حوار..بودينار يبرز تميز التجربة المغربية ويؤكد ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية في الإصلاح

التاريخ: 
الجمعة, ديسمبر 23, 2016 - 14:00
حوار..بودينار يبرز تميز التجربة المغربية ويؤكد ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية في الإصلاح
حاوره: محمد شلاي
قراءة : (19852)

أكد سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، أن التجربة المغربية تقتضي الانتقال إلى المرحلة الثانية في الإصلاح والمتمثلة في التسريع بتنزيل باقي مقتضيات دستور 2011.

وأوضح بودينار، في حوار مع pjd.ma، عقب انتهاء أشغال المؤتمر السنوي الخامس لمركز الدراسات المنعقد نهاية الأسبوع الماضي بوجدة، والذي تناول موضوع "مآلات ومسارات الإصلاح ما بعد الحراك العربي"، (أوضح) أسباب ودواعي اختيار موضوع الإصلاح للمؤتمر، مبرزا أهم خلاصات ومخرجات حلقات النقاش وورشات التفكير التي أطرها باحثون وأساتذة وأكايميون من المغرب ومن الوطن العربي.

وفيما يلي نص الحوار  كاملا:

ما هي دوافع اختيار موضوع "الإصلاح" كعنوان وقضية لمؤتمركم السنوي؟

أولا ينبغي التوقف عند سؤال: لماذا ما بعد الحراك العربي؟ حيث أعتقد أن أخذ مسافة من الحدث هي إحدى السمات الأساسية والمفترضة في الجانب الفكري، بمعنى أن المفكر والباحث وخاصة الذي يريد الوقوف على خلاصات الحدث أو يستشرف مآلاته، من المهم ومن الضروري أن يأخذ مسافة معينة من الحدث، وهذا الذي حاولنا القيام به اليوم في ظل تبلور عدد من النتائج الأولية لما سمي بالحراك العربي بعد 6 سنوات من انطلاقه، وهذا الأمر شغلنا منذ البداية، إذ تساءلنا عن مشروعية ما بعد الحراك، فقلنا إن المسألة الأولى هي التحقيق المنهجي، أي أن الباحث يحتاج إلى أن تصل دينامية الأحداث إلى نقط معينة يستطيع من خلالها أن يسائل وأن يحلل وأن يفسر وأن يتجاوز وأن ينتقد.

 والأمر الآخر، هو أمانة ومسؤولية المثقف في أن يكون شاهدا على اللحظة التي يعيش فيها، وهذا ما حاولنا الوصول إليه، باعتبار اللحظة تقتضي أمانة الشهادة وشهادة الباحث على ما يقع اليوم. أما الأمر الثالث فهو أن كثيرا من الكفاءات التي حضرت كان لها مواقف متباينة على امتداد المرحلة الماضية، بعضها كان في صلب الحدث، من الذين يبشرون بنتائج ومآلات هذا الحراك، باعتباره عنوانا لشعارات الحرية والوحدة والتنمية ومحاربة الفساد والاستبداد...والبعض الآخر من المفكرين كان له موقف نقدي أو أخذ مسافة حذرة مما يقع منذ البداية.

وفي رأيي أن الخلاصتين الأساسيتين التي وقف عندها المؤتمر وتضمنتها توصياته فيما يتعلق بهذا الموضوع العام : "الإصلاح ما بعد الحراك العربي"، أولا هو الوقوف عند عدد من مظاهر الاختلال في مفاهيم الإصلاح، وهذا أمر تكاد تجمع عليه كثير من المداخلات والنقاشات أثناء المؤتمر، ثم التنبه إلى أننا نعيش في كثير من الأحيان حتى على مستوى النقاش العمومي واستخدامات وسائل الإعلام حالة من تزييف الوعي بخصوص الشعارات والمفاهيم الكبرى لهذا الإصلاح تقتضي تدقيقا وتمحيصا، وهو أمر حاولنا معالجته خصوصا من خلال ورشة الإصلاح الثقافي والديني، وذلك بتبيين أن الآليات الدينية والثقافية هي التي تنتج المفاهيم المؤطرة لموضوع الإصلاح وتحكم الاتجاهات الاجتماعية حولها.

