المغرب قاطرة للنهضة والديمقراطية والاستقرار في المنطقة..أم عربة في قطار الخريف العربي؟

محمد يتيم
قراءة : (4397)

هناك اليوم إجماع لدى أصحاب الرأي من كبار السياسيين والمفكرين والمحللين الاستراتيجيين أن التنمية الاقتصادية مرتبطة جوهريا بالتنمية السياسية، وأن النجاعة الاقتصادية لوحدها لا تخلق نموذجا تنمويا ما لم يرتبط بنجاعة سياسية أي بربط المسؤولية بالمحاسبة وإشراك المواطن.

هناك اليوم إجماع أيضا على أن مفهوم الأمن لا يقف فقط عند تأمين الحدود والتصدي للإرهاب والإرهابيين، ولا يتوقف فقط عند عمل الأجهزة الأمنية، وأن عملها ضروري ومطلوب، وينبغي أن توفر له كل أسباب النجاح، ولكن الأمن أيضا وأساسا هو "أمن ديمقراطي"، هو أيضا شرعية مستمدة من المشاركة المواطنة، وثقة من المواطن بأن له كلمة، وأن لصوته فائدة. وما عدا ذلك فهي جهود تهدر، وفرص تضيع، وشك وتشكيك في كل الأشياء الجميلة والمكتسبات التي تحققت لهذا الوطن.

 وعكس ذلك يعزز توجهات الرفض والشك والتشكيك في المؤسسات وفي العملية السياسية ويضعف أدوات الوساطة ويجعل الدولة في مواجهة مباشرة مع الشارع والمواطنين، وهي الوساطات التي لم تخلقها الدولة الحديثة عبثا، ولم تتم مأسستها في الديمقراطيات الحديثة لغوا وهدرا في الجهد والوقت .

لذلك من المؤسف بل من المحزن أن يدفع البعض في اتجاه النكوص والدفع بالبلاد في اتجاه الشك والتشكيك في نوايا مختلف مكونات الساحة الوطنية، بدل الاعتراف المتبادل والثقة في المسار الديمقراطي وتعزيز الثقافة الديمقراطية.

ليس ضروريا من أجل أن تطالب بالصلاح وتناضل من أجل الانتقال الديمقراطي أن تكون خصما للدولة ورموزها وأن تنازعها المشروعية كما كان يحدث دائما. وليس لازما من أجل دعم الاستقرار واحترام المؤسسات والصلاحيات والرمزيات أن تتحول إلى جزء من منظومة السلطوية وتعيد إنتاجها في الخطاب وفي الممارسة السياسية وأن تقدم تنظيمك الحزبي وقيمك النضالية قربانا على معبدها غير المقدس.

الديمقراطية وآلياتها وثقافتها ليست مسكنات أو مهدئات ترمى في سلة المهملات بمجرد زوال الصداع الطارئ والألم الحاد...الديمقراطية نظام عيش وحمية نستبق معها السكتات القلبية والدماغية والاختلالات الوظيفية والخلايا السرطانية التي يعتبر علاجها مكلفا وليس دوما مضمونا، هي لغة عقل ومحاورة وليست لغة تهديد ومناورة، هو خطاب نابع من غيرتنا على وطننا، وحرصنا على أن يبقى استثناء ومنارة متميزة.

 أما حزبنا فقد قرر قرارا استراتيجيا أنه لا سبيل إلا النضال الديمقراطي والصمود من أجل البناء الديمقراطي، ولو كان ذلك على حساب مواقعه.. ستظل مصلحة الوطن عندنا فوق مصلحة الحزب، ومصلحة الوطن في استكمال مسار البناء الديمقراطي وعدم الإنصات لصوت النكوص وإغراءات التراجع إلى الخلف .

التجربة المغربية اليوم أصبحت ملء عين العالم وتحت متابعته، هي محل اهتمام وأمل من قبل إخواننا العرب والمسلمين الذين يَرَوْن بصيص أمل وشعاع ضوء في بحر لجي من الإحباط وظلمات الاستبداد والفوضى والحروب الأهلية.

وموقع المغرب وما هيء له من أسباب منها ملكية ذات شرعية تاريخية ودينية واجتماعية ودستورية لم يعد ينازع فيها أحد، يتطلب أن يظل متطلعا إلى الأعلى ويرنو إلى الالتحاق بالدول الصاعدة والنماذج الديمقراطية الرائدة والمستقرة لا أن يقع في إغراء تجارب النكوص والتصلب السياسي.

من الأولى والأنسب أن يظل المغرب قاطرة في قطار النهضة والديمقراطية والتقدم بدل أن يتحول إلى عربة في قطار الخريف والاستبداد العربيين .

على المغرب أن يختار ولا نخال عقلاء هذا الوطن مختارين خيار العقل والحكمة، خيار مواصلة البناء الديمقراطي لا خيار دعاة إغلاق القوس الذين يتخيلون أن الشعب المغربي أقل نضجا من أن يعيش ويتمتع بديمقراطية حقيقية وكاملة مكتملة .