حول ما نسب لعيوش من دعوة لطرد النقابيين والسياسيين..استهداف الأحزاب والنقابات استهداف للبناء الديمقراطي

محمد يتيم
قراءة : (6224)
الثلاثاء, ديسمبر 13, 2016 - 10:45
حول ما نسب لعيوش من دعوة لطرد النقابيين والسياسيين..استهداف الأحزاب والنقابات استهداف للبناء الديمقراطي

ما نقل عن نور الدين عيوش إذا صح من دعوة لطرد النقابيين والمنتمين للأحزاب السياسية من المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي  فضيحة بجميع المقاييس، بل هو عينة جد معبرة عن الطريقة التي تفكر بها "نخبة" تعتبر نفسها بأنها هي "شعب الله المختار" داخل الشعب المغربي !!

هذه الفئة أو "النخبة" تعتبر أنها تفهم في كل شيء، وحضورها لا يستغنى عنه في أي مناسبة. أصبحت هذه الفئة  تشكل "فاعلا سياسيا احتياطيا" تتم الاستعانة به عند الضرورة، لضبط الإيقاع حتى داخل بعض المؤسسات الدستورية، لذلك فحضورها - الذي يعتبر عيوش مجرد عينة منه - يتكرر في عدد من المؤسسات الدستورية والمؤسسات الوطنية.

نور الدين عيوش كما هو معروف هو رجل أعمال وهو ناشط جمعوي، وصاحب وكالة للإشهار، ومؤسس وعضو مجلس إدارة مؤسسة زاكورة للتربية. ورئيس جمعية زاكورة للقروض الصغرى، ورئيس مجموعة الديمقراطية والحداثة كما كان رئيسا لجمعية دابا 2007 التي استفادت من تمويلات كبيرة كي تقوم بحملة لإقناع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا !! ‎وهو عضو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي فضلا عضويته في المجلس الأعلى للتربية والتكوين  الذي يدعو إلى طرد سياسييه ونقابييه  الذين لا يتوفرون في نظره عن الكفاءة المطلوبة  !!

ولد هذا الفاعل ويولد وفي فمه ملاعق من ذهب، يعرف كيف تلتقط الفرص ويستفيد من البرامج الحكومية وبرامج التعاون الدولي... وباختصار تعرف من أين تؤكل الكتف.

السيد نور الدين عيوش كما نعلم له مؤسسة من بين انشغالاتها الحقل التعليمي والتربوي وتقدم نفسها وكأنها نموذج نجاح ودليل على ما يبشر به صاحبها من نموذج في التدريس يعتمد على ما يسميه بـ"اللغة الطبيعية " أو " لغة الأم " ، مدافع شرس عن الدارجة ، وخصم شرس للغة العربية لغة للتواصل ولغة للتدريس ، ومدافع شرس عن اللغة الفرنسية ، ومن استماتته في دفاعه عن الخيارات المعادية للغة العربية ، كانت له الجرأة أن يجلس في حوار تلفزيوني أمام مفكر عملاق هو الدكتور عبد الله العروي الذي نسف أطروحته نسفا في برنامج تلفزيوني اتضح فيه الفرق واضحا بين الادعاء والأيديولوجيا وبين العلم والمعرفة.

يمثل  نور الدين عيوش  نموذجا من "الفاعلين او النخب" التي تصلح للعمل في واجهات متعددة والحديث في مجالات مختلفة : تتحدث في السياسة واللغة والاقتصاد والانتخابات  وتتحدث في الدستور وفي تأويله ، وتخرج لضبط الإيقاع وإقامة التوازن كلما ظهر أن ذلك لازم  .

 يقوم هذا النمط من "الفاعلين" أيضا  بدور جوهري يتمثل  في ضبط إيقاع سير عدد من المؤسسات والحيلولة من انفلاتات محتملة  مثل إنتاج مواقف أو توصيات أو استشارات محرجة أو مربكة للمسار العام.

الخرجة الأخيرة للسيد نور الدين عيوش  الداعية إلى إلغاء تمثيلية الأحزاب السياسية والنقابية من المجلس الاعلى للتربية والتكوين -إن صحت -   تبدو في ظاهرها عبثية خاصة ان تلك التمثيلية هي منظمة بمقتضى القانون،  وتحققها يقتضي  ضرورة  العمل على إقناع البرلمانيين بها ليعيدوا النظر في القانون المنظم للمجلس، اي في نهاية المطاف العمل على إقناع الفرق البرلمانية بالمجلسين أن تقرر هي بنفسها أن حضورها باعتبارها تمثل أحزابا ونقابات  في المجلس الاعلى للتربية والتكوين غير مجدي  .

