حوار..بروحو يوضح كل المعطيات المتعلقة بـ"النموذج التنموي المغربي"

التاريخ: 
الجمعة, نوفمبر 3, 2017 - 13:30
حوار..بروحو يوضح كل المعطيات المتعلقة بـ"النموذج التنموي المغربي"
حاوره: عبد المجيد أسحنون
قراءة : (239)

أكد عبد اللطيف بروحو متخصص في المالية العامة، أنه لا يمكن الحديث عن صياغة الاختيارات التنموية الكبرى التي يمكن اعتبارها نموذجا تنمويا مغربيا إلا منذ سنة 2002، "لأن هذا الموضوع لم يكن مطروحا فيما قبل، فبعد الاستقلال تم  اللجوء للمخططات الخماسية التي أثبتت محدوديتها، إلى جانب إحداث المقاولات العمومية، التي تم من خلالها تكثيف تدخل الدولة كفاعل اقتصادي رئيسي".

وتابع بروحو في حوار مع pjd.ma، أنه تم بعد ذلك التخلي عن سياسة المخططات لتعود مرة أخرى مع حكومة اليوسفي في تجربة معزولة عن سياقها التاريخي، ولَم تعط أي نتائج حقيقية وواضحة، ليدخل المغرب في مسار مغاير يعتمد على التدبير الاستراتيجي للتنمية عوض التخطيط الاستراتيجي، وهو ما مكن من صياغة خيارات تنموية متنوعة وذات فعالية نسبيا، لكنها بقيت تطرح تساؤلات حول اعتبارها نموذجا تنمويا متكاملا.

وأضاف المتخصص في المالية العامة، أن المغرب استطاع منذ سنة 2000 مضاعفة حجم الاقتصاد الوطني، لكن بقي هذا الانسجام مقتصرا على الشق الاقتصادي المتعلق بإنتاج الثروة، في حين سجل عجزا مزمنا على مستوى الشق الاجتماعي، الذي لم يستفد من توزيع الثروة ونتائج التنمية بشكل منسجم على الفئات والقطاعات والمجالات.

وفيما يلي نص الحوار:

س: يعرف المشهد السياسي والإعلامي المغربي منذ أسابيع نقاشا مستفيضا حول محدودية النموذج التنموي المغربي، وخاصة بعد الخطاب الملكي السامي لافتتاح البرلمان، لكن هذه الخرجات الإعلامية في عمومها لم تعط صورة واضحة عن المقصود بالنموذج التنموي، لذا نسألكم ما المقصود بالبرنامج التنموي؟

ج: فعلا، تبدو الحاجة ماسة لضبط مفهوم النموذج التنموي الذي قد يختلط مفهومه لدى البعض مع النموذج الاقتصادي، الذي يرتبط به أو بالسياسات الاقتصادية أو بالسياسات التنموية التي تختلف عن هذا المفهوم رغم تقاطعها معها.

فالنموذج التنموي يعبر عن مجهودات الدولة لتحقيق التنمية والتقدم والرفاه، ورفع الطاقة الإنتاجية، وزيادة حجم الناتج الداخلي الخام، وهو لا يقتصر على السياسات الاقتصادية الصرفة التي تعتبر أساس النماذج التنموية الكبرى، وإنما أصبح يطال أيضا السياسات الاجتماعية والبيئية التي تعتبر مستويات متقدمة للتنمية وأصبحت مرتبطة بالتنمية الاقتصادية بشموليتها في الوقت الراهن.

وعلى العموم يبقى الهدف الأساسي من صياغة أي نموذج تنموي العمل على واجهتين أساسيتين، آليات إنتاج الثروة والقيمة الاقتصادية المضافة، ثم آليات توزيع الثروة وثمار النمو الاقتصادي، وهو يعبر عن الجانب الاجتماعي للنموذج.

وعلى هذا الأساس يتعين التمييز بين النموذج التنموي modèle de développement  وهو المقصود هنا الذي يعتبر مفهوما شاملا للتطور والتقدم، ونموذج النمو modèle de croissance  الذي يعتبر مستوى أدنى من الأول وجزءا منه، ويركز على تحليل مركبات النمو واعتماد السياسات الاقتصادية التي تهدف لدعم النمو وخلق القيمة المضافة على مستوى القطاعات الاقتصادية الثلاثة (الفلاحة، الصناعة، ثم التجارة والخدمات).

