ربورتاج: البادية أول فضاء تأسيسي للمسرح الأمازيغي بقبائل حاحا

ربورتاج: البادية أول فضاء تأسيسي للمسرح الأمازيغي بقبائل حاحا
الجمعة, 23. يناير 2015 (All day)
مراسل جهة سوس ماسة درعة: عبد الله العسري
قراءة : (390)

ظل المسرح الأمازيغي منذ زمن حبيس المناطق التي تنتجه حتى كادت تنطبق  عليه عبارة "منه وإليه" ، حيث اشتهرت كل منطقة بأعلامها في هذا الفن ، وكانت ساحة جامع الفناء بمراكش من بين مدارس الفكاهة والمسرح الأمازيغيين ، حيث عرفت ظهور فنانين مرموقين في المسرح أمثال  فارس باقشيش  ومحمد بلقاس رحمهما الله ، وبالمقابل عرفت البوادي هي الأخرى أعلاما في المسرح الأمازيغي - الذي لم يسم بعد أنداك بهذه التسمية - و لم تسلط عليهم الأضواء خصوصا في مرحلة السبعينات ويتعلق الأمر بالفكاهيين أحمد ماشي والعربي أخساي بحاحا اللذان كانا يستدعيان سنوات السبعينات لتنشيط الحفلات الرسمية بالصويرة والنواحي والأعراس لدى أهالي قبائل حاحا ، ومجموعة " أبناء الفقيه " بقبيلة نكنافة بحاحا الذين أتحفوا الأعراس بقبائل حاحا بالعديد من العروض المسرحية المستقاة من واقع الحياة الاجتماعية ببادية حاحا، وغير بعيد بقبيلة إداوتنان كانت مجموعة مسرحية تطلق على نفسها " أبناء سيدي ابراهيم أوعلي نتغانيمين " التي كانت مشهورة في بداية الثمانينات في أوساط جمهور حلقات كل من سوق ثلاثاء إنزكان وفضاء سوق"أحد البطوار " بأكادير  باسم "فرقة إداوتنان".

فارس باقشيش خريج جامع الفناء ...

استطاع الفنان فارس باقشيش أن ينتج أسطوانات فكاهية بمفرده يلعب فيها أدوار شخصيات كثيرة ، يغير صوته عند تمثيل كل شخصية حتى يخيل للمتلقي، أن العرض ممثل من قبل شخصيات عديدة، وذلك بتناسق رائع ، وليس لفارس هذا من وسائل إلا "البندير"، يستعمله تارة للتعبير عن دقات الأبواب وتارة أخرى يوظفه في إلقاء المقاطع الهزلية التي يطعم بها نصه المسرحي، وقد استطاع هذا الرجل أن يضع اللبنة الأولى للمسرح المغربي الأمازيغي في مرحلته الأولى، وإن كانت الإذاعة الوطنية في المرحلة نفسها تقدم تمثيليات وألغاز هزلية من قبل الأستاذ الصحفي عبدالله النظيفي رحمه الله من خلال برنامجه الأسبوعي الشهير أنذاك بـ " عمي موسى" ، إلا أن الذي ميز فارس باقشيش عن غيره هو  كونه مبدعا يستثمر كل مؤهلاته لإيصال فنه إلى محبيه في مرحلة طبعتها مجموعة من الظروف ... وكانت كلمة "باقشيش" تطلق على ذلك المهرج الذي يطلق عنان لسانه فيصيب بسهام نقده كل من وقف في طريقه، إلا أن فارس ليس من هذا النوع بل من الصنف الذي يعبر عن هموم الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها لعلاج ظواهر اجتماعية سائدة في تلك الفترة.

ومن بين الممثلين الأمازيغ الذين أنتجتهم المدينة الحمراء محمد بلقاس رحمه الله الذي استطاع أن يكون بارعا في بداية مشواره الفني بالأمازيغية وذلك في الستينيات، وواصل التمثيل بالعربية الدارجة وبلكنته الأمازيغية إلى أن أضحى من الفكاهيين المرموقين المشهود لهم بالكفاءة في المجال المسرحي بالمغرب.

أحمد ماشي والعربي أخساي بقبائل "إحاحان" ...

