رسائل العدالة والتنمية

.

لو أننا قمنا بتمرين بسيط وحذفنا من ديباجة بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الصادر يوم الخميس 16 مارس، ومن بيان المجلس الوطني ل 18 مارس، كل ما يدل على الجهتين اللتين أصدرتا البيانين، فأنا متأكد ألا أحد سيميز بينهما وسيعتبرهما بيانين صادرين عن نفس الهيئة، لأنهما ينبعان من تصور واحد للوضع، وعبَّرا عن مواقف واحدة، وكانا واضحين في لغتهما بل في نبرتهما إلى درجة التماهي، وهو ما يفيد أننا بإزاء حالة فريدة في المشهد السياسي تعكس وضوحا في الرؤية إلى درجة تجعل الهيئات المختلفة تتبنى الموقف ذاته، وتنطلق من نفس المقاربة، مما يفيد أننا أمام حزب يمتلك مشروعا موحدا ورؤية ضابطة تنبجس منها بقية المواقف، وتتحدد على ضوئها المسارات المستقبلية.
لقد انتصر البيانان للاختيار الديمقراطي واعتبراه مرجعا وجب ضبط إيقاع الفعل السياسي عليه، كما انتصرا أيضا لمقاربة التعاطي الايجابي مع المعطيات التي أفرزتها حالة ما بعد "البلوكاج"، في تماهٍ مع اختيارات الحزب ومنطلقاته الفكرية، والتي تُعْلِي مصلحة الوطن على كل شيء، وتجعل من أسلوب التعاون والتفاهم آلية مفضلة وذات نجاعة فائقة في تدبير اللحظات الأكثر دقة في الممارسة السياسية، مما يفيد أن الحزب بدعمه لتعيين الدكتور سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة مكلفا بتشكيلها، فهو يتناغم مع منطلقاته ويجسد اختياراته الكبرى في مقاربة السياسة، من خلال هذا الدعم.
في الحالات المشابهة أو القريبة من الوضعية التي وجد حزب العدالة والتنمية نفسه فيها، كان من المرتقب أن تنتعش داخله الخلافات، وتتقوى الاصطفافات والاصطفافات المضادة، وأن تتحول لقاءات هيئاته إلى ساحة لتصريف موازين القوى، وتكثيف المواجهة، وهو الأمر الذي لم يحدث، ولا أثر لأي مؤشر على إمكان وجوده أصلا، سواء تعلق الأمر بالأمانة العامة، أو المجلس الوطني، أو بعموم تفاعل أعضاء الحزب وقواعده، مما يؤكد مرة أخرى أننا أمام حالة حزبية فريدة في المشهد السياسي، اكتسبت مناعة بالغة ضد التشرذم والتشظي، التي لازمت المشهد السياسي منذ الاستقلال إلى الآن، حيث كانت مفترقات الطرق في الحياة السياسية رحما حبلى بالانشقاقات والتشرذمات، حتى إننا لن نجد عنوانا أبلغ من عبارة الأستاذ عبد الرحمن يوسفي التي قذفها في وجه منتقديه من أبناء شبيبة حزبه ونقابييه وبعض نخبه الفكرية، حيث قال"إن أرض الله واسعة"، لكن في حالة العدالة التنمية اتسع الحزب للجميع واحتضن بدفء كل أبنائه، وتخطى بهم دقة المرحلة في استشراف واع للمستقبل، ودون مضاعفات تذكر.
فقوة العدالة والتنمية هو عنوان تخطي هذه المرحلة بسلام، لكن من أين اكتسب العدالة والتنمية هذه المناعة؟ ومن أين استمد هذه القوة؟
الجواب عن هذا السؤال لا يستوجب نباهة خاصة، ولا يستلزم ذكاء خارقا، بقدر ما يقتضي الاتصاف بموضوعية منصفة، فنحن أمام حالة حزبية فريدة، حسمت قرارها مع المأسسة كمنهج، وآوت إلى ركنها الشديد المنيع، فكلمة السر في هذه القوة وهذه المناعة، هو إيمان الحزب بالمؤسسات وتبنيه الواضح للديمقراطية قناعة ومنهجا وليس ادعاء أو افتراء، لقد أكد حزب العدالة والتنمية مرة أخرى أنه حزب ديمقراطي وأنه حزب مؤسسات.
 الرسالة الأخيرة التي يقدمها العدالة والتنمية، وهي مرتبطة بما سبق، بل إنها نتيجة لكل ما تقدم تقريره في السطور السابقة، تتعلق بتقدير وتثمين هيئاته ومناضليه، لأداء الأمين العام الأستاذ عبد الإله ابن كيران وحسن تدبيره لمرحلة التفاوض التي للأسف لم تفض لنتيجة إيجابية، بسبب الاشتراطات اللامنتهية لأطراف التشاور، هذا التقدير نابع أساسا من كون الحزب اشتغل على هذا الورش بشكل مؤسساتي، فكون الأمين العام هو  المعني الأصلي بالتفاوض طبقا للدستور، لكنه جزء من مؤسسة حزبية تؤطر عمله وفق رؤية واضحة، فكل الدعاوي التي تحاول أن تخلق تجاذبا بين ابن كيران بصفته رئيسا للحكومة وصفته أمينا عاما للحزب، وبين الأمانة العامة وابن كيران، تبقى دعوات شاردة وبلا مضمون دستوري ولا محتوى ديمقراطي، فما معنى لإجراء الانتخابات من أصله إن لم يرتبط تشكيل الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات وبتوجهاته؟ ولا فائدة أيضا من الربط الدستوري بين التعيين الملكي لرئيس الحكومة وحيازة حزب معين لصدارة نتائج الانتخابات.
هذا لا يعني مطلقا أن رئيس  الحكومة المعين الجديد، لن يوفق في عمله مادام محكوما بسقف الأمانة العامة وتوجهاتها والذي لم يوصل إلى نتيجة في المحاولة الأولى، بل إن دعم الأمانة العامة لسعد الدين العثماني في مهمته الجديدة، وإعلانه بداية المشاورات مع كل الأحزاب الممثلة في البرلمان، إنما يفيد حرص حزب العدالة والتنمية على إعطاء فرص جديدة لكل الفرقاء لتذويب الخلافات والتقدم إلى الأمام في مسار المشاورات، بدون اشتراطات مسبقة ومعرقلة، والانفتاح على كل المقترحات ولكن بطبيعة الحال في إطار تصور واضح لحكومة قوية ومنسجمة وذات فعالية عالية.