حزب العدالة والتنمية: تهديد وخطر، أم فرصة وأمل ؟؟

محمد يتيم
قراءة : (4028)

هناك عودة مريبة في الآونة الاخيرة لمعزوفة قديمة بالية هي معزوفة "الخطر " الذي يمثله حزب العدالة والتنمية على الديمقراطية والتعددية، مع ما يترتب عن استخدامها من رجوع البعض لخطاب استئصالي أكل عليه الدهر وشرب، وهو الخطاب الذي كان قد انتعش سنة 2003 مباشرة بعد الأحداث الإرهابيةً التي استهدفت مدينة الدار البيضاء حيث تم اختراع أكذوبة " المسؤولية المعنوية " عن الإرهاب.

المعزوفة الجديدة القديمة يعيد إنتاجها البعض اليوم لأغراض سياسية لا تخفى، وذلك بالتزامن مع الترويج لأكذوبة أخرى يسميها البعض ب " خطر الهيمنة " على الساحة السياسية من قبل حزب العدالة والتنمية، مع ما يستدعيه ذلك كله تلميحا وتصريحا من تبرير وتسويغ اللجوء لآليات تحكمية جديدة،
يعاد إنتاج تلك المعزوفات أيضا بعد أن فشلت آليات التحكم القديمة وأصبحت خارج الخدمة، في شكل دعوات وتخريجات مختلفة، اتخذ بعضها لبوسا دستوريا، للانقلاب على الإرادة الشعبية المعبر عنها ديمقراطيا خلال انتخابات السابع من أكتوبر.

هناك أكذوبة أخرى طفت على السطح مؤخرا هي عدم أهلية الشعب المغربي للديمقراطيةً: هو شعب أمي وجاهل لم ينضج بعد بما يكفي لتمثل القيم الديمقراطية كما ادعى الطاهر بن جلون.
"هو شعب ذو توجهات أصولية حيث إن التقدم النسبي لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة يمثل صعودا لأصولية مهددة للاستقرار"، حسب صاحب افتتاحيات "ليكونوميست" و"الصباح "، أصولية لا تنحصر في المليون وستمائة الف ناخب من مؤيدي حزب العدالة والتنمية، ولكنها تتجاوزهم لتشمل قطاعا كبيرا من النخب أصبحت تتقاسم نفس المنطق والخطاب '' الأصولي " ..
نحن إذن أمام موجة جديدة لتبرير السلطوية والنكوص عن الاختيارات الديمقراطية التي أصبحت بالنسبة للمغرب والمغاربة اختيارات لا رجعة فيها، موجة تسعى لإبطال مفعول هزيمة التحكم أمام الإرادة الشعبية، وفشل رهان البعض عليه رغم كل محاولات النفخ فيه في المرحلة التي سبقت الانتخابات ليتصدر نتائج الانتخابات التشريعية.
هذا الخطاب الجديد القديم هو خطاب متهافت وخطير على المسار الديمقراطي لبلادنا وعلى صورتها وإشعاعها خارجيا لعدة اعتبارات:

1-هو خطاب يعبر عن مواقف ذاتية مزاجية شخصية، في حين أن تدبير أمور الدولة والمجتمع خاصة خلال مراحل التحولات الكبرى ينبغي أن يقوم على حكمة رجال الدولة وقراءة واعية ومبصرة للتحولات السياسية والتطلعات المجتمعية لا أن تكون تدبيرا مزاجيا متغيرا أو خاضعا لحساسية أو خصومة ايديولوجية.
ولحسن الحظ فقد كان هذا هو التوجه الذي سارت عليه بلادنا في المراحل والمنعطفات الكبرى من تاريخ بلادنا الحديث (ثورة الملك والشعب، انحياز لصف الحركة الوطنية في مقاومة المستعمر، التناوب التوافقي والإنصاف والمصالحة، إدماج الإسلاميين في الحياة السياسية)،
 ورأيناه واضحا في التوجهات والتوجيهات الملكية، رأيناه مثلا سنة 2003 بعد الأحداث الارهابيةً التي أراد البعض استغلالها لتصفية حسابات شخصية ذاتية وإيديولوجية مع حزب العدالة والتنمية،
ورأيناه في التعاطي مع الحراك المجتمعي والشبابي سنة 2011 ورأيناه في تفعيل المقتضيات الدستورية الواردة في الفصل 47 من خلال تعيين رأس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات بل من خلال تعيين أمينه العام على خلاف أهواء كثير ممن كان يتمنون ويحلمون بعكس ذلك !!

