في حرية التدوين والفرق بين النقد السياسي والتجريح الشخصي

محمد يتيم
قراءة : (4014)

نقطة نظام على هامش كلمة السيد الأمين العام في اللقاء الوطني الثاني لرؤساء الجماعات الترابية:
في حرية التدوين والفرق بين النقد السياسي والتجريح الشخصي

تتميز الساحة السياسية في السنوات الأخيرة بشحنة إضافية من التتبع للشأن السياسي والنقد للمواقف السياسية من قبل الصحفيين ومن قبل رواد الشبكة العنكبوتية والمواقع الاجتماعية، وهو تتبع محمود ومؤشر على بوادر ميلاد رأي عام له اعتباره وتأثيره لدى المشتغلين بتدبير الشأن العام. وزادت هذه الشحنة كما وكيفا بالتزامن مع مسار التشاور الخاص بتشكيل الحكومة وما رافقه من مواقف وتداعيات.
هذا التطور شأنه شأن كل الظواهر ترتبط به بعض الانزلاقات والأعراض الجانبية مثله مثل الأدوية التي يتم استخدامها في غير محلها أو بقدر زائد عن الحاجة، وهنا خيط رفيع بين حرية التعبير التي ينبغي أن تكون حقا محفوظا للصحفيين والمدونين وبين التجريح الشخصي أو الاعتداء على الحياة الخاصة.
الحرية مرتبطة بالمسؤولية، والمسؤولية لا تقف فقط عند التحري في المعطيات والأخبار ولكن لها بعد أخلاقي خاصة لدى الفاعلين السياسيين خاصة أولئك الذين ينطلقون من المرجعية الاسلامية ويتكلمون عن تخليق العمل السياسي.
ما نسب الى الدكتور عبد العزيز أفتاتي اذا صح من وصفه للسيد عزيز اخنوش ب" الشناق " لا يمكن إلا أن يكون مدانا، ليس لأنه إساءة إلى المسؤول الحزبي الأول لحزب الأحرار الذي ما زال لحد الآن يفترض فيه أنه حليف محتمل في ائتلاف حكومي بقيادة رئيس الحكومة المعين ، أي ليس من منطلق الاعتبار السياسي البراجماتي، أو منطلق الاعتذار أو استرضاء السيد اخنوش أملا في ان تتشكل الحكومة، فالتشاور قد ينجح وقد يفشل في النهاية، ولكن بالأساس من الناحية الاخلاقية، اذ مهما كان حجم الاختلاف في التقدير السياسي فينبغي أن يبقى النقد في حدود الاجتهادات والمواقف السياسية، وفي حدود اللياقة اللازمة، لا أن يصل ليتجاوز ذلك ليصل الى حدود التجريح الشخصي .
ينبغي أن تكون أخلاقنا كذلك أيا كان الاختلاف الساسي وبدون ذلك لن تكون لنا ميزة تنافسية في الساحة السياسية!!
إن استخدام وصف من قبل الوصف المنسوب إلى السيد عبد أعزيز افتاتي -إن صح -لا يمكن إلا أن يثير الاشمئزاز والاستنكار، خاصة من قبل عضو منتسب إلى حزب يفترض أنه يرفع شعار تخليق الحياة السياسية والارتقاء ب" الخطاب السياسي ". وفي وقت تشتد فيه الحاجة إلى الإمساك عن التصريحات والتدوينات المنفلتة، إذا ما علمنا أن كل التصريحات الشاردة تحسب على الحزب وتفسر على أنها تعكس عملية توزيع للأدوار حيث إن البعض " يداوي " والآخر " يبخ" .
ولذلك كان الأخ الأمين العام على حق حين قال اليوم في كلمته في اللقاء الذي جمع رؤساء الجماعات الترابية لحزب العدالة والتنمية " الانتقاد يتطلب الأدب والصْواب واللِّي بْغا يخرج من الحزب يخرج ويقول اللّي بْغا".
لا يعقل أن يعلن الأمين العام أكثر من مرة حرصه على مشاركة الأحرار في حكومته، وأن تساند الأمانة العامة رسميا التوجه الذي اعتمده السيد رئيس الحكومة المعين بتشكيل الحكومة من أحزاب الأغلبية السابقة بعد التداعيات المرتبطة بتصريحات السيد حميد شباط، وأن تتواصل بعد التصريحات والتدوينات الشاردة التي تتجاوز النقد السياسي إلى التجريح الشخصي.
من كان يعتبر نفسه عضوا في الحزب فمن المفروض فيه الالتزام أولا وقبل كل شيء بأخلاقيات الحزب. لكل عضو أن ينتقد توجهات الحزب واجتهاداته، ومواقف الأحزاب الأخرى وله كذلك أن ينتقد نقدا سياسيا مواقف الأحزاب المفترض أنها ستكون شريكة في الأغلبية الحكومية أو حتى تلك التي يفترض أنها ستكون خارجها، ولكن لا للعبارات والتدوينات المنفلتة وخاصة تلك التي تصل إلى حد التجريح. أقول مع التشديد إنه قول مشروط بصحة ما نسب إلى السيد عبد العزيز أفتاتي، كما يتعين على غيره من منتسبي الحزب أو متعاطفيهأن يأخذوه بعين الاعتبار !!إن كانوا فعلا مناصرين للحزب ويريدون دعم نضاله من أجل مواصلة معركة البناء الديمقراطي، عندما كتبنا ذات يوم: كفوا علينا تدويناتكم المنفلتة كتب وعلق البعض أننا نريد تكميم الأفواه والسعي لفرض الرقابة في مجال سمته الحرية. وقلنا حينها نعم للحرية ولكن نعم للمسؤولية .. ونقول اليوم من كان يريد الانتقاد بعيدا عن أي ضابط أخلاقي ودون أن يأخذ بعين الاعتبار ما يترتب عن ذلك من تأثيرات على مصداقية الحزب ومصداقية قيادته فليقل ذلك على مسؤوليته وليتحلل من أي ارتباط بالحزب "ويقول اللي بغا كما قال اليوم السيد الأمين العام ."
بطبيعة الحال هذا كلام قاس وصعب علينا قوله، وأصعب منه ما ينبغي أن يترتب عليه من نتائج تنظيمية، وينبغي أن تترتب عليه النتائج التنظيمية اللازمة، ولكننا نريدها اليوم فقط نقطة نظام ينبغي أن يفهم مغزاها وألا يتم إخراجها عن سياقها !! ،
لقد قرأت كلاما نفيسا في تفسير قوله تعالى" وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلىالرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا "، كلاما استنتج من الآية عدة خلاصات وقيم له صلة بضوابط العمل الجماعي عامة في كل زمان ومكان وبضوابط السلوك عند تشابك المعطيات واشتباهها وتعقدها وتغيرها بسرعة مما قد لا يتوفر إلا للقيادة في لحظة من اللحظات، فليرجع اليه في مظانه..