تافراوت جوهرة الأطلس الصغير.. إمكانيات سياحية واعدة

تافراوت جوهرة الأطلس الصغير.. إمكانيات سياحية واعدة
الخميس, 30. أبريل 2015 (All day)
عبدالله العـسري
قراءة : (1014)

ينسيك جمالها منعرجات طريقها، وتجد في مناظرها الخلابة عزاء عن تعب بُعد المسافة ومشقة المسير، كل منظر يسلمك لآخر أروع منه، أشجار اللوز تلوح فرحا من كل جوانب الطريق، مرحبة بقدوم الزائر ولسان حالها يردد من أعلى القمم "أنا ها هنا أختزن الجمال والهدوء بين أدرعي الصماء، ...اسألوا عني النحل والطير والفراشات والسناجب، فسحري عم الشجر والنهر والحجر...وجبالي خط التاريخ أسمائها بمداد أحمر"، إنها "تافراوت" لؤلؤة الأطلس الصغير التي تغنى بها الشعراء فشحذوا قوافيهم ومدحوا ووصفوا فما أحصوا جمالها!!!، انبهر السياح بتضاريس مناطقها وبراعة طبيعتها فالتقطوا الصور وشققوا الجبال وعبروا الوديان فما أشفوا الغليل !!!

وتبقى "تافراوت" هذه، تختزن عبق التاريخ عبر الزمن، وتدخر ما لا يدخر غيرها من ألحان عذبة تردد صدى المرتفعات قوافيها، وتؤثث الطيور أفق سمائها، وتكشف الشمس عن لمعان سهوبها ووديانها، ورواسيها  المنحوتة ببصمات أهاليها على مر الدهور...

في رحاب تافراوت ...

تقع  "تافراوت" على بعد حوالي 130 كلم جنوب أكادير عبر أيت باها، وحوالي 100 كلم شرق تزنيت، فهي مدينة سياحية صغيرة تتميز بالطراز المعماري التقليدي، وتعتبر عاصمة جبال الأطلس الصغير، ويكسو شجر اللوز جل أراضيها مما يضفي على هذه المناطق رونقا وجمالا في فصل الربيع.

 تمر صور المناطق المتتالية  أمام أعيننا ونحن متوجهين صوب تافراوت، فكانت البداية من تزنيت في اتجاه الشرق حيث توقف بنا المشهد بــ"تيغمي" التي ابتسمت لنا ابتسامة ورثتها من أهاليها المجبولين بالكرم والترحاب بالزوار عبر الأزمان، واصلنا الرحلة فعانقتنا مناظر "أفود" و"أكردوس" التي يوجد بها قبر الشيخ ماء العينين أحد رجالات المغرب، ولم نبال برتابة الزمن والجبال ترافقنا من كل صوب حتى بلغنا "جمعة إداوسملال" حيث تفترق الطرق المؤدية إلى تافراوت إحداهما عبر منطقة " أزربي" والأخرى عبر "تهالة"، وكان الاختيار بين منظرين جميلين صعب للغاية، واختار الفؤاد مما رأى فسرنا صوب "خميس أيت وافقا" حيث أدهشتنا منعرجات " تيزي ن عمران" التي سلمتنا بسلامة لمناطق "أيت بونوح" و"أفلا ءيغير" و"تي واضو"  لتحتضننا "زاوية تيكيدشت" وهي إحدى منارات العلم بسوس أسسها أحمد بن محمد الميموني في القرن الحادي عشر الهجري، وتخرج منها العلماء والفقهاء وذاع صيتها في ربوع سوس.

