تناقضات البلاغ الرباعي: فحص في مصداقية ادعاءات بلاغ الاحزاب الأربعة !!

محمد يتيم

المتمعن في البلاغ الرباعي سواء من حيث الشكل أو المضمون سيلاحظ دون عناء المعطيات والتناقضات التالية :

- من ناحية الشكل هو بلاغ صادر عن تجمع لأربعة أحزاب، اثنان منها كانا في الأغلبية الحكومية السابقة واثنان منها في المعارضة، يقفون في " صف  واحد" لـ"محاورة " رئيس الحكومة، وبلغة الحقيقة يقفون في مواجهة رئيس الحكومة المعين ويستقوون عليه، وكان كل واحد منهم هو من الضعف والاهتزاز وعدم الثقة في النفس  مما لا يجعله قادرا على المشاركة في التشاور ومحاورة رئيس الحكومة المعين عن نفسه، وبطبيعة الحال  يتم ذلك بعيدا عن الهيئات التقريرية للأحزاب المعنية.
يحدث هذا قبل أن تتشكل الحكومة، فما بالك إذا تشكلت؟ فعن أي انسجام يتحدثون ما دام "المنطق " الذي ستبنى عليه الحكومة خرج من الخيمة مائلا في بلاغ الأحزاب الأربعة !!  .

- يتحدث البلاغ عن الحاجة للانسجام الحكومي، ولا نعرف عن أي انسجام يتحدثون ؟
أي انسجام بين الشق اليميني والليبرالي عند موقعي البلاغ (مع التجاوز في استخدام هذه التوصيفات) وبين الشق " اليساري الاشتراكي " المفترض؟
أي انسجام بين الأحرار والدستوري والحركة من جهة وبين الاتحاد الاشتراكي اليساري -كذا -؟ وأي انسجام بين هؤلاء جميعا وبين الحزب المتصدر للانتخابات أي العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية؟
حكاية الانسجام المزعوم إذن كذبة سياسية كبرى لا يمكن أن يصدقها عاقل، ولو كان الاتحاد الاشتراكي حريصا على الانسجام لبقي وفيا لمنطقه الذي برر به سنة 2011 اختيار المعارضة !!

- يتحدث أصحاب البلاغ عن الحاجة لحكومة قوية ولأغلبية عددية مريحة تمثل إطارا لضمان حسن سير مؤسسات الدولة!! وفي هذا تناقض مع دعوى التجانس والانسجام، لأنه كلما كثر عدد الأحزاب المشاركة في الحكومة كلما ضعفت إمكانيات التجانس والعكس صحيح !!
ربما كان التجانس المقصود هو وجود كتلة متجانسة داخل الحكومة من أجل التضييق على رئيس الحكومة وجعله مجرد رئيس صوري لا يرأس شيئا، ولا يمارس وظيفة التحكيم بين القطاعات الحكومية خاصة بين الأحزاب المشاركة " المتجانسة "ما دامت قادرة باعتبار "تجانسها" المزعوم، على حل خلافاتها خارج سلطة رئيس الحكومة !!
ومن كان يتصور أن يرضى أن يكون ابن كيران مجرد رئيس حكومة صوري، أو أن يرضى حزبه بذلك، أو أن يرضى الناخبون الذي بوأوه الصدارة في الانتخاب ذلك فهو واهم .
نعم لقد أبدى ابن كيران من المرونة في تدبير شؤون الحكومة السابقة والحفاظ على الانسجام بين مكوناتها الشيء الكثير، وأبدى خلال التشاور لتشكيل الحكومة قدرا كبيرا من المرونة حسبه البعض ضعفا وقابلية للتنازل إلى ما لا نهاية، لكن لا يظنن أحد أن ابن كيران يمكن أن يصل به الأمر إلى حد قبول الإهانة والمس بكرامته الشخصية وكرامة حزبه والمواطنين الذين أعطوا أصواتهم لحزبه!

- ومن أخطر التناقضات والادعاءات في البلاغ مما لم يتم الانتباه له عند كثير من المعلقين، إعلان تكتل الأحزاب الحكومية المفترضة ضد رئيس الحكومة، والتزامهم بالعمل المشترك "من أجل الوصول الى تقوية و تعزيز التحالف الحكومي، الذي أضحى ضروريا لتشكيل إطار مريح، قادر على ضمان حسن سير مؤسسات الدولة ".
فالبلاغ ينتحل وظيفة هي اختصاص حصري لملك البلاد كما جاء في الفصل 42 الذي يقول صراحة "الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة." ،
إننا لا نعرف بأي منطق سياسي أو دستوري، أصبح من رسالة ومهمة أحزاب تذيلت ترتيب الانتخابات، ضمان حسن سير المؤسسات وجعل وجودها في الحكومة شرطا وضمانا لذلك !!

