ملاحظات حول مقال جبرون: في الحاجة إلى التخلي عن أطروحة الانتقال الديمقراطي

محمد يتيم
قراءة : (1573)
الأربعاء, أغسطس 17, 2016 - 15:15
ملاحظات حول مقال جبرون: في الحاجة إلى التخلي عن أطروحة الانتقال الديمقراطي

طلب مني بعض الاخوة في الحزب بإلحاح كتابة مقال للرد على ما كتبه  الاخ العزيز محمد جبرون تحت العنوان المشار اليه. وحيث إني قد التقيت السيد "جبرون" مع عدد من الاخوة في مدينة طنجة على مائدة غذاء، حيث أتيحت المناسبة لمناقشتها أطروحته وبيان هشاشتها،  لم أر اضافة مقال اخر الى ما نشره الموقع من مقالات، تم فيها تفنيد "أطروحته" تفنيدا، لكني رغم ذلك ارتأيت صياغة بعض تلك  الملاحظات التي كنت قد ابديتها له شفهيا خلال النقاش معه.

الملاحظة الاولى : الحذر الذي ينبغي ان يتحلى به المثقف مثل "الفقيه" حين يعالج قضايا السياسة، حيث إن قضاياها ليست قضايا نظرية مجردة بل إن المواقف فيها تبنى على معطيات وتفاصيل من خلال الممارسة اليومية للفاعل السياسي، مما قد لا يتوفر على من يمارسها نظريا بناء على فرضيات واحتمالات مجردة، وينطبق هذا على الاخ "جبرون" الذي تبقى علاقته بالحزب علاقة عادية، ولم يتابع عن قرب من داخل مؤسساته تطور النقاش السياسي الذي افرز في المؤتمر السادس أطروحة "النضال الديمقراطي" وفي المؤتمر السابع "أطروحة البناء الديمقراطي"، وهو الحذر اللازم خاصة في سياقات مثل التي نعيشها حيث المعركة محتدمة مع التحكم وحيث يمكن ان تستغل تأملات شاردة ضد الحزب لصالح السلطوية، او يمكن ان تثير تساؤلات عند بعض المتتبعين من الاسلم فيها الامساك عن الخوض في قضايا يحتاج فيها الباحث لهدوء غبار "المعركة" قبل ان يحلل وينظر .

ثانيا : يبدو ان الاخ جبرون غير مطلع بما فيه الكفاية على ادبيات الحزب في الموضوع وتطورها بين المؤتمرين السادس والسابع  او على الأقل ان عقله "الأكاديمي" لم يستطع تمثلها بما يكفي من العمق وَمِمَّا يدل على ذلك :

- انه ليس لدى الحزب أطروحة تسمى "الانتقال الديمقراطي" بل ان الأطروحة التي استقر عليها المؤتمر الوطني السابع هي أطروحة "البناء الديمقراطي"، وهذه الأطروحة ان كانت تستبطن ان معطيات دستور 2011 ومناخ التفاؤل  الذي خلقته اجواء الربيع المغربي ونتائج انتخابات 2011  وانتقال الحزب الى دفة التدبير، إلا أنها لم تستبعد نهائيا أطروحة  النضال الديمقراطي اي المزاوجة بين البناء الديمقراطي والنضال الديمقراطي  ، وهو ما بدا واضحا عند الصياغة النهائية لعنوان أطروحة المؤتمر حين أبدى الراحل الاستاذ عبد الله بها ملاحظة دقيقة واقترح اضافة كلمة "فعالة" الى العنوان الاولى : شراكة من اجل البناء الديمقراطي من اجل التنمية والعدالة والكرامة الانسانية " مبررا ذلك بأمرين : ان البناء الديمقراطي لا ينفك عن النضال الديمقراطي ، وان الحزب ينبغي ان يكون قاطرة على المستويين ، خاصة وان خط الاصلاح والبناء لا يسير في خط تصاعدي دوما وان النضال يبقى ضرورة ملازمة لعملية البناء الديمقراطي.

- يقوم طرح الاستاذ جبرون على فرضية مهزوزة مفادها ان الصراع الدائر حاليا هو امتداد للصراع السابق بين الحركة الوطنية والقصر، ويتمحور حول سلطة الملك ، ولأنه هكذا فإن الفشل سيكون مصيره الحتمي، وهي فرضية  لا تصمد امام قليل من التمحيص حيث تقوم على التجني على التاريخ من جهة وعلى الواقع من جهة اخرى ، وتقارن ما لا يقارن .