الخلاصة الثانية هو حرصنا على أن تكون هناك نقاشات متوازية لموضوعات متعددة، وهذا أمر ربما يلاحظه المتابع منذ اللحظة الأولى وقد كان مقصودا، لأنه لا يمكن في رأينا نقاش أي مسار من مسارات الإصلاح بمعزل عن المسارات الأخرى، وفي تقديرنا هو خطأ وقعت فيه كثير من التحليلات التي بشرت بإمكانية إصلاح شامل من خلال إصلاح ديني أو من خلال إصلاح اقتصادي أو إصلاح سياسي في بعض الأحيان، أو تربوي أو غير ذلك، وهي كلها في رأيي مقاربات لم تستطع أن تستوعب الحجم الهائل للتحولات الذي تشهده المنطقة، والذي يقتضي في الحقيقة مواكبة دقيقة وعملا جديا ورؤية تستوعب هذه المسارات كلها وتجيب على أسئلة ملحة تطرح على مستوى كل واحد من هذه المسارات، فكانت الخلاصة الثانية للمؤتمر هي أن الإصلاح لا يمكن إلا أن يكون بشكل منظومي نسقي متكامل يشمل هذه الأبعاد كلها بشكل متوازي، أي البعد الديني والثقافي والتعليمي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والاستراتيجي، بالإضافة إلى الموضوعات التي كانت مجالا للنقاش في الورشات الفكرية الموازية مثل الإصلاح القضائي وإصلاح المنظومة البنكية ومسار إصلاح الفكر العربي إلى غير ذلك.

ما هي أهم الخلاصات والمخرجات التي انبثقت عن أشغال الجلسات العلمية والورشات الفكرية للمؤتمر؟

يمكن أن نقول إن أهم الخلاصات والمخرجات لهذا الحدث الفكري كانت تأكيدا ربما لفرضيات طرحناها قبل المؤتمر من خلال أوراقه الأساسية والفكرية وأطروحته النظرية، والمتعلقة بالمقومات المجتمعية والهوياتية للإصلاح، فالذي يتضح أن مداخل الإصلاح لا زالت هي نفسها، المشكلة وقعت على امتداد السنوات الماضية في ترتيب هذه الأولويات، واتضح الآن أن هناك عملا أساسيا وأوليا ينبغي أن يتم على مستوى الإصلاح التعليمي.

وبالتالي فالخلاصة الأولى التي خرجنا بها هي: أن الإصلاح التعليمي لا يتم إلا من خلال أولوية الاهتمام بالمقومات الأساسية المجتمعية، أي اللغة الوطنية، والهوية الجامعة، والتجديد على مستوى المدركات والعمل على الخطاب الديني، وتجديد آليات النظر في المجال الديني...

المسألة الأخرى هي الوقوف عند مسارات الإصلاح السياسي، وتبين وجود قصور فكري كبير جدا في الرؤية البديلة للواقع لدى الناس ولدى الحركات الذين عانوا من واقع بلغ درجة من السوء ومن ثنائية الفساد والاستبداد، والمسؤولية في غياب مشروع ورؤية مجتمعية تتحملها النخب القادرة على إنتاج الأفكار وأن تكون قاطرة في المستقبل، وهذا النقص الفكري كان نتاج لصراع النخب وما زلنا نعاني منه، حيث لم تستطع هذه النخب أن توسع مساحة المشترك الذي يتعلق بالرؤية الجامعة على حساب الاختلافات في البرامج والسياسات.

