ربورتاج: اللهجة الحسانية ... الأخت الصغرى للعربية الفصحى

ربورتاج: اللهجة الحسانية ... الأخت الصغرى للعربية الفصحى
الاثنين, 1. ديسمبر 2014 (All day)
المحجوب لال
قراءة : (3208)

الحسانية لهجة صحراوية منتمية للغة العربية ومرتبطة بها أشد الارتباط، وهي منتشرة في الساقية الحمراء ووادي الذهب وبموريتانيا وجنوب غرب الجزائر وشمال مالي، ويطلق على المتحدثون بها لغة "بني حسان"، وهم مجموع القبائل الذين سكنوا بهذه المناطق بعد سنوات طوال وقرون عديدة من الهجرة المتتالية والمتواصلة، من المشرق إلى الغرب الاسلامي، بفعل عوامل سياسية وأخرى طبيعية واقتصادية.

وقد نتج عن إمتزاج لغة العرب القادمين من الشرق، مع لغة الامازيغ من صنهاجة الملثمين من جهة والعناصر الأفريقية الزنجية  من جهة أخرى، لهجة جديدة هي اللهجة الحسانية، التي تمثل عملية انصهار ثقافي ولغوي فريد، يحتوي على عناصر اصطلاحية وتركيبية وصوتية مستمدة من موروث كل تلك العناصر والمجموعات الأثنية، كما أن كثيرا من الباحثين يعتبرون أنها أقرب لهجات المنطقة إلى اللغة العربية، على اعتبار أن حوالى ثمانين بالمائة من معجمها من أصل عربي.

تتميز اللهجة الحسانية بغناها المثير بالأنماط التعبيرية الشفاهية المتنوعة، ففي مجتمع الصحراء الذي تقل فيه الكتابة ووسائلها، تصبح التعابير الشفهية هي وسيلة التواصل الناقلة للتجارب والحافظة للذاكرة الجمعية، التي تترسخ وتتجذر من خلال جلسات السمر، التي تميز ليل الصحراء الطويل حيث لا وسائل ترفيه ولا وسائط تواصل عدى الصور اللغوية المحمولة في ثنايا الذاكرة الشعبية.

وقد نشر الباحث غالي الزبير مقالات كثيرة حول الموضوع، أكد من خلالها أن اللهجة الحسانية تضم تراثا شعريا غنيا يتصف ببحوره وتفعيلاته، ومقاماته المتنوعة التي شملت جميع مناحي التعبير من غزل وفخر ومدح وهجاء ونقائض وغيرها، وتراثا قصصيا يشمل مختلف مناحي الحياة، وتخدم كل مجموعة قصصية أهدافاً تربوية أو دينية أو أخلاقية مختلفة، كما تضم اللهجة الحسانية كما كبيراً من الأمثال والحكم التي تتميز بارتباطها بالإنسان والأرض، نستطيع أن نتلمس من خلالها نمط وأسلوب العيش والحياة، من خلال انعكاس البيئة الصحراوية الاجتماعية والطبيعية في ثناياها.

التسكين والصرف والجمع

1-تسكين أوائل الكلمات: تبدأ عدد كبير من الكلمات الحسانية بحرف ساكن حتى لو كانت أوصولها عربية مثل: محمد(بتسكين الميم الأولى) وقد يكتبها البعض "أمحمد" تمييزاً لها عن اسم محمد بضم الميم الأولى، ومثل "طبل" بتسكين الطاء في حين أن كلمة "طبل" بطاء مفتوحة كما هو معلوم ومثل كلمة "كراع" بتسكين الكاف أيضاً والكلمة فصيحة وتلفظ بضم الكاف لا تسكينها، جاء في الأثر "‏لو أهديت لي ذراع لقبلت ولو دعيت إلى ‏ ‏كراع ‏ ‏لأجبت".

والعرب لا يسكنون أوائل الكلمات أي أنهم لا يبدأون الكلمة بحرف ساكن، بل تظهر على الحرف الأول إحدى الحركات المعروفة (الفتحة أو الضمة أو الكسرة)، حتى أن الشيخ محمد البشير الابراهيمي كان يكتب كلمة "فرنسا" هكذا "إفرنسا" لأن اسم فرنسا يبدأ بحرف ساكن في اللغة الفرنسية.