2 - هو خطاب غير موضوعي لأن التقدم المتواصل لحزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي والانتخابي لم يكن بسبب أنه يوظف الإسلام ويستعمله سياسيا، كما أن المغاربة الذين صوتوا لفائدته لم يفعلوا ذلك لأنه وعدهم بالجنة و النجاة من النار.
إن تقدم حزب العدالة والتنمية يرجع إلى حقيقة موضوعية وجب على أولى الأحلام والنهى أن يلتقطوها، وهي أن طيفا واسعا من المجتمع قد لمس في خطاب الحزب قدرا من المصداقية، مصداقية أصبح يفتقدها في عدد من الأحزاب السياسية،
ولأنه وجد في مناضليه وأعضائه الذين تولوا الشأن العام قدرا من النزاهة والحرص على المصلحة العامة، والحصانة ضد الفساد والبعد عن المال العام، وأن مواقع المسؤولية لم تتحول عند وزرائه ورؤساء جماعاته الى سبيل للاغتناء غير المشروع، ولا استدراجا إلى براثن الفساد والإفساد !!
ومنافسة العدالة والتنمية في هذا الجانب هو الوحيد الذي يمكن من منافسته في حصاده الانتخابي وليس من خلال " البريكولاج التحكمي ".

3- هو خطاب غير مثمر لم ولن يصدقه المغاربة لأنهم إذ صوتوا لحزب العدالة والتنمية وبوؤوه الصدارة سنة 2011 وجددوا ثقتهم فيه على التوالي سنة 2015 ثم سنة 2016 ، فإنهم فعلوا ذلك لأنه حزب منظم،  قريب من المواطنين.
فعلوا ذلك لأنهم رأوا عيانا بأنه حزب ديمقراطي، وأن الديمقراطية عنده ممارسة حقيقية وليست شعارات ترفع، وأن مؤتمراته أعراس ديمقراطية حقيقية وليست مهازل تفضي الى صراعات تنتهي بتصدعات وانشقاقات متتالية، وأن مساطره شفافة في اختيار مرشحيه للبرلمان وللمناصب الحكومية،  
فعلوا ذلك لأنهم لمسوا أنه حزب مستقل، تنبع قراراته من داخل مؤسساته، وانطلاقا من تقديره للمصلحة الوطنية أولا وقبل كل شيء مما أصبح عملة نادرة في الساحة الحزبية للأسف الشديد !! وأنه حزب قريب منهم، وأخيرا لأنه لم يعد فقط تنظيما سياسيا بل تحول فيما يدافع عنه ويرمز اليه إلى حالة ما فوق تنظيمية لها امتداد يتوسع ويجد له صدى في المجتمع !!

4- هو خطاب غير علمي لأن من يقف وراءه ومن يروج له، يلبسون نظارات تتعالى على الواقع فينتجون خطابات غارقة في الذاتية مما جعلهم ويجعلهم عاجزين عن قراءة التحولات التي يعرفها مجتمعنا.
الحقيقة إذن هي عكس ما ادَّعاه كل من الطاهر بن جلون والسيد عبد المنعم دلمي. فمجتمعنا قد شهد ويشهد تحولات نوعية في إدراكه وعلى مستوى ثقافته الديمقراطية وفي حسه المواطن، من مظاهرها متابعة غير مسبوقة للشأن العام وصلت أصداؤها للبادية المغربية وأصبحت مخترقة لمختلف الفئات الاجتماعية. الحقيقة أن هناك بونا شاسعا ومسافة كبيرة بين تحليلات وتوهمات البعض ممن يكتبون من أبراجهم العاجية، وبين الإدراك والوعي المجتمعيين المتناميين، ومن ثم فإن التصويت العقابي للمواطنين لم يكن تصويتا ضد منظومة حزبية مترهلة أو منظومة حزبية تحكمية، بل كان تأكيدا لإفلاس منظومة إعلامية تخلت عن وظيفتها التنويرية والإعلامية، وأصبحت تشتغل في ركاب السلطوية.
وإن الطريقة التي تعامل من خلالها المواطنون مع "المسيرة اللقيطة " ومع محاولات بعض المسؤولين والموظفين في الإدارة الترابية التأثير في إرادة المواطنين من خلال حثهم من أجل التصويت لصالح الحزب المعلوم تقدم الدليل الناصع على ذلك الافلاس وعلى ذلك البون الشاسع.