وعرفت قبائل حاحا بروز مجموعة من الفنانين في المجال المسرحي، إلا أنهم اختاروا العمل في الظل لكونهم يؤمنون بأن المسرح رسالة يجب أن تنطلق من المحيط أولا ، ففي قبيلة إداوكرض بضاحية الصويرة اشتهر الفنانان أحمد ماشي والعربي أخساي اللذان يحظيان باحترام لدى أبناء القبائل فهذان الرجلان يلبيان دعوات الأهالي لتنشيط حفلات أعراس الزفاف ببوادي حاحا، ويقطعان مسافات على ظهري دابتيهما وقد تكون بعيدة للوصول إلى جمهور ينتظرهما ببادية من بوادي حاحا، حيث يعم الفرح في أوساط الكبار والصغار بقدوم الفكاهيين، وما أن ينتهي الناس من صلاة العشاء إلا وترى الكل يهرول للبحث عن مكان مناسب بفناء منزل صاحب العرس، وبعد لحظات فقط يخرج ماشي في هيئة فلاح يمتشق ثيابه ممسكا بمحراث يجره شخصان منحنيان أحدهما له قرنا ثور والآخر أذنا حمار ، وعلى ظهر كل منهما وسادة تتحمل ضربات الفلاح من حين إلى آخر ، وخلف ماشي تظهر الزوجة التي يمثل دورها العربي أخساي حاملة البذور ، وعلى ظهرها دمية كابنها الصغير، ويبرز فناء المنزل كلوحة فنية تجسد هموم الفلاح البسيط في البوادي البورية، حيث يسود الفقر والشظف، وبذلك يقدم ماشي عروضا شيقة تعبر إلى جانب ذلك بحق عن الوضعية التي تعيشها المرأة الأمازيغية في البوادي، حيث تشارك زوجها في الأعمال الشاقة من جهة وتتولى تربية الأبناء من جهة ثانية. وقد يطول العرض على شكل فصول ويستغرق ثلاث ساعات، بحيث ينتقل ماشي من دور الفلاح إلى أدوار أخرى كدور القاضي في المحكمة ودور الفارس على صهوة جواده و مصير العاق لوالديه.

ويتميز أحمد ماشي ورفيقه العربي أخساي باعتمادهما على في اختيار شخصيات العرض المسرحي على أبناء المنطقة التي تستضيفهما ، بحيث يعقدان لقاء خاصا مع من وقع عليه اختيارهما قبيل بداية العرض فيلقنان لهؤلاء الأشخاص محتويات السيناريو فيشاركونهما في التمثيل كأنهم محترفين من ذي قبل، وهكذا يمكن اعتبار أحمد ماشي ليس ممثلا فحسب وإنما هو مدرسة مسرحية متنقلة بأرجاء القبائل ، ولهذا نجد ماشي وصاحبه مباشرة بعد وصولهما إلى بادية ما يستقيان من صاحب العرس أسماء بعض رجالات المنطقة لتوظيفها في العرض المسرحي حتى يخيل للمتلقي أن الممثلين ليسا غريبين بل من أهل البلدة ، فتكون المتعة ويحصل الانسجام والتجاوب بينهما والجمهور.

ويشار إلى أن أحمد ماشي لم يعتزل التمثيل ، لكن الكبر هو الذي حال بينه وبين هذا الفن نظرا لخصوصية التمثيل المتنقل بين جبال البادية حيث المسافات الطويلة ، وقد سبق لأحمد ماشي وصديقه العربي أخساي أن سجلا شريطا مسرحيا مسموعا واحدا في بداية الثمانينات بمؤسسة " صوت الدار البيضاء ".

وتجدر الإشارة إلى أن جل مسرحيات ماشي وأخساي هي في الأساس محفزات للإبقاء على الموروث الثقافي للقبيلة، فعندما نتحدث عن الفروسية فإننا أمام قيم وأمام جزء من التاريخ ، إذ كان الأجداد المغاربة يعتبرون الفرس عنوان الشهامة والدفاع عن حوزة الوطن في مرحلة كثرت فيها أطماع الاستيلاء على الأوطان ، وكان تملك الفرس من تمام الرجولة لدى ساكنة بوادي حاحا.

مجموعة "أبناء الفقيه" بـ نكنافة حاحا...

عرفت قبيلة نكنافة بحاحا في بداية السبعينات ظهور فرقة من الممثلين المرموقين يدعون " أبناء الفقيه" طوروا أسلوبهم التمثيلي ويعالجون في مسرحياتهم مستجدات الحياة ببوادي حاحا ، ومن هذه الفرقة تخرج الشاعر الأمازيغي " أحمد بلفقيه" الذي غنى في سنة 1986 قصيدة مشهورة بمناسبة تأهيل الفريق الوطني المغربي لنهائية كأس العالم بميكسيكو.

وتتميز هذه الفرقة عن غيرها بكونها خاضت في مواضيع حديثة كالسلامة الطرقية حيث يلعبون أدوار الشرطة والعابرين للطريق العمومي لمعالجة ما قد يحدث للوافد على المدينة من أبناء البادية من حوادث السير أثناء عبورهم للطريق.

وقد تشتت هذه الكفاءات نظرا لافتقارها للدعم وإلى التأطير وغياب مؤسسات تهتم بهذا الصنف الذي ينطلق من لا شيء  ويحقق( بعد ذلك أعمالا تبقى خالدة في أدهان المهتمين بالمسرح كرسالة تؤرخ لمجتمع معين في حقبة زمنية محددة.

التعليقات

أضف تعليقك