البلوكاج : هل هو مسؤولية ابن كيران !!

محمد يتيم

بعض الأقلام المنزعجة من النصر الانتخابي البين الذي حققه حزب العدالة والتنمية في انتخابات السابع من أكتوبر، سعت وتسعى بكل ما تملك من جهد لقلب الحقائق ولي عنق النص الدستوري، والخروج بفتاوى غريبة عن روحه ونصه، وعن التأويل العملي الذي كرسه التصرف الملكي الراشد بتعيين السيد عبد الإله بن كيران رئيسا للحكومة في مناسبتين اثنتين:

مناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2011 وانتخابات السابع من أكتوبر 2016 ، وكي تكسب الجهات التي تتكلم باسمها في لحظة التفاوض من اجل تشكيل الحكومة، ما عجزت أن تحققه من خلال صناديق الاقتراع . تسعى هذه الأقلام أن تروج وتحمل المسؤولية في ما سمي بـ"البلوكاج" إلى رئيس الحكومة المعين، والواقع يؤكد عكس ذلك.

فـ"البلوكاج" في جوهره ليس حدثا عارضا مرتبطا بتشكيل الحكومة، بل إنه يرجع الى ما هو أبعد من لحظة التفاوض من أجل تشكيل الحكومة: إنه يرجع إلى حالة تردد وحالة تدافع متواصلة بين ارادة تتطلع إلى الإصلاح ومواصلته، وإرادات تتخوف منه وتتربص به وتقاومه.

الوضع الذي نعيشه اليوم مرتبط بعوامل تمتد على طول خمس سنوات مضت ، فضلا عما عرفته السنة الماضية مما كان متوقعا ، ومما تجاوز التوقع في الأسابيع والأيام التي سبقت الانتخابات ، ثم بعد إعلان النتائج والمحاولة الانقلابية التي كان يحضر لها يوم الثامن من أكتوبر .

ولذلك دعونا نسترجع بعض المعطيات والوقائع ونبحث عن خيطها الناظم .

أولا : إن المشكل في عمقه يرجع إلى أن البعض أصبح يعتبر أن خطاب التاسع من مارس 2011 قد يكون أعطى أكثر مما هو مطلوب، وأنه بعد أن مرت سحابة الربيع العربي وتحولت الى عواصف هوجاء خريف مدمر ، فإنه قد حان الوقت لاسترداد اليد اليسرى ما تم تقديمه باليد اليمنى . ولعل الدعوة إلى تعديل الدستور في اتجاه يعيد إليه الروح الدستورية التي سكنت الدساتير السابقة دليل واضح عما نقول .

من هذا المنطلق نفهم ما عانته التجربة الحكومية من استهداف وما تردد على أكثر من لسان وتحليل أن البعض كان يسعى ويعمل لإغلاق القوس ، وهو ما يفسر الصعوبات التي واجهتها الحكومة في السنتين الأوليين، وهي الصعوبات التي لم تتوقف بعد ذلك، بل تواصلت بأشكال مختلفة، استهدافا لها من الخارج ومحاولة لنسفها من الداخل، حيث أنتج ذلك معاناة بعضها معروف وبعضها غير معروف، معاناة تحملها رئيس الحكومة بصبر وجلد كانت تصل الى حد لا يُطاق، وكان يعبر عنها من حين لآخر بطريقته الخاصة . هو الاستهداف الذي بلغ الى محاولة الايقاع بين جلالة الملك ورئيس الحكومة ، والسعي الى ترسيخ فكرة كاذبة ان هناك داخل الحزب " حمائم " و " صقور " وتبادل للأدوار .

وقد كان غريبا حقا كيف حُمل الحزب مسؤولية ما راج في وسائل التواصل الاجتماعي من حديث عن " أراضي خدام الدولة " والفيديو الذي تناول الحياة الخاصة لبعض مسؤولي الدولة .. وعموما كيف أصبح الحزب مسؤولا عن كل ما يتداول في وسائط التواصل الاجتماعي بما في ذلك الاستهداف لشركاء سابقين ومحتملين في التحالف الحكومي ، وكيف روجت أسطورة الكتائب الإلكترونية الموجهة من قبل الحزب ، رغم إصدار الأمين العام والأمانة العامة بلاغات وتوجيهات بالكف عن التعليق في بعض من تلك القضايا المثارة و مسألة التحالفات، ونسي الجميع أو تناسوا أننا أمام تحولات تتحدى تحكم حزب بل أجهزة الدولة بكل إمكانياتها فيما ينشر ويدون في الشبكة العنكبوتية .