5 – وعلى العكس مما ادعاه أولئك الكتاب فإن الخطر على الديمقراطية والتهديد للاستقرار يكمن في كتاباتهم وخطابهم.
فمن حيث إنه خطاب تبريري للانقلاب على منطوق الدستور وروحه، وعلى كل المسار التوافقي الإدماجي لكل الحساسيات الإيديولوجية والتوجهات السياسية، وهو المسار الوحيد الذي أثبت نجاحه ونجاعته في الساحة العربية. فإنه خطاب مكرس لمنطق الفتنة والصراع والتقاطب، ومكرس لمنطق الشك والريبة في المسار الديمقراطي الذي اختارته بلادنا.
إنه خلافا لذلك المنطق يتعين التأكيد على الحقائق والمعطيات التالية:
- يكاد المغرب يكون هو البلد الوحيد في المنطقة الذي رجعت فيه السياسة تدريجيا إلى حياتنا العامة، ويتصالح فيه المواطن مع السياسة، حيث أصبح يستشعر تدريجيا أن لصوته معنى.
- يكاد المغرب يكون هو البلد الوحيد في المنطقة الذي توجد فيه أشكال متنوعة للوساطة بين الدولة والمجتمع من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، بل وحتى تنظيمات تعمل خارج النسق السياسي المؤسساتي تضطلع رغم ذلك بتأطير حساسيات اجتماعية وسياسية معينة، وهي لا تشكل ولا يتصور أنها قد تشكل في الأمد المنظور تهديدا لاستقرار الدولة والمجتمع ما دام طريق العمل المؤسساتي سالكا، ومسار الاعتدال الفكري والسياسي قائما.
في هذا السياق يعتبر إصرار البعض على مواصلة استهداف المؤسسة الحزبية وعلى إضعافها والتهوين من شأنها، بل ومواصلة اعتبار وجود أحزاب قوية يمثل إخلالا بالتوازن أو منافسة لمكانة الملكية ودورها، والترويج لخطر موهوم لهيمنة حزب ما يستدعي اللجوء إلى آليات تحكمية، بمثابة مساس بوظيفة الوساطة والتأطير، وتبعا لذلك فتحا للباب أمام المجهول، وتهديد للاستقرار في زمن من السهل أن تسري المواقف الاحتجاجية سريان النار في الهشيم عبر وسائل التواصل الحديثة وأحيانا استنادا على إشاعةً مغرضة أو معطيات ناقصة أو قراءة او تأويل قاصرين لقرار عمومي أو تعسف إداري معزول. ومن المفيد بالنسبة لأهل العقل والنهى، وأولى الحكمة والبصيرة، أن يتأملوا في مخاطر إضعاف مؤسسات الوساطة أو إضعافها في تجارب أخرى هي قريبة منا زمانا ومكانا.
كل العقل وعين العقل في رفع يد الوصاية والكف عن التدخل في الحياة الحزبية وأخذ نفس المسافة منها وتركها لتنمو بطريقة طبيعية ولتأخذ مكانتها وموقعها من خلال آليات التنافس الحزبي العادية!!
وبناء عليه فإن استهداف حزب العدالة والتنمية، والترويج لفكرة الحاجة إلى " التوازن " والحيلولة دون " هيمنته " هو إضاعة للوقت وهدر للوقت ولطاقة البلاد.
هو استهداف لإحدى النقط المضيئة القليلة في الساحة الحزبية وإصرار على توجه خاطئ نحو مزيد من إفراغ الساحة السياسية من آليات للوساطة بين الدولة والمجتمع.
حزب العدالة والتنمية فرصة وليس تهديدا، هو كذلك لأنه استطاع أن يجمع بين طرفي معادلة: أي أن يكون حزبا يدافع عن الملكية ولا ينازع فيها، ويدافع عن الاستقرار لكنه مصر على الإصلاح وعن استقلالية قراره الحزبي !!

6- هو خطاب غير مسؤول وغير منتج، بل إنه مضر بتطور الحياة الديمقراطية داخليا وبصورة المغرب خارجيا، وله كلفة على مصداقية بلادنا فيما يتعلق بجهودها في مجال استكمال سيادتها على أقاليمها الجنوبية .
إن مواصلة البحث عن تخريجات فقهية " دستوارنية" مهزوزة، سواء من خلال محاولة إفراغ الفصل 47 من الدستور من محتواه الديمقراطي المتقدم، أو من خلال محاولة إقحام مقتضيات الفصل 42 بطريقة انتقائية ولا محل لها، ثم "اقتراح" بعضهم مؤخرا لتخريجة جديدة عجيبة وغريبة تتمثل في الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية، يرسل رسائل مضرة نذكر منهما على الأخص رسالتين: الأولى منهما موجهة للداخل والثانية منهما إلى الخارج.

أما الأولى فمضمونها أن المغرب دولة وشعبا لم يكونا جادين حين اعتمدا دستور 2011، وأن تقرير الدستور للطابع الديمقراطي البرلماني للدولة المغربية لم يكن سوى شعارا للاستهلاك ولا رصيد له في الواقع، ونفس الشيء بالنسبة لتقريره بأن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، وأنه لا فائدة من الذهاب إلى صناديق الاقتراع لأنك يمكن أن تصوت للون سياسي كي تخرج الحكومة بلون سياسي آخر.

أما الثانية الموجهة للخارج مفادها: أن المغرب عكس ما يقال ليس استثناءا ولم يشذ عن مشهد الاستبداد العربي والخريف العربي، وأن التزاماته الدولية وخاصة ما يتعلق بصحرائه التي قدم بشأنها مقترحا ديمقراطيا في نصه ومقصده مفتقدة للمصداقية، أو أن المغرب حين يُطَالَب بالانقلاب على الدستور من خلال تخريجة ''حكومة وحدة وطنية'' ـ يعيش حالة طوارئ أو حالة استثناء،
 وفي كلتا الحالتين نقدم للمشككين في جدية مسارنا الديمقراطي داخليا وخارجيا، وفي حقيقة استقرارنا الداخلي حججا يثبتون بها أطروحاتهم الرافضة لمسار المشاركة من داخل المؤسسات أو الرافضة للتسليم بمشروعية تشبتنا بسيادتنا على صحرائنا.