يسقط الاستاذ جبرون من حسابه وهو ما يستغرب من عقل "أكاديمي"،  ان الصراع بين الحركة الوطنية والملكية آنذاك لم يكن صراع حدود وانه كان صراع وجود، كما يلغي من حسابه ان الاشكالية في التجارب التاريخية السابقة على 1996 سنة الاجماع لأول مرة في المغرب على الدستور كانت اشكالية النزاع على السلطة والصلاحيات، وان الصراع السياسي المصاحب لذلك كان مبنيا على منطق الالغاء والإلغاء المضاد، وانه عبر عن نفسه من خلال محاولات انقلابية تارة ومن خلال "سنوات الرصاص" في الجهة المقابلة.

هذه الاشكالية لم تعد قائمة في المغرب منذ التصويت لأول مرة في تاريخ المغرب سنة 1996 على الدستور بالإجماع ، ويوم ان عقدت البيعة لجلالة الملك أمير المؤمنين محمد السادس من قبل كل الاطراف السياسية ومكونات الدولة والمجتمع، ومن ثم انتفت الحاجة الى "الضبط" او "التحكم" ووجود احزاب يتم إنشاؤها بإرادة السلطة او بإيعازها او من خلال دعمها ، وان الحديث عن استمرارية نفس النموذج السياسي ، وان الصراع السياسي اليوم الذي ليس هو نزاع في الشرعية وانما من اجل التطبيع مع الممارسة الديمقراطية ومواجهة السلطوية التي تحاول ان تتدثر بالقرب من المؤسسة الملكية وانها مشروع من مشروعاتها.

- يقع السيد جبرون في الخلط واللبس حين يحاول ان يقيم تشابها بين حزب التحكم اليوم (البام) وما كان يسمى آنذاك بالأحزاب الادارية التي نشأت في كنف السلطة في مواجهة احزاب الحركة الوطنية التي كانت توجهات فيها تنازع مشروعية النظام.

والواقع أنه لا العدالة والتنمية هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وخاصة اجنحته الراديكالية حيث ان قضية مشروعية الملكية مسألة محسومة لدى حزب العدالة والتنمية، ولا "البام" هو  تلك الاحزاب الادارية، التي رغم ما كيل لها من نقد  كان لها نوع تمثيل ونوع انسجام في المكونات، كما كان من المتفهم نوعا ما  وجودها باعتبارها في ذلك الوقت بغض النظر عن اختلافنا او اتفاقنا مع هذا التحليل بمثابة   "ضمانات" بالنسبة للنظام من أجل التدرج دون مفاجئات نحو "الانتقال الديمقراطي" بلغة جبرون، وفي ذلك السياق مثلا تم إنشاء الغرفة الثانية للبرلمان، ناهيك عن أنه كان يوجد في المشهد السياسي أحزاب وطنية مستقلة تدعم الشرعية التاريخية والدستورية والاجتماعية للملكية وتناضل من أجل احترام المؤسسات الدستورية والمدافعة عن الملكية كضامنة لاستقرار ووحدة البلد وساهرة على الحقوق والحريات وحكما على نفس المسافة من جميع الاحزاب، وتناضل من أجل دمقرطة الدولة وتقف في وجه السلطوية!

والواقع ان "البام" ليس حزبا تنطبق عليه مقومات الحزب السياسي، كما ان تأسيسه وطريقة تأسيسه جاءت في الوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ أي في وقت انتفت فيه الحاجة الى هذا النوع من الكائنات "السياسية" غير الطبيعية والتي تحمل كل مواصفات خطيئة النشأة الأصلية .

ان دعوة جبرون للتخلي عن "أطروحة الانتقال الديمقراطي" -التي لا اساس لها بالمناسبة في ادبيات الحزب- هو دعوة للقبول بالتحكم باعتباره قدرا مقدورا، والاخطر من ذلك النظر اليه باعتباره مكونا هيكليا من مكونات النظام السياسي وضرورة ملازمة للملكية وإفراز من إفرازاتها باعتبارها ملكية تنفيذية،  وان مواجهة التحكم تعيد انتاج تجربة الصراع غير المجدي مع النظام، وتلك هي عين الأطروحة التي يروجها التحكم وازلامه من "المحللين" السياسيين، والمعلقين "الصحفيين" وفي التقارير الخاصة التي تنال "حظوة" نشرها منابر معلومة.

