هكذا قدم المغرب صحة وسلامة مواطنيه على اقتصاده

هكذا قدم المغرب صحة وسلامة مواطنيه على اقتصاده
الأحد, 5. أبريل 2020 - 15:42
عبد المجيد أسحنون

من السياسات الحكيمة التي سيسجلها التاريخ للدولة المغربية، أنها قدمت صحة وسلامة مواطنيها على اقتصادها في زمن كورونا، فلم تكثرت نهائيا للأضرار السلبية على اقتصادها، لأنها قررت منذ الوهلة الأولى أن تحمي صحة مواطنيها أولا، وتتحمل تداعيات كورونا على اقتصادها وماليتها ثانيا.

دول اقتدت بالمغرب...

الخبير الاقتصادي عبد اللطيف بروحو، أوضح في تصريح لpjd.ma، أن المغرب كان أمام خيارين: إما غلق الحدود وفرض الطوارئ الصحية، أو الإبقاء على الآلة الإنتاجية والحركية التجارية والمجتمعية التي تعتبر عصب الاقتصاد، وبدون تردد اختار الخيار الأول.

وبين بروحو، أن عددا كبيرا من الدول الغربية أصابها ارتباك شديد دام عدة أسابيع، بحيث ترددت كثيرا في توقيف النشاطين الاقتصادي والاجتماعي مخافة الخسائر التي ستلحق باقتصاداتها، لكنها في النهاية اضطرت للبدء في الإجراءات الصارمة التي انتهجها المغرب بعد تفشي الفيروس بشكل خطير، مما جعل منظومتها الصحية عاجزة عن مواجهة الأعداد الهائلة للحالات الحرجة.

نظريتان لهزم كورونا..

وأبرز عضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أنه سادت في بداية الأمر نظريتان لتعامل الدول مع جائحة فيروس كورونا، النظرية الأولى "تبنت ما يسمى "بالمناعة الجماعية" بحيث يصاب الجميع بالفيروس ويكتسب المواطنون مناعة ذاتية تمنعه لاحقا من الانتشار،  وفي نفس الوقت تحافظ على دينامية اقتصادها. وهو ما نهجته عدد من الدول الأوربية والولايات المتحدة، قبل أن تبادر عدد من هذه الدول للتراجع بعد التأكد من فداحة الخطر على حياة مواطنيها".

أما النظرية الثانية، يردف بروحو، فهي "الحفاظ على حياة وسلامة المواطنين كأولوية قصوى ولو على حساب الاقتصاد الوطني، وهو المنهج الذي سار عليه المغرب وكان سباقا لاتخاذ احتياطات وتدابير احترازية صارمة مكنته من تفادي الخطر الصحي الكبير الذي كان يتهدده، والذي كان سيؤدي لانهيار المنظومة الصحية لا قدر الله".

التنويه بإجراءات المغرب..

وفي هذا السياق، نوه عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، بالإجراءات الاحترازية المتخذة من قبل الدولة منذ البداية للحد من تفشي الفيروس، مما جنب هذه المخاطر، باعتبار أن المغرب يتبنى قاعدة اعتبار المواطن أساس التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مثمنا التدابير الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها الحكومة تحت الإشراف المباشر لجلالة الملك، سواء تعلق الأمر بإجراءات دعم الفئات المتضررة مباشرة من توقف الآلة الانتاجية وتجميد عدد من الأنشطة الاقتصادية والمهنية، ثم بإقرار دعم مباشر لهذه الفئات.

واعتبر الخبير الاقتصادي، أن إحداث الصندوق الخاص بمواجهة آثار فيروس كورونا، يعتبر من أهم الخطوات التي اتخذها المغرب، منوها بالمتبرعين لفائدة هذا الحساب مما جعل المغرب يحتل المرتبة الرابعة في العالم، في مجال تعبئة الموارد المالية مقارنة بالناتج الداخلي الخام.

ونوه بروحو، بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال الأسابيع الماضية، المتعلقة بدعم القطاعات المتضررة وتحديد حجم الخسائر المحتملة على المهنيين والاقتصاد غير المهيكل، وعلى الأجراء وباقي الفئات المتضررة من الوضع الحالي، والتي تهم تزويد السوق الوطنية بالمواد الأساسية الضرورية للحياة اليومية للمواطنين، وبضمان التزويد المستمر بالماء والكهرباء وغاز البوتان، وكذا باستمرار تزويد السوق الداخلية بالمواد الغذائية والمطهرات والأدوية، إضافة إلى إقرار دعم مالي مباشر لملايين المتضررين…؛ وهذه الإجراءات تؤكد المنهجية التي تبناها المغرب بحرصه على مواطنيه على حساب الرهان الاقتصادي.

الآثار السلبية للجائحة..