وبعيدا عن " عيوش " التي يبدو انها جاءت صدى للنقاش الذي راج حول ما سمي ب" مجانية التعليم " ، وبغض النظر عما اذا كانت خرجة مقصودة ام مجرد انفعال ورد فعل !!   اريد ان أسجل بعض الملاحظات التي تتجاوز هذه النازلة وتتجاوز حالة " عيوش " الى ما هو أعمق و ابعد ،

وبغض النظر ايضا عن الحالة الحزبية والنقابية الراهنة التي هي حالة تستدعي عدة مساءلات ووقفات ، وقد ينطبق عليها او على بعض الحالات فيها توصيف " عيوش " فانه من المتعين تسجيل الملاحظات على الشكل التالي :

1- دعوة " عيوش " ليست الا صدى لتمثل دور ووظيفة الاحزاب والمنظمات النقابية لدى فئة من اصحاب القرار والنافذين في مستويات متعددة منه ، وهو تمثل ما زال ينظر الى الاحزاب السياسية والمنظمات النقابية من خلال نظرة دونية ، ويعتبرها قاصرة وغير مؤهلة لإنتاج نخب قادرة على تدبير الشأن العام بالكفاءة اللازمة ولا إنتاج أفكار وبدائل حقيقية يمكنها ان تتناوب على تدبير الشأن كما هو مطلوب في كل نظام ديمقراطي.

2- هذه النظرة المستحكمة لدى هؤلاء لا تسائل نفسها ولم تسائل نفسها يوما عن سر التدهور المتواصل في المؤسسة الحزبية والسياسية. ذلك أن ما آل إليه واقع الأحزاب والمنظمات النقابية يرجع الى عوامل عدة نذكر منها :

- عدم احترام إستقلالية الاحزاب والتدخل المتواصل في شأنها الداخلي مما أنتج توترا متواصلا داخلها وحكم على مسارها بقانون الانشطارية المتواصل ، وهو ما أفرَغَها من كثير من القيادات الفكرية والسياسية التي سئمت من المناورات والمقالب من اجل التحكم في تنظيمات الأحزاب وتوجيهها الى وجهات تخدم النافذين فيها على حساب توجهاتها وبرامجها السياسية !

- سياسة  التمكين "للتقنوقراط" على جميع مستويات المسؤولية سواء على المستوى الحكومي او على مستوى المؤسسات العمومية وعلى مستوى مراكز المسؤولية الكبرى في مختلف مرافق الدولة والإدارات العمومية ، وفي ذلك رسالة  ضمنية إلى أن المسار الحزبي التنظيمي ليس  مسارا سالكا للترقي في مدارج المسؤولية ، بل في عدة حالات فانه يتم تحذير بعض الكفاءات وتخويفها من الاندماج في العمل الحزبي ويتم نصحها للابتعاد عنه طلبا للسلامة وتأمين مسار الترقي المهني وفي مراتب المسؤولية .

- سياسية التجريد التدريجي  للكفاءات الحزبية ذات الخبرة  التقنوقراطية العالية من صبغتها السياسية الحزبية بحيث تم العمل على الاستدراج  التدريجي لعدد من الكفاءات الحزبية ذات الخبرة التقنية لأخذ مسافة مع عقيدتها السياسية وانتمائها التنظيمي الأصلي كي تتحول إلى جزء لا يتجزأ من المنظومة التكنوقراطية ، وقد سهلت المشاكل التنظيمية والتناقضات الحزبية الداخلية هذا الانسلاخ ، حيث أصبح " المناضلون " لا يَرَوْن غضاضة ان يشتغلوا ضمن اجندة الاستقطاب السلطوي المعادي لتقوية الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية لتحقيق طموحاتهم في تسلق مدارج المسوولية.

- سياسة صبغ نخب تقنوقراطية بصبغة سياسية وإنزالها بالمظلات في تشكيلات حزبية وفي ترشيحات باسمها لمناصب حكومية  ، مما يزكي عدم جاذبية المسار الحزبي ، الى درجة ان الانتماء الحزبي أصبح مقترنا عند البعض بتعارضه الجوهري بالرقي الوظيفي والترقي في مراتب المسؤولية .

 دعوة "عيوش" إذن ليست سوى صدى للمواجهة المتواصلة الهادفة إلى تبخيس دور الأحزاب وتقزيمها والحيلولة دون امتلاكها لاستقلالها التنظيمي والسياسي. وهي في العمق مواجهة بين قوى النكوص الهادفة الى مواصلة هيمنتها على القرار السياسي بعيدا عن مسار صناعته من خلال الآليات الديمقراطية والآليات المؤسساتية .

وحيث إن الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية هي البنيات التحتية الأساسية اللازمة للبناء الديمقراطي وبناء المؤسسات الديمقراطية ، فان إضعاف المؤسسة الحزبية والنقابية ، والطعن في قدرتها على انتاج نخب قادرة على تدبير الشأن العام ، ليس الا صورة من صور محاولة مواصلة بسط الهيمنة والسلطوية . واضعاف المؤسسة الحزبية والنقابية ينتهي فعلا الى اضعاف المؤسسات التمثيلية والمؤسسات الدستورية ومؤسسات الحكامة والهيئات الاستشارية وهيئات الحكامة ويقلل من دورها في ترشيد السياسات العمومية .

التعليقات

أضف تعليقك