ثانيا: إن التأمل أيضا في كل الوقائع والأحداث التي سبقت وتلت المسلسل الانتخابي يؤكد بما لا يدع شكا أنه تم السعي إلى تحجيم حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية، إما من أجل الحيلولة دون تصدره للمشهد الانتخابي أو بما يؤدي إلى إنتاج خريطة انتخابية تعقد تشكيل الأغلبية أو بالشكل الذي يمكن عند الحاجة من الالتفاف على الإرادة الشعبية .

وهذا ليس مجرد تخمين أو رجوع إلى جدل حول مسار المشاورات الجارية ، فكل المؤشرات تدل على ذلك . نتذكر في هذا الصدد كل التدابير القانونية والمسطرية التي كانت تسير في هذا الاتجاه ومنها على الخصوص الدعوة الى تقليص العتبة ، بل إن حزبا وطنيا تاريخيا كان لوزيره الاول في انتخابات 2007 الفضل في رفعها الى 6% ، وكان أول من تبنى " أطروحة النضال الديمقراطي"، قد دعا إلى الغائها نهائيا ، وهو ما تعامل معه رئيس الحكومة وحزبه بمرونة ، وشن حملة ممنهجة ضد التقييد الالكتروني مدعيا قيام حزب العدالة والتنمية بحملة إنزال.

ونتذكر أيضا ما عرفته الأسابيع السابقة للانتخابات من منع لأنشطة الحزب وتجميد البرامج التنموية لعدة مجالس جماعية، وتبخيس عدد من الجهات للعمل الحكومي في سياق انتخابي ، ناهيك عن " المسيرة اللقيطة " التي تبرأ الكل منها، رغم ما تواتر من شهادات عن تورط عدد من المستويات في السلطة فيها فضلا عن أيادي الحزب المعلوم.

أما فيما يتعلق بما بعد الانتخابات فلقد أصبح معروفا ما دبر في اليوم الموالي من محاولة انقلابية كانت تسعى لتشكيل أغلبية تفرض رئيسا لمجلس النواب خارج الأعراف المتبعة في الموضوع، وما تسرب من اقتراح بعث رسالة الى جلالة الملك مفادها رفض الاحزاب التعامل مع رئيس الحكومة المعين، وما أثير من أن الحزب المعلوم قد تداول او اعتزم مراسلة جلالة الملك بشأن مقترح تعديل دستوري تتم بمقتضاه مراجعة الفصل 47 وغيره من الفصول ذات الصِّلة، في إشارة واضحة الى تضايق من تفعيل مقتضيات هذا الفصل من قبل جلالة الملك ، وباختصار تدبير محاولة انقلابية تامة على نتائج استحقاقات السابع من أكتوبر، وكل ما جاء بعد ذلك من مواقف واشتراطات ليس سوى تفاصيل.

في كل هذه المعطيات والحيثيات والسياقات تكمن الأسرار والعوامل الحقيقية لما سمي بــ"البلوكاج" ، وهو البلوكاج الذي لم يكتف المسؤولون عنه بهندسته والمشاركة في تنفيذه بل حاولوا إلصاق المسؤولية عنه للسيد رئيس الحكومة المعين.

ثالثا: إن التأمل كذلك في "الفتاوى" الدستورية التي طلعت بها بعض "الافتتاحيات" ونطق بها بعض "الخبراء" يؤكد أنها ليست سوى محاولة أخيرة لاستدراك ما أمكن استدراكه وتحقيق ما تم العجز عن تحقيقه انتخابيا من خلال الحزب المعلوم ومن خلال اجندته التحكمية . هي محاولة جديدة للعودة لنفس المنطق ، منطق التحكم و"البلوكاج" من خلال أدوات إعلامية، ثم من خلال ادوات "فقهية" دستورية ، فكانت تلك الفتاوى الدستورية المضحكة التي خرجت تقترح مخارج ( عن الديمقراطية وعن روحه ومنطقها وليس مخارج دستورية ) هي أخطر في تقديرنا من المحاولة الانقلابية ليوم 8 أكتوبر .

