صدق إلياس العماري ولو كان كاذبا

محمد عصام
قراءة : (780)

وانا استمع الى الياس العماري الذي حل أول أمس ضيفا على برنامجه المفضل وصحفيه الأثير " تيجيني"، والذي كلفته هذه الحظوة " البامية" تقريعا سابقا من الهاكا، ويبدو أنه الى حدود الساعة لم يتعاف من " هواه" الذي يكاد يهوي به سبعين خريفا في دركات اللامهنية، وأنا استمع لهما لا أدري لماذا زارني طيف الشاعر الحطيئة الذي لم يسلم من هجائه أبواه فقال في أمه:

  جزاك الله شرا يا عجوزا                        ولقاك العقوق من البنين 

وقال في حق أبيه:

 فبئس الشيخ انت في المخازي              وبئس الشيخ انت في المعالي 

جمعت اللؤم لا حياك ربي                   وأبواب السفاهة والضلال 

بل إنه لم تسلم منه نفسه فهجاها بعد أن نظر إلى وجهه في الماء فقال:

  ارى اليوم لي وجها فلله خلقه            فقبح من وجهه وقبح حامله!! 

وتذكرت أسطورة "سيزيف" ذلك الفتى الاغريقي الاسطوري الذي قدر عليه أن يصعد بصخرة الى قمة جبل، لكنها لا تلبث أن تسقط متدحرجة الى السفح، فيضطرالى حملها مرة اخرى إلى الاعلى ويبقى على تلك الحالة الى الابد. 

وتلك كانت حالة إلياس في تلك الليلة، حيث لم تسلم من رصاصه الطائش حتى نفسه، مع فارق كبير بينه وبين الحطيئة فقد كان هذا الأخير صادقا في كل هجوه ولم يكن منتحلا، في حين بدا إلياس كذاك الفتى الاغريقي الذي يحاول مستحيلا، فيحكم على نفسه بنفسه بالسجن المؤبد في دوامة العبث.

لقد شرب إلياس في خرجته لبن السباع، واعترف على نفسه وهو كاذب في اعترافه لا في حقيقة الأمر، بأنه جبان وأن كل الطبقة السياسية يسكنها جبن طافح، لأنه لو كان صادقا لقال الذي يجب أن يقال بلا مواربة ولا تردد، من أنه وهو ابن الحسيمة عاجز بل مرهوب مرعوب ترتعد فرائصه من مجرد التفكير في مواجهة غضب الشارع الذي نعته بالاسم والصفة والعنوان باعتباره غير مرغوب فيه ولا مرحب به لا كوسيط ولا حتى مجرد ممثل عن الساكنة، وهو الذي يعرف كما يعرف المغاربة كلهم، كيف اعتلى رئاسة الجهة، والتي  لم يحز من أصوات ساكنتها  إلا بضع عشرينيات في دائرة قروية تم إفراغهابالكامل من المنافسين حتى لا يشوشوا على إلياس غزوته الدونكيشوطية.

كان على إلياس أن يقول للمغاربة أنه لا يستطيع أن ينزل الى الحسيمة ولا أن يجوب أزقة سيدي عابد التي تفور غضبا، ولا أن يصافح أبناءها في الطرقات وعلى عتبات المقاهي، ولا أن ينظر في عيون الأمهات التي تسكنها اللوعة على أبنائهن المغيبين في غيابات السجون، ولا يستطيع ان يربت على رؤوس الاطفال الذي يترقبون طلعة آبائهم صبحا وعشية وينامون بدمع حار على حلم مشتهى في أحضان من غيبتهم القضبان. 

كان على إلياس أن يقول إني جبان وبسبق الإصرار والترصد لأنه لم تشفع لي ريفيتي عند بني عمومتي الغاضبين، ليتحملوا حلولي بينهم وسيطا أحمل همهم وأنقل مطالبهم الى من يعنيه الامر، لأني ببساطة لا أستحق أن أكون ممثلا عنهم ولا رئيسا عن جهتهم وانا الذي بالكاد حصلت على 180 صوتا، وأني عنوان كبير للإكراه السياسي الذي مورس عليهم، وأني السبب ضمن مسببات أخرى في فقدانهم الثقة في كل المؤسسات التمثيلية. 

لو أن إلياس قال هذا لصفقنا له ولقلنا إن الرجل قد تكون انتابته صحوة ضمير مشروعة وحميدة، سيكون لها قطاف ولا ريب فيما سيأتي من الايام، إلا أنه وكعادته أو لنقل بلا مجازفة، كعادة من يدفعونه لأكل الثوم بفمه، سيقفز على الواقع العنيد ويورط نفسه في شر أعماله ببلادة جامحة، حين جازف بلا دليل ولا مجرد أمارة، واتهم حكومة الاستاذ عبد الاله ابن كيران بانزال عقاب جماعي بالريف وأهله، وكأن بينهما ثأر داحس والغبراء، لا يسقط بالتقادم ولا تعتريه آفة النسيان أو محمدة التجاوز، ونسي وهو الذي لا يكف عن ترديد اسطوانة مشروخة حول التهميش واستهداف الريف كلما تعلق الامر بالحديث عن نفسه في سياق التفاخر والمباهاة، بما يعتبره تاريخا نضاليا يتباهى به بمناسبة وبدونها، فكيف يستقيم ذلك التفاخر المرتبط بسابق معاناة المنطقة  والتهميش الذي تعرضت له، في سياقات سياسية تاريخية معروفة لدى الجميع، وبين الإدعاء أن ما حل بالريف هو عقاب أو ثأر من ابن كيران  وحكومته من أهل الريف. 

 ولعل قمة العبث السيزيفي  وفقدان" الحيلة" الذي مارسه إلياس أو أوحي إليه بممارسته، قوله وهو صادق أنه طالب بعد أقل من 13 ساعة من وفاة محسن فكري من رئيس الحكومة بصفته رئيسا للجهة معطيات حول الحادث، وأن ابن كيران أجابه وهو صادق ومحق أيضا، أنه ليس من اختصاصه كرئيس جهة مطالبته بتلك المعطيات، وكان على إلياس وهو كما يفتخر ابن الحسيمة ودروِبها، وسليل وهادِها ومنعرجاتها، ورفيق ثوارها وأخ لأبنائها، أن يكون مصدرا للمعطيات لا طالبا متسولا لها، يغنيه قربُه عن التماسها من غيره، ويشفع له انتماؤه الى المنطقة في الوصول إلى أدق المعطيات واكثرها استعصاء على غيره سواء كان مؤسسة او اشخاصا ماديين، إلا اذا كان منبوذا مدحورا من أهلها، مرفوضا من ارضها وسمائها، ولو اعترف بذلك لكان صادقا بلا جدال.

الم أقل لكم إن لعنة سيزيف ركبت الرجل حتى أفقدته الذاكرة، ونسي كل ما قاله في بداية البرنامج من كونه لا يستقي أخبار الحسيمة من ممثلي السلطة أو وسائل الإعلام، بل يعيشها لحظة بلحظة، وقديما قال المغاربة: " خلي الكذاب حتى ينسى وسولو".