وأكد المتحدث ذاته، أن الوضعية التي يعيشها المغرب ستؤثر سلبا بشكل مباشر على جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمالية، نظرا "لتوقف الإنتاج في جزء كبير منه، وتوقف الاستهلاك باستثناء المواد الأساسية والحيوية للمعيش اليومي للمواطنين"، مضيفا أن المغرب عرف توقفا تاما لعدد كبير من القطاعات الاقتصادية، واشتغالا جزئيا لقطاعات مهنية واسعة، وهو ما يعتبر "توقفا للدورة الاقتصادية التي ترتبط تلقائيا بمناصب الشغل وبإنتاج الثروة والقيمة المضافة وبالموارد المالية للدولة".

ويرى بروحو، أنه بعد انحسار الجائحة "سنقف على خسائر كبيرة بالتأكيد، ونرجو من الله تعالى ألا تطول مدة الحجر الصحي، حتى تعود الحياة الاقتصادية لطبيعتها تدريجيا"، منبها إلى أن التقييم البعدي لآثار هذه الوضعية على القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والمالية سترتبط بالضرورة بمدة التوقف، وآثار الجائحة على الصحة العمومية للمواطنين الذين يعتبرون أساس العملية الانتاجية والاستهلاكية على حد سواء.

واستدرك بروحو، لكن على العموم تبقى المقاربة الاحترازية المغربية نموذجا عالميا في التصدي لجائحة كورونا، باعتبار أن المملكة المغربية تعتبر صحة وسلامة المواطنين هي الأولوية القصوى، وأن تجاوز الأزمة الاقتصادية التي ستتسبب فيها الجائحة قد تصبح متاحة لاحقًا يتظافر الجهود واستمرار التعبئة العامة الحالية.

قانون مالي تعديلي..

وإذا كان توقف الإنتاج والاستهلاك بشكل شبه كلي في عدد كبير من القطاعات سيؤدي لتوقف الدينامية الاقتصادية بالبلد يقول بروحو، فإن المالية العمومية ستتأثر بدورها بشكل كبير بهذه الوضعية، ولن تستطيع "ميزانية الدولة تحقيق الموارد المتوقعة ضمن القانون المالي، وسنحتاج بالتأكيد لمراجعة عميقة للأولويات والفرضيات والحاجيات الواجب تغطيتها أولا من خلال الموارد العمومية التي يمكن تحقيقها في ظل الظرفية الحالية".

وفي هذا السياق، يرى بروحو، "أننا قد نكون في حاجة لقانون مالي تعديلي خلال الفترة المقبلة، لكن الأمر يرتبط من جهة بالمدة التي ستبقى فيها المملكة في ظل الطوارئ الصحية وحجم الخسائر التقديرية التي ستتكبدها القطاعات الاقتصادية والاجتماعية"، داعيا الحكومة إلى وضع سيناريوهات وفرضيات مبنية على الخسائر المحتملة للاقتصاد الوطني وللمالية العمومية وللقطاعات الاجتماعية منذ الآن، حتى تكون في مستوى اللحظة السياسية المقبلة بعد توقف الجائحة إن شاء الله.

فالأولوية الآن لحماية صحة وسلامة المواطنين ووقف تفشي الفيروس يؤكد عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، وبعدها ستصبح الأولوية مرتكزة على إعادة الحياة الاقتصادية تدريجيا لوضعها الطبيعي، وذلك بالموازاة مع معالجة الآثار على هذه القطاعات الاقتصادية.

الاحتياطي من العملة الصعبة..

لكن بالمقابل، دعا بروحو إلى الإسراع باتخاذ إجراءات الحفاظ على الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة، والذي يجب الانتباه إليه حاليا، "لأن التوازنات المالية الخارجية لا تقل خطورة في الوقت الراهن من باقي المجالات".

إعادة الثقة في  المؤسسات...

وخلص الخبير الاقتصادي، إلى أن المملكة المغربية أثبت فعاليتها في مواجهة المخاطر الكبرى التي تهددها، وهو ما أعاد ثقة المواطنين بشكل كبير في مؤسساتها الدستورية، ووقفنا على وعي جماعي حقيقي لدى المواطنين بالرغم من بعض الاستثناءات القليلة، مبرزا في هذا السياق أن المؤسسات الدستورية للمملكة أبانت عن صرامة فاعلة وإجراءات صحية ناجعة، أتبعتها بتدابير اقتصادية واجتماعية ذات درجة كبيرة من الأهمية. وهذا يؤكد بجلاء أن قيمة المغرب كبلد تظهر بجلاء عند المحن والمخاطر الكبرى.

وأضاف بروحو، أنه إذا كان المغرب قد أثبت بشكل واضح توفره على مناعة مؤسساتية ومجتمعية حقيقية لم نكن نستشعر قيمتها من قبل، فإننا بالمقابل سنحتاج لتعبئة عامة أخرى بعد انحسار هذه الجائحة إن شاء الله لمعالجة آثارها ولضمان مناعة اجتماعية واقتصادية ومالية بعدها.

 

التعليقات

أضف تعليقك