- لقد أوضحت لــ"جبرون" ايضا انني لا اجد مبررا للتخلي عن مواجهة التحكم باعتباره احد اكبر عوائق البناء الديمقراطي في الوقت الذي اثبتت فعاليتها شأنها شأن أطروحة النضال الديمقراطي، وفي الوقت الذي مكنت من هزمه في انتخابات 2011 وخلال الانتخابات الجماعية الاخيرة.

كما ان رفع الراية البيضاء في وجهه سيؤدي الى رفع المصداقية نهائيا عن الحزب ويقدم ادانة عملية لكل تراكمه النضالي في مواجهة التحكم، منبها الى خطورة مثل هذا الموقف في هذه المرحلة من المواجهة التي اشتد فيها الخناق عليه بدءا بهزيمته انتخابيا وإخراجه من المدن حيث تصاعد منسوب الوعي السياسي، ولم تصبح القضية قضية حزب العدالة والتنمية بل دخل عليها حزبان من احزاب الكتلة الديمقراطية اضافة الى احزاب صغيرة اخرى .

- لقد أوضحت للأخ جبرون ان العمل السياسي لا يقاس ويقيم  بمقياس المكاسب او الخسائر الوقتية بل بمعيار الوضوح في الخطاب والمواقف مع المؤيدين ومع المعارضين ايضا، وبحساب النضال والثبات على القيم حتى لو ترتبت عليها خسائر موقتة او ابتلاءات تبقى دوما محتملة وينبغي ان يستمر الاستعداد لها متواصلا، وانه من الخطير جدا الانتقال في المواقف من النقيض الى النقيض دون مستند نظري او مبرر سياسي مقنع او مصلحة راجحة مرجوة للوطن، والواقع يثبت عكس ذلك اي ان التحكم كارثة على الوطن وعلى المكتسبات وعلى الاستقرار .

- لقد نبهت الاخ جبرون إلى ان مسار البناء الديمقراطي لا يسير بالضرورة في مسار خطي تصاعدي بل انه يسير في مسار لولبي وذلك يعني ان البناء الديمقراطي هو ايضا نضال متواصل لمواجهة اغراء التراجع والنكوص للوراء، نضال من اجل مواجهة قوى المحافظة السياسية الحريصة على اعادة عقارب الساعة للوراء على اعتبار ان بناء دولة ديمقراطية لا يخدم مصالحها، وذلك يعني انه ينبغي ان نتصور حدوث نكسات وتراجعات لكن المسار العام هو مسار تراجعي، ومن ثم فان مسار الاصلاح والبناء الديمقراطي وإطاره قد انطلق ولن يرجع للوراء رغم المشاغبات من طرف بعض ركابه المتسللين واللصوص المتربصين الذين يريدون ايقافه في اقرب محطاته للسطو على ما يحمله من ممتلكات ونفائس .

- واخيرا وليس آخرا نبهت الاخ جبرون لخطورة ما تضمنه مقاله حين ربط ربطا بنيويا بين الملكية والتحكم وجعل من هذا الاخير قدرا محتوما، ان هذا الادعاء يؤدي الى التشكيك في مصداقية مجمل المسار الاصلاحي الذي انطلق منذ الخطاب الملكي لـ 9 مارس 2011 ، وينتهي الى تبرير التحكم ويجعل من المواجهة معه مواجهة مع الملكية ، وهو امر يتناقص مع منطوق الخطاب الملكي الاخير الذي اعتبر الملك يقف على مسافة من جميع الاحزاب السياسية، وأننا في حزب العدالة والتنمية ننطلق من معطى لطالما عبر عنه الاستاذ عبدالله بها حين كان يؤكد: اني مقتنع بان الملك له حسابه الخاص، وأوردت للسيد جبرون على ذلك عدة مواقف منها : عدم مساوقة الحملة الاستئصالية للحزب عقب الاحداث الارهابية لـ16 ماي 2003 والداعية لحل الحزب ، الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية كما هي ، تعيين الاستاذ بن كيران رئيسا للحكومة في قراءة ديمقراطية للدستور .

ورغم ذلك تشكر للأخ جبرون جرأته في الطرح ، ووجود اصوات مسائلة للبداهات السائدة والمواقف الرسمية للحزب لا يضر الحزب في شيء بل يسهم ايجابا في تطوير الفكر والمواقف ، لكن على الباحثين الحذر من القفز الى قضايا دقيقة قد لا تتوفر لديهم معطيات تدبيرها والتعاطي العلمي الحقيقي معها . هي نقطة ضعف الباحثين الأكاديميين والفقهاء النصيين.

التعليقات

أضف تعليقك