2- تسكين الحرف الذي يلي لام التعريف:

 وهو شبيه بسابقه غير أن الحرف الساكن هنا يقع بعد أداة التعريف، ويلاحظ هنا أن الحرف المشدد بعد اللام الشمسية يسكن ويفقد خاصية التشديد بخلاف اللغة العربية الفصحى، حيث يكون الحرف الموالي لأداة التعريف متحركاً (يحمل إحدى الحركات) ويكون الحرف الموالي للام الشمسية مشدد دائماً. ففي اللهجة الحسانية تلفظ كلمة "السحاب" و"التمر" و"الشهر" بتسكين الحاء و التاء والشين على التوالي دون تشديد هذه الحروف، بينما تكون كلها مفتوحة ومشددة في أصلها العربي كما هو معلوم.

3-اختلاف تصريف الفعل مع بعض الضمائر:

 قد يكون اختلاف اللفظ فرقاً سهلاً، غير أن اختلاف تصريف الفعل مع الضمائر هو اختلاف بين وعميق بلا ريب بين اللهجة الحسانية واللغة العربية المعروفة لنا. فإذا كنا نقول في اللغة العربية: أنا أكتب وأنت تكتبين وهم يكتبون، فإننا نقول في اللهجة الحسانية الأفعال نفسها كما يلي: أنا نكتب وأنت تكتبي وهوما (هم) يكتبو، وقس على ذلك جميع الأفعال.

4-اختلاف صيغ الجمع: 

توجد في اللهجة الحسانية صيغ للجمع تختلف بصورة كاملة عن صيغ الجمع في اللغة العربية للمفردة ذاتها فتجمع كلمة امرأة على نساء ونسوة أما في الحسانية فجمع امرأة هو "عليات" (بتسكين العين أيضاً)، وتجمع كلمة أم على صيغة "أمات" للإنسان والحيوان بخلاف اللغة العربية حيث يكون جمع أم للإنسان هو أمهات. وقد ورد في الأثر "الجنة تحت أقدام الأمهات"، ويجمع طفل في الفصحى على صيغة أطفال بينما في الحسانية تجمع كلمة طفل على صيغة "تركة" ولعل الكلمة هنا مشتق من كلمة "التركة" أي ما يتركه ويخلفه الإنسان بعد موته، وتجمع كلمة كأس على صيغة "كيسان" بخلاف الشائع من لغة العرب حيث تجمع على صيغة كؤوس مثل فأس وفؤوس ورأس ورؤوس وغير هذا كثير.

اختلاف الدلالة والتصغير وقلب الحروف

5-اختلاف دلالة الكلمة الواحدة في العربية والحسانية: والمقصود هنا أن ترد الكلمة ذاتها بمعنيين مختلفين تماماً، بحيث لو سمعها العربي الذي لا يعرف الحسانية لفهم منها غير ما يفهم العارف باللهجة الحسانية، ولعل هذا ما يشكل صعوبة إضافية على إخواننا العرب في فهم اللهجة الحسانية.مثل كلمة "غليظ" التي تعني في اللغة العربية خشن أو فظ، قال تعالى مخاطباً نبيه الكريم "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك"، والكلمة بجميع معانيها تحمل معنى سلبياً بينما نجد في اللهجة الحسانية أن كلمة "غليظ" تحمل معنى ايجابياً فهي عبارة مديح، فتقول "فلان رجل غليظ" أي أنه مترفع عن الدنايا، وفي الشعر الحساني يقول القائل:لحق للي ماهو كهان ****** من لعرب لغلاظ أهل الشأن، والمعنى التقريبي لهذا البيت هو: أبلغ من ليس بكاذب من العرب الأباة ذوي الشأن والمكانة.

وكذلك كلمة "السحاب" فهي في اللغة العربية مرادفة لكلمة "الغيم" أما في الحسانية فتعني المطر نفسه، فنقول "جات السحاب" أي جاء أو نزل المطر. ومن الأمثلة في هذا السياق كلمة "بائقة" وتعني المصيبة أو الكارثة والشاهد قول الشاعر محمود سامي البارودي متذكراً بلاده بعد أن نفي إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا الحالية):يا روضة النيل لامستك بائقة   ولا عدتك سماء ذات أغداق.

