ابتزاز المثقف

ياسين عدنان
قراءة : (45)
الأحد, نوفمبر 5, 2017 - 18:30
ابتزاز المثقف

يتعرّض المثقف للابتزاز في مجتمعاتنا بشكل غير مقبول. الكل يبكي غيابه ويندب تخلّيه عن الشعب وتقاعُسه عن الاضطلاع بأدواره التاريخية. إنّما، أيّ أدوار؟ وجهُ الابتزاز الأوضح يتجلّى فيها أننا نتذكّر المثقف فقط بعدما تصدح الحناجر بالشعارات في الشوارع لحظة الاحتقان والتصعيد. ليُطلب منه بلورة موقفٍ سريعٍ وواضحٍ في شرطٍ ملتبسٍ بالغ التعقيد دون أن نحفل بتشخيصه للوضع. وما إن يحاول بعضُ المثقفين المساهمة في النقاش العام بمساءلة القناعات والأفكار، والذهاب بالتحليل أبعد من الشعار، حتى يُصْلَبون بلا رأفة. فالمثقف هو الحائط القصير، وعليه أن يكون بوقًا للجماهير، دون أن يُشوِّش على ثوابتها، أو يزرع بذورَ الشك في قناعاتها العمياء. الجماهير تحتاج إلى مثقف تُبجّله وَتُقدّسه باعتباره الطليعةَ وحامل اللواء، تحتاجُ مسمّعًا لمواقفها وصدىً مجلجلًا لشعاراتها. تحتاج مَن يُسوِّغ مطالبها ويشرعن نزوعاتها الطائفية حينًا والشعبوية أحيانًا. لذا تجدها تُعلي من شأن هذا الصنف من “المثقفين” مهما كان خطابهم ضحلًا. هذا هو المثقف “العضوي” الذي يتغنّى به الجميع. أمّا المثقف النّقدي الذي يطرح الأسئلة، ويناقش البديهيات، ويراجع المسلّمات، فغيرُ مرحّبٍ به في مجتمعات الإجماع التي لا تقبل الرّأي المخالف. وكلما كان المثقف حرًّا حريصًا على استقلاليته، رافضًا الارتماء بين أحضان السلطة من جهة، مستنكفًا في الآن ذاته أن يتملَّق الجماهير ويدغدغ مشاعرها، فإنه يصير منبوذًا مُفرَدًا إفراد البعير المُعبَّد. وكثيرٌ هم المثقفون الذين تعرّضوا لاضطهاد مزدوج من السلطة والجماهير معًا. في عزّ حركة 20 فبراير التي قادت إلى تغيير الدستور في المغرب، جاءني بعضٌ من شبيبة الحركة مُحيّين خروجي معهم في المظاهرات في وقتٍ “اختار فيه المثقفون المغاربة بكل جُبنٍ التراجع والانزواء” على حدّ زعم أحدهم. كان واضحًا أنّ الشباب تعرّفوا عليَّ أساسًا بسبب البرامج الثقافية التي أقدّمها في التلفزيون. وبما أنني كنتُ مُحاطًا بنخبة من مثقفي المدينة ممن اختاروا التظاهر، بادرتُ إلى تقديمهم لهم واحدًا واحدًا: هذا روائي معروف، وذاك صاحب تآليف مرموقة في الفكر والفلسفة. هذا كاتب مسرحي، والآخر باحث في علم الاجتماع. ارتبك الشباب الثائر قليلا، خصوصًا وأنهم لم يستدلّوا على أيّ منهم، لا اسمًا ولا صفةً مع أنني كنتُ أقدّم مع كل كاتبٍ مؤلَّفَهُ الأبرز. كان واضحا أن أصحابنا لم يقرأوا لأيٍّ من كُتّاب مدينتهم حرفًا، ومِن هؤلاء الكُتّاب من أدّى ضريبة النضال باهظةً سنوات الرصاص. منذ تلك الواقعة، وأنا أتعامل بارتياب مع الذين يذرفون دموع التماسيح على غياب المثقف. فأغلبهم ممّن غيَّبوا الثقافة، لغةً وتحليلًا، واستغنوا عنها بالشعار. وكلما وجدوا أنفسهم في ورطة سياسية طفِقوا يستصرخون المثقف وكأنه نبيٌّ منقذ. المثقف بالنهاية مجرّد مواطن مِهنتُه بلورة الأفكار وصياغة الوجدان. قد يمارس الالتحام بالجماهير، أنّى شاء، مِن موقع المواطَنة. لكنَّ عنوانَه الثابت لمن يطلبُ لقاءَه، فهو مُنْجَزهُ الفكري والأدبي. المثقف مقيمٌ في كُتبه، وكل من يبحثُ عنه في مَضَانّ أخرى إنّما يُزايِدُ عليه. فمن غير المقبول أن نطالب المثقف بأدوار دونكيخوتية لا قِبَل له بها فيما نحن عاجزون تمامًا عن الخطو باتجاهه بسبب عزوفنا التّام عن القراءة. لكي نلتقي المثقف علينا أن نكون قرّاء أوّلا، قرّاء بالأساس. تأثير المثقف في المجتمع بطيءٌ في العادة، لأنه يكتب وينتظر أن يقرأ الناس ما يكتب ويستوعبوه ليصير لفكرته بعض الأثر. أمّا المثقف المارد الذي يخرج من قمقمه في لحظات الضيق ليعانق أحلام الجماهير ويغازل شعاراتها ويفوز بهتافها وتصفيقها، فهو وجهٌ آخر لأزمة المثقف وإعلانٌ صريحٌ عن إفلاس دوره النقدي.

التعليقات

أضف تعليقك