- وثالثة الأثافي في البلاغ الرباعي هو الاستشهاد بالخطاب الملكي لدكار حيث يبرر البلاغ دعوته لتوسيع الأغلبية الحكومية بالإحالة على الخطاب المذكور بالتأكيد على حرص الأحزاب المذكورة  على المساهمة في تشكيل أغلبية حكومية تتماشى مع مضامين الخطاب الملكي بدكار، والذي نبه فيه جلالته إلى ضرورة تكوين حكومة ببرنامج واضح وأولويات محددة، للقضايا الداخلية والخارجية. وكذا حكومة قادرة على تجاوز الصعوبات التي خلفتها السنوات الماضية.
ما فهمناه وفهمه الجميع من البلاغ الملكي لدكار أنه وضع معايير واضحة لتشكيل الحكومة المقبلة لا تنسجم مع ما ذهب إليه البلاغ الرباعي، أي حكومة مبنية على الجدية والمسؤولية والخبرة والكفاءة بعيدا عن المنطق الحزبي الضيق وبعيدا عن إرضاء رغبات الأحزاب السياسية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية.
ولضمان احترام هاته المواصفات أعلن جلالة الملك أنه سيحرص على أن يتم احترام تلك المواصفات و أنه لن يتسامح مع أي تجاوز لها .
واترك للقارئ النبيه أن يجيب على الأسئلة التالية:

-هل بلاغ الأحزاب الأربعة منسجم مع صيانة الاختيار الديمقراطي، أي اختيار التوجه العام لتصويت الشعب؟ هل الاختيار الديمقراطي ينسجم مع تحكم أحزاب تأخرت حسب نتائج الاقتراع في مخرجات العملية التشاورية من أجل تشكيل الحكومة، وجعل رئيس الحكومة تحت هيمنة ورحمة أحزاب أخرى البعض فيها استطاع بالكاد تكوين فريق نيابي؟
هل يمكن أن نصدق أن اشتراط دخول الأحزاب الأربعة محقق للانسجام والنجاعة؟

- هل توجه الأحزاب الأربعة كما جاء في البلاغ محقق لشرط السير العادي للحكومة كما ادعى أم على العكس من ذلك ينسفه منذ البداية، لأنه ينطلق من منطق الإملاء ومن اعتبار وجود أحزاب جاءت في ذيل الترتيب الانتخابي في الأغلبية الحكومية شرطا في النجاة وفي استقرار مؤسسة الحكومة ؟

- هل يمكن أن نصدق أن بلاغ الأحزاب الأربعة محكوم بمنطق خطاب دكار أي منطق النجاعة والجدية والمسؤولية والخبرة والكفاءة أم بمنطق الترضية ومنطق الغنيمة الحكومية حتى لو لم تدعمها نتائج انتخابية ؟؟
ولأن تلك الادعاءات متهافتة وغير قابلة للتصديق، ففد لقي بلاغ ابن كيران تجاوبا منقطع النظير، رغم أن ابن كيران ما فتئ يصرح قبل إصدار البلاغ وبعد إصدار البلاغ، أنه لا يسعى أن يضع نفسه في موقع البطولة ..
 لكنه قال بمنطقه العفوي والبسيط أن الأحزاب التي كانت معنية بالتفاوض لم تعد في وضع يسمح لها بذلك، وأنه قرر بناء على ذلك، أنه من العبث الاستمرار في هذا الطريق المسدود غير المنتج بتلك الاشتراطات الواردة في البلاغ الرباعي لحكومة قوية منسجمة محكومة ببرنامج وأولويات وليس بمنطق توزيع المغانم الحكومية والاستقواء على مؤسسة رئاسة الحكومة .. لأن ذلك يعني خروج الحكومة من الخيمة مائلة !!
بن كيران فعل أكثر من اللازم! وصبر أكثر من اللازم. ابن كيران قال خلال الأشهر الثلاثة السابقة: التوافق نعم، الشراكة نعم، تقديم المصلحة الوطنية نعم، الابتزاز وقلب المنطق الديمقراطي وفرض إرادة أحزاب بالكاد كونت فريقا في مجلس النواب لا، لا. ابن كيران قال في بلاغه الاخير: هناك حد أدنى من القيم لا يمكن التنازل عنه، لا يمكن القبول بالإذلال، وبإهانة المواطنين الذين ذهبوا الى مراكز التصويت يوم 7 أكتوبر ..
 ما فهمته من بلاغ بن كيران أن مسلسل التشاور قد انحرف عن منهجيته، وتحول الى محاولة ابتزاز وإذلال. وان الكرة في ملعب الآخرين وأن الكل اليوم أصبح يعرف في أي جهة يوجد المسؤولون عن البلوكاج !!