س: هل كان المغرب يمتلك حقيقة منذ الاستقلال إلى الآن، نماذج تنموية؟

ج: لا يمكن الحديث عن صياغة الاختيارات التنموية الكبرى التي يمكن اعتبارها نموذجا تنمويا مغربيا إلا منذ سنة 2002، لأن هذا الموضوع لم يكن مطروحا فيما قبل، فبعد الاستقلال تم  اللجوء للمخططات الخماسية التي أثبتت محدوديتها، إلى جانب إحداث المقاولات العمومية، التي تم من خلالها تكثيف تدخل الدولة كفاعل اقتصادي رئيسي.

وبعدها تم التخلي عن سياسة المخططات لتعود مرة أخرى مع حكومة اليوسفي في تجربة معزولة عن سياقها التاريخي (2004-2000)، ولَم تعط أية نتائج حقيقية وواضحة، ليدخل المغرب في مسار مغاير يعتمد على التدبير الاستراتيجي للتنمية عِوَض التخطيط الاستراتيجي، وهو ما مكن من صياغة خيارات تنموية متنوعة وذات فعالية نسبيا، لكنها بقيت تطرح تساؤلات حول اعتبارها نموذجا تنمويا متكاملا.

فالمغرب بالفعل حقق نتائج اقتصادية مهمة جدا خلال أقل من عشر سنوات بفضل هذه الخيارات التنموية التي تندرج في إطار التدبير الاستراتيجي للتنمية (وهو نموذج جديد للتدبير ولا علاقة له بالتخطيط الاستراتيجي الكلاسيكي)، واستطاع منذ سنة 2000 مضاعفة حجم الاقتصاد الوطني، لكن بقي هذا الانسجام مقتصرا على الشق الاقتصادي المتعلق بإنتاج الثروة، في حين سجل المغرب عجزا مزمنا على مستوى الشق لاجتماعي، الذي لم يستفد من توزيع الثروة ونتائج التنمية بشكل منسجم على الفئات والقطاعات والمجالات.

س: من المسؤول عن وضع النموذج التنموي؟

ج: عادة ما تطرح هنا مسؤولية الحكومة، إما عند صياغة الاستراتيجيات التنموية وإما عند تقييمها وتتبع تنفيذها، في حين أن المسؤولية عن وضع الخيارات التنموية الكبرى، التي يمكن اعتبارها نموذجا تنمويا غير متكامل، موزعة بشكل أكثر تعقيدا على مختلف السلط والمؤسسات الدستورية.

وإذا كانت صياغة النموذج التنموي تركز على آليات خلق الثروة وعلى آليات توزيعها، وهو ما يخضع لدينا للنموذج الاقتصادي الذي تم حسمه دستوريا (الفصلين 35 و 36 من الدستور) فإن مجال تدخل كل مؤسسة محددة دستوريا، سواء تعلق الأمر بالخيارات والسياسات الاقتصادية الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي والتي يتم التداول بشأنها في المجلس الوزاري.

فالتوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة (الفصل 49 من الدستور) يتجاوز مداها زمن واختصاص الحكومة كسلطة تنفيذية، وبالتالي تخضع للإشراف الملكي المباشر بصفته رئيس الدولة وضامن استمرارها. ويتم تنزيلها، بعد التداول بشأنها في المجلس الوزاري، عبر قوانين إطار ومخططات تنموية إستراتيجية وفق المساطر الدستورية، وتتكلف كل مؤسسة أو سلطة دستورية بتنفيذها. وهذه التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة تعتبر بمثابة النواة الأساسية لأي نموذج تنموي، باعتبارها آليات الإنتاج والنمو الاقتصادي.

وإذا كان هذا الإطار العام والاستراتيجي محدد دستوريا ووظيفيا، فإن صياغة السياسات العمومية والسياسات القطاعية تتم من قبل الحكومة (الفصل 92 من الدستور)، وذلك وفق التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة بصفتها سياسة عامة يتم تنزيلها من قبل السلطة التنفيذية بجميع مؤسساتها (القطاعات الوزارية والمؤسسات والمقاولات العمومية)، إضافة إلى الجهات وباقي الجماعات الترابية.