الأمر الثالث والذي كان إحدى مخرجات هذا المؤتمر والمتعلق بالتعليم الديني، حيث أن الإصلاح الديني ظل طيلة الفترة الماضية موضوع لتجادبات كثيرة، ويمكن أن نلخص هذه التجادبات في رؤيتين أساسيتين، إحداها تقول إن هنالك أهمية لاستثمار الرصيد الديني الهائل في المنطقة وقدرته على استيعاب المجتمعات والتفاعل معها، وعلى إخراج مكامن القوة فيها من خلال تجديد المدركات وإعادة الاعتبار لمؤسسات الاجتهاد. ورؤية ثانية تقول بأننا بحاجة إلى إصلاح جذري في المنظومة الدينية، وهي رؤية ربما تحاول أن تستنسخ تجارب أخرى كما وقع للمسيحية مع البروتستانتية، فتقول بأننا بحاجة لإصلاح على مستوى النص والخطاب الديني أو مصادر هذا الخطاب نفسه.

هذان الأطروحتان أدتا إلى تأخر انبثاق تفكير جدي في مداخل الإصلاح الديني، وأعتقد أننا في المغرب كنا السباقين للقيام بهذا الإصلاح، وهو أمر نوقش في الجلسة الافتتاحية، حيث تطرق فضيلة الدكتور مصطفى بن حمزة في محاضرته عن المقومات الحضارية والتاريخية وكيف يمكن لهذه المقومات أن تكون فاعلة اليوم في إصلاح التعليم الديني، وفق الرؤية المطروحة من قبل الملك محمد السادس عندما طلب مراجعة المناهج الدينية على مقتضى ترسيخ القيم المغربية والمذهب المالكي، ثم نوقشت في سياق آخر، في جدلية الديني والسياسي مع الأستاذ امحمد جبرون، حيث تحدث عن التجربة المغربية المتميزة في الإجابة عن الأسئلة الشائكة في هذه العلاقة، بحيث استطعنا في المغرب إنجاز إصلاح يسمح أولا للدين أن يظل حاضرا على مستوى المجتمع وحتى على مستوى السلطة السياسية دون أن يكون أداة للاستبداد، وفي المقابل سمح هذا الإصلاح للفاعلين الانطلاق من مرجعيات غير إسلامية ويكونوا فاعلين سياسيين، دون أن يكون لذلك تأثير على الخط الديني أو تعارض على اعتبار مؤسسة إمارة المؤمنين هي المختصة بهذا المجال، أي الإشراف وتدبير الحقل الديني.

لنخلص في الأخير إلى أن الحالة الدينية ببلادنا بحاجة إلى تجديد بداخلها، وليس إلى إصلاح جذري. كخلاصة فيما يتعلق بالمقومات المجتمعية للإصلاح هي اللغة والهوية والثقافة الجامعة المواطنة، ثم ضرورة امتلاك رؤية للإصلاح السياسي، والأمر الأخير متعلق بالإصلاح الديني ومداخله ليكون فاعلا في هذا الحراك وإخراجه إلى شاطئ النجاة.

بصفتكم أستاذا لعلم الاجتماع، كيف ترون التحولات المجتمعية بدول العالم العربي، وهل تتوقعون موجة أو موجات جديدة للحراك العربي؟ وكيف ترون التجربة المغربية بعد حراك 20 فبراير ودستور 2011؟