وتوجد بهذا المعنى كلمة "بايقة" حيث تلفظ القاف هنا مثل الجيم المصرية وللكلمة في الحسانية معنى أخر هو "كثير" فنقول "بايقة من السكر" أي كثير من السكر، و"بايقة من الخلق" كثيرمن الناس. ومن المناسب هنا الإشارة إلى خصيصة أخرى من خصائص اللهجة الحسانية هي قلب همزة الوسط ياءً كما في المثال السابق فيقال "ذيب" في كلمة "ذئب" و" بير" في "بئر" و"مايل" في كلمة "مائل" ...إلخ، ولهذا ما يماثله في بعض اللهجات العربية.

وكذلك كلمات من قبيل"القعود" فهي في العربية ابن الناقة (صغير) وفي الحسانية تعني الفحل (الكبير) و"العيش" وهو عند العرب يعني "الخبز" وفي الحسانية يعني "العصيدة" و"الساحل" أي ساحل أو شاطئ البحر ومنه مصطلح "الساحل" المستعمل في الجغرافية السياسية المعاصرة، والذي يعني دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، على اعتبار أن الصحراء الكبرى بحر من الرمال، وفي الحسانية كلمة "الساحل" تعني "الغرب" الجهة الجغرافية المعروفة، وكلمة "الزمان" أي الوقت بينما في الحسانية كلمة "زمان" تعني "قبيلة" وهي كلمة متقادمة قل استعمالها وإن كانت تتكرر في الشعر الحساني القديم.

6-تصغير الكلمات 

وتصغير الكلمات يحمل دلالة التحبب والتلطف وهو معروف في اللغة العربية، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: وغاب قمير كنت أرجو غيابه   وروَح رعيان ونوَم سمر، ولكن التصغير نادر الاستعمال في اللغة العربية وتكرر كتب النحو الأمثلة ذاتها تقريباً، أما في اللهجة الحسانية فإن التصغير شائع وواسع الاستعمال، مما يمثل إثراءً للقاموس الحساني من خلال مضاعفة عدد المفردات ويلعب هنا دوراً تقييماً يبين حجم الجسم المصغر فنقول "واد" ونصغره على صيغة "أودي" فيفهم السامع أن المقصود واد صغير أو ضيق المجرى وقس على ذلك.

7-قلب القاف غيناً والعكس:

وهو أمر شائع في الحسانية فنجد هذا الخطأ حتى في النصوص المكتوبة دون مراجعة فيقولون "غرير العين" في "قرير العين" والبلغان" في كلمة "البلقان" و"القروب" في كلمة "الغروب"،وغير هذا كثير وهذه الظاهرة اللغوية لا تنفرد بها اللهجة الحسانية بل توجد في بعض البلدان العربية كبعض مناطق اليمن والسودان.

فعلا هي لغة الضاد

قال الدكتور علي سالم محمد فاضل ذات مرة، إن اللهجة الحسانية تستحق أن تسمى لغة الضاد، إنها حقيقة غفل عنها المثقف الصحراوي والمثقف الموريتاني بسبب انغماسهما في المشاكل اليومية الكثيرة والمتعددة، كما هو معلوم جهل اللغة يؤدي إلى عدم معرفة حقيقة واقع المجتمع، كما أن خصوصيات المجتمع لا يمكن الاضطلاع بها إلا من خلال معرفة اللغة المحلية (اللهجة) التي هي لسان الحال والمعبر عما يجري فيه، ولا شك أن اللهجة تعتبر إحدى ركائز الشخصية الوطنية للبلد. ولقد بين كثير من الباحثين أن جذور اللهجة الحسانية ضاربة في عمق اللغة الأم العربية، وهو ما يميزها وبكل وضوح بين اللهجات الأخرى المنطوقة في الوطن العربي، كما أن اللهجة الحسانية تتميز بنطقها السليم لكل الحروف مما يمنحها بجدارة أن تكون فعلا لغة "الضاد". وما دامت اللهجة المحلية هي لسان الحال فإن تجاهلها يؤدي إلى ضياع حلقة أساسية أثناء عمليات البحث العلمي في الميدان الاجتماعي لأي بلد.

التعليقات

أضف تعليقك