وعلى هذا الأساس، فإن صياغة أو مراجعة النموذج التنموي تتم وفق هذه الميكانيزمات، وأية سياسة تنموية لابد وأن تتلاءم من جهة مع الأسس الاقتصادية المعتمدة، ومن جهة ثانية مع المقومات الاقتصادية potentialités économiques  التي يمتلكها البلد، وعلى رأسها القطاعات ذات القيمة المُضافة العالية وتلك التي تمتلك قدرية تشغيلية هامة، إضافة إلى تطوير البنيات اللامركزية (الجهوية والترابية والقطاعية) وجعلها آليات خلق الثروة والقيمة المُضافة عِوَض أن تبقى مستهلكة لها وعبئا على مالية الدولة ومستنزفة لمقوماتها الاقتصادية.

س: ما هي في نظرك أعطاب النموذج التنموي المغربي؟

ج: إذا كان النموذج المغربي غير مصاغ بشكل متكامل رغم وجود محاوره الأساسية المتعلقة بالشق الاقتصادي (إنتاج الثروة)، فإن تعدد الاستراتيجيات القطاعية دون وجود رابط وظيفي بين أغلبها يعيق انسجامها والتقائيتها، وهو ما يشكل أحد الأعطاب الرئيسية لنموذجنا التنموي، وذلك بالإضافة لمحدودية نموذج النمو واستهلاكه بشكل شبه كلي.

فالبرامج الحكومية والأوراش الكبرى كانت تصاغ كاستراتيجيات قطاعية لم يكن معظمها يكتسي طابع سياسات عمومية اقتصادية، وإنما كانت عبارة عن برامج كبرى كانت تستهدف بالأساس دعم النمو الاقتصادي، وهو أمر جد إيجابي، لكن هذه الخيارات التنموية الكبرى بقيت آنذاك حبيسة تطوير نموذج النمو، وركزت بالأساس على خلق القيمة المضافة.

كما لم يتم الانتباه للشق المتعلق بآليات خلق الثروة بشكل مستدام ومتكامل، وبتوزيع ثمار التنمية (وهو الشق الثاني الأساسي لأي نموذج تنموي)، وبقيت الإشكالات المرتبطة بها حبيسة مقاربات تجزيئية أو فئوية، ولم يتم تحقيق الموازنة بين التنمية الاقتصادية وضرورات التنمية الاجتماعية، بل عمدت الحكومات المتعاقبة على معالجة الإشكالات الاجتماعية بشكل جزئي، ولَم يتم الحديث عن التماسك الاجتماعي كسياسة عامة إلا ابتداء من سنة 2013.

وبالتالي نجد أن نموذجنا التنموي بقي رهينا للخيارات التنموية الإستراتيجية المعتمدة منذ بداية الألفية الثالثة، وحتى نموذج النمو الذي ترتكز عليه تم استنفاذه بشكل كلي، بحيث بقي قائما بالأساس على دعم الاستهلاك الداخلي كرافعة للنمو الاقتصادي (يمثل ثلثي النسبة المحققة في المعدل السنوي خلال الخمس سنوات الأخيرة).

وإذا كان هذا المنحى قد أدى لثورة حقيقية في حجم القروض منذ 2004، وقد حقق نتائج باهرة خلال سنوات قليلة بعدها لكنه سرعان ما اصطدم بغياب مقومات الاستدامة، وقد فشلت عدد من الاقتصاديات الأوربية لنفس السبب نظرا لمبالغتها في الاعتماد على دعم الاستهلاك مما جعله عبئا عليها، عِوَض أن يكون رافعة للتنمية.

وبالمقابل لا زال الاقتصاد الوطني يعاني من ضعف واضح على مستوى إدماج القطاع غير المهيكل، وكذا مجالات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى التردد في تنزيل سياسات عمومية اجتماعية (مثل سياسة التماسك الاجتماعي) التي تعتبر إحدى الآليات الهامة التي تمكن من ضمان استفادة أكبر عدد من الفئات والقطاعات من ثمار التنمية الاقتصادية، وهو ما يتطلب بالفعل صياغة نموذج تنموي متكامل يشمل المحورين الأساسيين (آليات إنتاج الثروة وآليات توزيعها).

