعتبرون المقاطعة بقرة حلوب تمكنهم من بناء شبكات من المصالح الخاصة وتبادل المنافع في إطار يلفه الريع، دون اعتبار لكون ممارسة الشأن العام المحلي جزء من المواطنة، وأن النخب المحلية رافعة أساسية في التنمية المحلية، مع ما يتبع ذلك من استحضار لقيم نكران الذات وتغليب المصلحة العامة .

أحزاب سياسية مترهلة : يسترعي انتباه المتتبع للشأن السياسي بالمقاطعة أن أغلب الأحزاب السياسية، تخلت عن دورها في ممارسة التأطير والتكوين للمواطنين، إذ يلاحظ شبه انعدام لأنشطتها الداخلية والإشعاعية بالمقاطعة على مدار السنة باستثناء حزب العدالة والتنمية الذي يتوفر على مقر مفتوح في وجه عموم ساكنة المقاطعة، مما جعلها تتحول الى دكاكين انتخابية تشتغل بمنطق منح التزكيات لمن يدفع أكثر، وهذا ما ساهم في فرز نخب محلية فاقدة للمصداقية وللشرعية النضالية وهو ما يتأكد عند ملاحظة أن أغلب مقرات الأحزاب السياسية بالمقاطعة، لا تفتح أبوابها إلا مع بداية كل استحقاق انتخابي وتغلقها بمجرد الإعلان عن النتائج.

ومما يكرس رداءة الحياة الحزبية بالمقاطعة أنه أصبح من المألوف تغيير عدد من المستشارين الجماعيين لانتماءاتهم الحزبية عند كل استحقاق انتخابي، فنجد العديد من المستشارين في كل ولاية انتخابية يترشحون مع حزب سياسي مغاير للذي انتسبوا إليه سلفا، ما يكرس لدى المواطن فكرة أن هؤلاء المنتخبين إنما تحركهم مصالحهم الذاتية الشخصية لا غير.

معارضة غير فاعلة: منح الدستور موقعــــا خاصا للمعارضة داخل المجالس المنتخبة، بيد أن المعارضة بمقاطعة اليوسفية لم تتمكن لحد الساعة من استثمار هذا الموقع لتقديم بدائل معقولة ومقترحات عملية تفيد المقاطعة. وكمثال على ذلك، نلاحظ أنه بعد مرور سنتين على تشكيل المجلس الحالي، لا يسمع حس المعارضة إلا بالعرقلة والبلطجة والسب والقذف وتكسير ممتلكات المجلس، وهو ما

يدفعنا للتساؤل: هل فعلا هناك معارضة مؤسساتية؟ وهل لهذه المعارضة رهانات سياسية معينة؟ أم أنها جزء من ترتيبات معينة لاستدامة الوضع المأساوي بالمقاطعة؟

مجتمع مدني معطل : لعل أحد الديناميات المهمة في التنمية المحلية حضور المجتمع المدني كقوة ترافعية في اتجاه المساعدة على تحقيق الجودة المنشودة، لكن يلاحظ بالنسبة لمقاطعة اليوسفية أن الجزء الأكبر المحسوب على المجتمع المدني له ارتباط بدوائر معينة؛ حيث يشتغل بمنطق الابتزاز والتخويف والترهيب والتشهير من خلال توظيف واستغلال مواقع التواصل الاجتماعي تحت الطلب لتحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن التنمية المحلية،في حين يلاحظ أن المجتمع المدني الحقيقي والفاعل صوته غير مسموع بالمقاطعة أو لا يراد سماعه، وتتم محاصرته.

سكون السلطة المحلية: من المؤكد أن دور السلطة المحلية حاسم في تفعيل مختلف البرامج على المستوى المحلي، لكن يلاحظ سكون السلطة المحلية في معالجة مجموعة من القضايا التي تقع تحت دائرة اختصاصها، ولعل نموذج  التعامل مع ملف احتلال الملك العمومي بالمقاطعة صورة واضحة في هذا المضمار،الشيء الذي حول الشوارع الكبرى للمقاطعة إلى أسواق عشوائية بسبب انتشار الباعة المتجولين.

غياب الحكامة: أحد أهم معيقات العمل الجماعي بالمقاطعة هو غياب الحكامة بما تمثله من حسن تدبير المرفق بطريقة فعالة وناجعة، لا تستهلك في التدبير اليومي الروتيني، وتعمل بمبدأ التدبير بالنتائج، هذا الوضع سعى المشرع إلى تجاوزه من خلال إلزام المجالس المنتخبة، بوضع برنامج عمل والذي يعد بمثابة خارطة طريق لتحقيق التنمية المندمجة، هنا يحق لنا التساؤل: هل مجلس مقاطعة اليوسفية الحالي يعمل وفق برنامج عمل واضح المعالم، أم فقط تدبير يومي بسيط، وهل يملك رؤية مستقبلية لأفق التنمية بالمقاطعة.

هذه بعض أسباب غياب التنمية المحلية بمقاطعة اليوسفية، وأي محاولة لتجاوز هذه المعيقات تقتضي بالضرورة استحضار حلول انطلاقا من المسببات، والتي يمكن أن تساهم في رفع الحيف الذي لحق هذه المقاطعة من جراء تعاقب سياسات عمومية معطوبة عليها .

في الأخير لا بد للخروج من هذه الأزمة التي تعيشها المقاطعة، العمل بمنهجية تستحضر التعاون بدل النزاع، الإشراك بدل الاقصاء، بنفس الواجب وليس الاستفادة الغير المشروعة، مع ضرورة أن تتحمل كل الاحزاب السياسية والنخب المحلية المثقفة؛ مسؤوليتها كاملة مع تمكين المجتمع المدني الحقيقي من الآليات التي منحها إياه  دستور 2011 ، وذلك لمباشرة مهامه وأدواره الحقيقية بخلفية مواطنة.

ويبقى دور السلطة المحلية حاسما في الرقي بالمقاطعة، خاصة في ظل الصراع المستمر الذي يعرفه المجلس المنتخب، وهو ما يلقي بالمسؤولية عليها في استقطاب مشاريع استثمارية كفيلة بالتخفيف من المشاكل التي تتزايد بالمقاطعة، علما أن كل المعطيات المتوفرة حاليا تشير إلى أن أفق الارتقاء بالتنمية المحلية بالمقاطعة لا يبدو قريبا.

ويبقى الأمل في مبادرة جماعية تلتقي فيها مختلف الارادات الخيرة من المجتمع المدني والسياسي وباحتضان من السلطة في شخص والي جهة الرباط سلا القنيطرة عامل عمالة الرباط، من أجل تحقيق انفراج يعود بالنفع على  الجانب التنموي للمقاطعة.

هذه قراءة بسيطة للمشهد التنموي بمقاطعة اليوسفية، كتبت بقناعة مفادها أن أزمة التنمية بالمقاطعة تستوجب تظافر جهود الجميع كل من موقعه وفي دائرة اختصاصه، بعيدًا عن المزيدات السياسية، أو محاولة النيل من هذا الفاعل أو ذاك، بهدف تشكيل وعي جماعي، يترافع عن المقاطعة من أجل غدٍ أفضل، حتى نتجاوز مقولة "المقاطعة المنكوبة" إلى "المقاطعة الصاعدة".

التعليقات

أضف تعليقك