هلوسات السياسيين

محمد عصام
قراءة : (175)

 أثارت تدوينة لزعيم البام على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فايس بوك، حول مصادفته للفيلسوف الفرنسي برنار هنري ليفي بطنجة، زوبعة من الانتقادات، خصوصا أن التدوينة ذيلت بتوجيه غير بريء من طرف كاتبها، من خلال إيحائه بأن وجود برنار بالمغرب يحمل رسالة سيئة للمغرب فالمعروف-حسب إلياس – "عن هذا الشخص أنه يمضي عطله في الدول المتوترة مثل ليبيا وسوريا والعراق والأراضي المحتلة"، فما الذي يريده إلياس قوله؟ وأي بشارة أو شؤم تحمله رسائله تلك؟ ثم ما علاقة ذلك بالسياق السياسي والاجتماعي والأمني الذي تعيشه بلادنا؟ وما هي الخلفيات الثاوية في اختيار هذا التوقيت بالذات؟ ولمن يتم توجيه هذه الرسائل ولصالح من يتم توجيهها؟

دعونا أولا نقول، إن جزءا من السياسيين في بلدنا العزيز، تنتابهم حالات من "الجذبة" السياسية، وتعتريهم "أحوال" ويرتقون "مقامات" تجعل "فيوض" المعرفة تنزل عليهم مدرارا، فيفاجئوننا في كثير من الأحيان بأمور تعجز عقول الأسوياء، عن استيعاب مرادهم فيكون ملاذنا الأخير قول بعضهم:

فكان الذي كان مما لست أذكره                فظن خيرا ولا تسأل عن السبب

هذا هو حالنا مع من ابتلينا بهم ممن يؤثثون مشهدنا السياسي بالكآبة والبؤس، فليس إلياس ببدع من هؤلاء، كلنا يتذكر كيف أقحم بعضهم  داعش والنصرة والموساد في توليفة غبية، في مؤسسة دستورية وفي لحظة دستورية هامة تتعلق بعرض حصيلة نصف الولاية  الحكومية، على عهد رئيس الحكومة السابق عبد الإله ابن كيران، وكيف تواطأ الجميع على الصمت وابتلاع اللسان،  أمام ذلك الإصرار المشين لاغتصاب لحظة دستورية راقية، وتلطيخ ديمقراطيتنا الفتية، بتلك التوهمات، وكان علينا أن ننتظر كل هذا الوقت وتدور الدائرة، لكي ينجلي أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن أيادي العبث عميقة جذورها في المشهد، وأن تلك الخرجات ليست إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد.

وعليه فإنه من الغباء المزمن أن نعتقد أن تدوينة إلياس، مجرد هلوسة أو نزوة استبدت بصاحبها، وإن كنا متيقنين أن التهويل الذي يسكنها ليس صحيحا وليس بريئا، ولسنا في حاجة إلى جرد معطيات أوردتها المنابر الإعلامية المختلفة، حول أن الفيلسوف الفرنسي الذي تشير له التدوينة يمتلك سكنا بطنجة، وأن تردده على المغرب  ليس جديدا، حتى تنسج حوله الأساطير أو أن يوحي لإلياس أو لغيره بقيامة آتية في المقبل من الأيام، لكن لا يمكن عزل هذا الأمر عن السياق العام الذي تعيشه بلادنا، ولا يمكن أن يخفي لنا أن الأيادي ذاتها، التي تعبث بالمشهد برمته وتوجهه نحو مزيد من الضبابية والتشكيك، وتؤسس لنكوص جامح، لها مصلحة في تهويل الوقائع، واختلاق معطيات لضخ مزيد من التراجعات والتبشير بمزيد من النكوص.

إنه أصبح من المؤكد أن جهات تستثمر في حالة الانحباس الاجتماعي، وفي تفريخ التوترات هنا وهناك، في أفق تهيئ مشهد الله وحده والراسخون في هذا العلم، من يعرف معالمه، فالمغرب يعيش معركة إرادات حقيقية، وأن إرادة الانتقام من الهزيمة في معركة الديمقراطية في يوميها المجيدين ل4 شتنبر 2015 و7 أكتوبر 2016، لن تهدأ ولن تستسلم مطلقا، وأن الجولات بين كر وفر ستستمر، لكن المطلوب منا أن لا نخطئ عنوان المواجهة، وأن لا تنطلي علينا الخرجات المتوالية لفلول النكوص والارتداد، وأن نتعامل معها بالوعي اللازم، فالمعركة بالأساس هي معركة إرادات مع الديمقراطية أو ضدها، معركة امتلاك الشعب لقراره وصيانة إرادته، معركة التنمية الاجتماعية والديمقراطية معا.