س: كيف يمكن إعادة النظر في النموذج التنموي المغربي؟

ج: يحتاج نموذجنا التنموي بالفعل لمراجعة عميقة تمكن من جهة استكمال أسسه بشكل متوازي ومتكامل (إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل عادل ومنصف)، فالمغرب يتوفر على إمكانات حقيقة لدخول نادي الدول الصاعدة pays émergents، نظرا لعدة مقومات يمتاز بها على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من أنه لازال يعاني من صعوبات على مستوى خلق القيمة المضافة الكافية عند التصدير، ومن عدم القدرة على ترجمة  نقاط النمو الاقتصادي التي يحققها، لمناصب شغل كافية لاستيعاب حاجيات سوق الشغل بالمملكة.

فالاستقرار السياسي، الذي يكاد يتفرد به المغرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يعتبر عنصرا حاسما في تحسين جاذبية الاقتصاد الوطني على المستويين الداخلي والخارجي، والبناء الديمقراطي المقترن بالسلم الاجتماعي يلعب دورا كبيرا في تحقيق التنمية الاقتصادية، حيث من شأنه أن يسمح بصياغة نموذج تنموي متكامل ومستدام، وهو ما يعتبر إحدى المهام السياسية الأساسية للحكومة الحالية بالمغرب.

كما أن الخيارات التنموية الكبرى التي سبق ذكرها لعبت دورا أساسيا في مضاعفة حجم الاقتصاد الوطني، لكنها لم تحقق التوازن المطلوب، ولم تتحول لسياسات عمومية اقتصادية منسجمة بالشكل المطلوب، كما هو متعارف عليها في النماذج التنموية.

وإذا كانت الحكومة السابقة قد نجحت بشكل كبير في استرجاع التوازنات المالية والماكرو اقتصادية، وإعادة توجيه جزء من الإمكانات المالية للدولة لدعم الطبقات الهشة، فإن الحكومة الحالية مطالبة بفتح ورش إعادة صياغة نموذج تنموي متكامل، وفق التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة كما هو محدد في الدستور، وذلك وفق شروط التكامل بين آليات إنتاج الثروة وخلق القيمة المضافة، وآليات التوزيع وإدماج القطاعات الاقتصادية الهشة والمجالات الترابية المحرومة ضمن دائرة المستفيدين من السياسات العمومية اللااقتصادية.

ومن جهة ثانية ركز نموذج النمو modèle de croissance  المعتمد منذ 2002  على دعم وتحفيز القطاع الثالث (الخدمات على وجه الخصوص) الذي استطاع تحقيق قيمة مضافة عالية، وهذا أمر إيجابي أيضا، لكنه لم يستطع خلق مناصب الشغل بشكل متناسب مع نسب النمو المحققة.

فكل نقطة نمو لقطاع الخدمات لا تحدث أكثر من 12  ألف منصب شغل، مقابل القطاع الصناعي الذي قد يستطيع إحداث أزيد من 35 ألف منصب شغل لكل نقطة نمو، مما كان يتطلب معه إعادة النظر في نموذج النمو المعتمد بالمغرب في اتجاه دعم القطاع الصناعي الذي يعتبر قوة تصديرية حقيقية وآلية فعالة لتقليص نسب البطالة.

ويعتبر مخطط تسريع التنمية الصناعية الذي أعدته الحكومة السابقة نموذجا هاما في هذا السياق، ويحتاج لصياغة سياسات اقتصادية أخرى موازية ومتناغمة للوصول لأساس حقيقي ومتكامل لنموذج تنموي مغربي، يستفيد من التراكم الإيجابي الذي عرفته البلاد من أزيد من عشر سنوات، ويسطر سياسات عمومية إستراتيجية وواضحة، تمكن المغرب من صياغة نموذج تنموي متكامل وفعال وناجع.

تقديم: 
حوار

التعليقات

أضف تعليقك