ولا عجب أن تنال هذه المدارس العلمية العتيقة إعجاب الشعراء الأمازيغ الذين وقفوا عند علمائها وأخذوا استشارتهم في مواقف عدة، وتلك شيم العديد من الشعراء الأمازيغ  الذين  نجد بصمات هؤلاء العلماء والفقهاء في قصائدهم الشعرية الأمازيغية، بل عمد هؤلاء الشعراء إلى استقاء بعض المضامين من القرآن الكريم كما في قصيدة للشاعر “محمد أبعمران” يحكي فيها قصة نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام، أو لدى الحاج عمر واهروش رحمه الله في قصيدة تتحدث عن الابتلاء الذي حل  بسيدنا أيوب عليه السلام – رغم ما سجل عن هذه القصيدة من ملاحظات –  فنجد أن هؤلاء الشعراء يستشيرون من حين إلى آخر العلماء أو الفقهاء حتى تستقيم مواضيع قصائدهم ولاسيما عندما يتعلق الأمر بفتاوى أو نوازل فقهية.

“تمكيدشت” في الشعر الأمازيغي …

ولابد أن نتوقف  بالمناسبة عند  مقتطفات من  قصيدة طويلة عنونها الشاعر محمد الدمسيري رحمه الله بــ“تيمكيدشت”،  مجد فيها  علماء سوس وأثنى على القبائل المحيطة بالمدارس العتيقة لإكرامهم الطلبة وشيوخ العلم بهذه البوادي، واصفا حفاوة الاستقبال التي يتلقاها كل من قـدم إليها قائلا :

ؤزنغ ياتبرات إمربا أتلكم بابنسي / بعثت رسالة علها تصل صاحبها

أداغ كن سيباب أركيغ نزرا تمكيدشتي / حتى تكون لي سببا لزيارة “تمكيدشت"

أراغ تنت أدرن مدن غار س لخير إكوتني / حيث يحكى لي عنها بالخير الكثير

أويغ سيس ؤكان رجانا دلفرح إكوتني/ وكان رجائي وفرحي لذلك اليوم كبيرين

أكايكات لعيد لميلود ريغ أكيم زورغي/والموعد كان يوم عيد المولد النبوي الشريف

أكيسنت هضرغ إشرفا هضرغ إطلبانسي / لأنظم فيها الشعر لشرفائها وطلبتها

نضالباك دوعا –   ن فربي أكرا دي ماكارني / وأطلب دعاء كل من التقى هناك

حب أهل العلم من الأخلاق الفاضلة …

يعود الشاعر ليؤكد على  أن العلماء أو أولياء الله يستحقون كل حب وتقدير ومن لم يستطع بلوغ هذه الدرجة فليكتف فقط باحترامهم والترحم عليهم لينال أجر الدعاء، ليمر الناظم مباشرة إلى الثناء هذه المرة على مناطق محيطة بـ”تيمكيشت”  كـ “أداي” و”تافراوت” و”أنامر” و”أكرسيف”و “أييغد” ليصل إلى “تنالت”  قائلا :

ونا إكان أمومن فهمن إكدا –د لحاديثي / من كان مؤمنا و تفقه في  الحديث

ألا وليا – ن ربي إسا تنتحوبون إزاعمي / يذوب قلبه في حب أولياء الله

أكيسن ؤر ءيتيني لعيب إكتن غ لقلبنسي /   و يحترمهم و يتجنب  إدايتهم  

إغاسناك ؤر إسوكير   أميا إدعوديسني / أو يكتفي بالدعاء الصالح لهم كأضعف ما يملك

تلك هي "تيمكيدشت" التي غادرناها ولم تغادرنا بعد أن زرنا مرافق مدرستها العلمية  التي انكب فيها الطلبة على حفظ كتاب الله تعالى ودراسة المتون العلمية والفقهية، فواصلنا المسير صوب واحة أيت منصور وهي منطقة سياحية يقصدها الزوار من كل أرجاء المعمورة، ومنها إلى "تاسريرت" و"أوسيفت" و"أكرض أوضاض" حيث المناظر الساحرة  من جبال عالية  وتضاريس مختلفة الأشكال.

ننتقل بين مناطق تافراوت كل منطقة تنسيك سابقتها ... وشجر اللوز يرافقنا دوما كظلنا و لسان حاله يردد "أنا هاهنا أسقيكم عطر ورودي البيضاء الناصعة أينما حللتم، ومعي النحل والطيور شاهدة على  كرمي وحبي للزوار  على مر الزمان ".

 

التعليقات

أضف تعليقك