أعتقد أن أحد التحولات الأساسية الذي عرفته المنطقة بعد ما سمي بالربيع العربي كان تصدر قيمة أو شعار الحرية، والحرية كما هو معروف على صعيد النفسية الجماعية مطلب عزيز المنال، لكن عند إدراكه يستطعم الناس مذاق الحرية، ويصبح من الصعب بعد ذلك التراجع عنها، خاصة في ظل مرحلة قصيرة كما تحاول الآن بعض القوى الدولية التي تدخلت على خط هذا الحراك العربي لتضربه وتجهضه نحن نعرف تجارب دول وثورات أخرى عبر العالم احتاج الأمر فيها لعقود، كالثورة الفرنسية التي احتاجت ما يناهز ثمانية عقود حتى استقرت الجمهورية الفرنسية الحالية بالقيم التي تؤطرها. هذه المسألة الأولى، وهو وقوع تحول استراتيجي من حيث إدراك الشعوب بقيمة الحرية، وهذا ما أصبحنا نراه الآن على مستوى طبيعة المشاركة السياسية، وتزايد منسوب تسييس الوعي وتوجهات التصويت لدى الناس، وانخراط متزايد في النقاشات العمومية عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، لكن في النهاية هناك اهتمام متزايد بالمطالب الاجتماعية والنقابية الاحتجاجية المباشرة، مع أخذ مسافة من الانخراط في طبيعة الأسئلة الجوهرية وموازين القوى وطبيعة التحكم والسلطة والفاعلين الأساسيين في الدولة وعلاقة الداخل بالخارج أو التدخل الأجنبي إلى غير ذلك...

القضية الأخرى وهي قضية ناقشناها خلال المؤتمر وخاصة في المحور الاستراتيجي، وكانت فيها أوراق مهمة جدا بالنسبة لبعض الخبراء الاستراتيجيين الذين أكدوا على ضرورة الاهتمام بالتفاعلات الإستراتيجية المحيطة بالمنطقة، وهذا في الحقيقة كان أحد نقاط الضعف أو القصور الهائلة في ما مضى، بحيث غيب كثير من الذين قادوا هذا الحراك طبيعة موازين القوى التي تحيط بهم، وأن هناك تحولات إستراتيجية في غاية الخطورة، وأنه إذا لم ننتبه إليها فإنها يمكن أن تدهسنا وأن ندخل بين هذه التوازنات الضخمة التي نراها الآن، فمثلا عندما تصل حالة من عدم اللاتكافؤ أو من حالة الفراغ الاستراتيجي كما يحدث في سوريا، وكيف أن مسار الحراك أضحى ضحية لصراعات دولية كبرى طحنته للأسف الشديد.

في هذا المجال أعتقد أنه ينبغي التنويه بأننا نعيش في المغرب تجربة أجمعت كل المداخلات على تميزها وسبقها وقطعها أشواطا في الإصلاح، وأصبحت حافلة بالتجارب على هذا المستوى، وتحديدا على مستوى السوسيولوجيا، وكيف أن تراث الدولة والمجتمع وتقدم بناء مفهوم الدولة الوطنية ورسوخ آلياتها والقدرة على إقامة شراكات سياسية ووطنية حقيقية أدت في النهاية إلى نوع من التمايز بالنسبة لهذه التجربة، وهي تجربة تحتاج طبعا بشكل جدي إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي إخراج الوثيقة الدستورية وتنزيلها بشكل متوازي في عدد من المجالات، وهذا أكبر التحديات حسب اعتقادي، لأننا نلاحظ فرقا كبيرا في القدرة والرغبة والجرأة لدى الفاعلين السياسيين على تنزيل ما جاء به الدستور، عموما التجربة المغربية من التجارب الملهمة للتحليل في المستقبل...

لا بد من الإشارة في الأخير إلى أن المؤتمر كان فرصة لتكريم التجربة التونسية حيث أنها أيضا تعتبر استثناء بين الدول التي عرفت الثورة بالمعنى الكامل وأنتجت وثيقة دستورية جديدة هي دستور الثورة، ولازالت تمخر عباب بحر هائج وظروف استراتيجية في غاية الدقة والخطورة تؤثر عليها اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، لكنها ما تزال تحافظ على الحد الأدنى من الخطوات نحو الانتقال.

تقديم: 
أكد سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، أن التجربة المغربية تقتضي الانتقال إلى المرحلة الثانية في الإصلاح والمتمثلة في التسريع بتنزيل باقي مقتضيات دستور 2011.

التعليقات

أضف تعليقك