هذا النوع الثاني ليس انقلابا على نتائج انتخابات السابع من أكتوبر وعلى المنهجية الديمقراطية فحسب، بل هو محاولة انقلاب على أصوات الغالبية الساحقة من الشعب المغربي الذي صوت بشبه اجماع يوم 01-07-2011 على الدستور، محاولة انقلاب على واحدة من بين أهم مضامين الدستور الجديد التي جعلته يقابل بقبول حسن ، ويتعلق الأمر بالفصل 47 الذي أعطى لأول مرة في تاريخ المغرب الطابع الديمقراطي البرلماني للملكية للمغرب مضمونا قويا ، وللانتخابات التشريعية من حيث إنها تعبير عن الإرادة الحرة للمواطنين معنى ظاهرا.. إذ بدا منذ ذلك اليوم ، أن السياسة قد ولدت في المغرب ولادة جديدة .. نقول في النهاية إنه من التضليل ربط "البلوكاج" بعجز مرتبط بشخص رئيس الحكومة المعين .

هذا الادعاء هو تزوير للحقائق ومحاولة لاغتيال معنوي لرئيس الحكومة ، ومقدمة نحو " اغتيال " المضمون الديمقراطي الأساسي الذي حمله معه دستور 2011 ، وهو أمر أكبر من توتر أو خلاف في مسار التفاوض ، أو تصريح هنا وتصريح هناك . هو أكبر من شخص رئيس الحكومة ، ومن مواقع أو غنائم وزارية ، ورفضه والتصدي ليس مجرد تكتيك تفاوضي ، لأن الأمر إذا وقع – لا قدر الله – سيكون انتكاسة في مجال البناء الديمقراطي ، وإجهازا على التراكمات التي مكنت بلادنا من أن ترسم عن نفسها صورة الاستثناء والنموذج الذي تتطلع له عدة شعوب. السؤال الأكبر الذي ينتظر جوابا من الجميع هو : ألم يحن الوقت بعد أن نقطع مع التردد والبريكولاج؟ هل ستنتصر لدينا إرادة التقدم ام إرادة النكوص؟ الإرادات المتطلعة للإصلاح وهي موجودة على كل المستويات بما في ذلك اعلى مستويات السلطة ونحن على يقين أنه على رأسها يوجد جلالة الملك ، أو إرادات تتخوف منه ان لم نقل تقاومه ، وتستخدم كل وسائل التشويش ، وهذه هي الأخرى موجودة على جميع المستويات ؟ إلى متى نواصل هدر الزمن السياسي في البريكولاج ومعاكسة التوجه الحتمي للتاريخ ، أي بناء مجتمع الحرية والديمقراطية وانتهاء عصر الوصاية ؟ لحسن الحظ فان منطق التاريخ وتصاعد الوعي السياسي وانخراط المواطن والجدلية القوية القائمة بين الاصلاح والاستقرار، وبين تعزيز المسار الديمقراطي والقدرة على مواجهة التحديات المحيطة سياسيا واقتصاديا وأمنيا ،كل ذلك يلعب لصالح المسار الثاني .ولا يلعب لصالح من يشتغلون بمنطق البلوكاج و البريكولاج.

لحسن الحظ أننا نملك كافة الضمانات لتحقيق هذا التحول التاريخي دون المرور بالآلام التي مرت منها تجارب الانتقال الديمقراطي: أي الملكية المالكة للمشروعية الدينية والتاريخية والاجتماعية ، والممتلكة لمحبة الشعب ولكل الصلاحيات الدستورية التي تجعلها مستغنية عن أي نمط من الوساطة تنصب من نفسها ضامنة للتوازن ومانعا من هيمنة هذا الطرف أو ذاك إذا جاز الحديث عن هيمنة في ظل دولة المؤسسات والضمانات الدستورية وفي ظل يقظة مجتمعية متميزة . فذاك منطق ينتمي إلى عهد بائد من المفترض أن التصويت بالإجماع على دستور 1996 قد حسم معه إلى غير رجعة .