الانتخابات والترحال السياسي

كلمة الموقع
قراءة : (3585)

مع دنو موعد الانتخابات، يعلو نفس الخطاب ويحتكر واجهات الاعلام ويستحوذ على انشغالات الناس، وتكرر نفس الاهتمامات وتعاد عملية انتاج نفس المسلكيات المصاحبة لكل الانتخابات منذ أن عرف هذا البلد لمثل هذا الاستحقاقات ذوقا وعاش مخاضاتها إدراكا ووعيا، وعاين مساراتها صعودا ونزولا، حتى أنه بات من الواجب طرح سؤال ماذا تغير في المغرب رغم العقود المتعاقبة وتجارب الانتخابات المختلفة؟ وهل كل التراكم الذي تحقق على مستوى الوعي أولا ثم على مستويات الكسب الدستوري والحصيلة التشريعية ليس بالكفاية بأن يحدث رجة في هذه البركة الراكدة من المسلكيات؟
لقد ارتبطت اللحظات النهائية ما قبل الاستحقاقات، بصعود جلبة الهجرات الجماعية والفردية من هذا الحزب أو ذاك، وإعلان الطلاق البائن وعادة من جهة واحدة تجاه هيئات وأحزاب ومن مختلف الاصطفافات السياسية والألوان العقدية، مما يجعل هذه الظاهرة تتميز بالشمول والعموم ولا تستثني أحدا، مما يستوجب طرح مجموعة ملاحظات نجملها فيما يلي:
    •    إن استمرارالترحال السياسي الذي لازم المشهد الحزبي المغربي منذ نشأته، يؤشر على تجذر هذا السلوك وارتهان الفعل السياسي لمفعوله وارتداداته، وهو ما يطرح اسئلة تتعلق في شق منها بالبنية التنظيمية للأحزاب وقدرتها على استيعاب الطموحات غير المحدودة لنخب مسكونة بعائد المواقع وتحصيل منافع الارتقاء الاجتماعي، وفي شق آخر بسلوك الأفراد في إدارة الشأن العام، وعدم الارتقاء بهذا السلوك الى مستوى الانفكاك من هيمنة " العقلية الاستثمارية" في ولوج السياسة، وربط الاداء السياسي بمقدار تحصيله للفوائد وتمكين أصحابه من المواقع، وهذا مؤشر ينضاف الى مؤشرات أخرى تعزز من فرضية موت السياسة وانمحاء المعنى في ممارستها، وتأبيد حالة العزوف الى أجل غير مسمى.
    •    دأب السياسيون ووسائل الإعلام  أيضا بالاحتفاء بقوافل الهجرة متى  حطت رحالها في مرابضهم، وذبجت لذلك الافتتاحيات المهللة، واحتفي بالقادمين الجدد، واعتبر ذلك هزيمة للخصوم وإيذانا بمواسم الحصاد السخية، في حين أن الامر لا يعدو أن يكون أعراض مرض مزمن لم تفلح وصفات الدستور الجديد في اجتثاث جذورها من سلوكات النخب السياسية، رغم تنصيصه على منع الترحال السياسي على مستوى البرلمان، وكان يفترض من ذلك التنصيص أن تصل صدى رسائله مختلف المؤسسات والهيئات والأفراد. في حين تصدى المجلس الدستوري لمقتضى يتماشى مع هذا التوجه حين تصديقه على مشروع القانون التنظيمي للجماعات، مما سيعزز ثقافة الترحال ويطبع قانونيا مع شرود مقترفيها عن الزمن السياسي للمغاربة واستحقاقاتهم الدستورية.
    •    لم يسبق لنا في هذا المنبر أن تعاملنا بانتهازية مع هذا السلوك الذي نعيبه، واعتبرنا دوما تقوية الأحزاب بالحفاظ على وحدتها التنظيمية وانسجامها السياسي والفكري هدفا استراتيجيا، يدفع بالانتقال الديمقراطي الى الأمام ويجسد مؤشرا على سلامة البناء الحزبي الذي يجب الحرص عليه باعتباره أداة أساسية لانجاز أي تحول نحو الديمقراطية، وعليه حرمنا على أنفسنا الانتشاء بقدوم  الناس علينا أشتاتا أو فرادى، و لم نبتهج يوما قط لمغادرة من غادر سفينة خصم سياسي أو طلق بالبائن بيتا من "بيوتات المعارضة".
    •    نعتبر أن الأحزاب السياسية مدعوة الى تقديم البينات على انفتاح فضاءاتها على نسائم الديمقراطية وانخراطها في الزمن السياسي للبلد المنحاز للديقراطية اختيارا وإرادة، وأن تدبير الانتخابات كاستحقاق ديمقراطي يجب أن يمر حتما عبر اختيارات مسنودة بشرعية ديمقراطية غير قابلة للطعن أو مشكوك في صدقيتها، فما بني على باطل هو حتما باطل.
    •    في خضم الجلبة المتعلقة بالترحال وما ارتبط بها من تهليل هنا ولمز هناك، دأبت العدالة والتنمية على الاشتغال في صمت ولكن  بخطى ثابتة تعزز قوة البناء التنظيمي وتضيف لبنة جديدة في بهاء لحظة الانتقال نحو الديمقراطية لهذا البلد، من خلال اعتماد مسطرة صارمة معلومة المراحل واضحة الآليات في اختيار المرشحين وحسم اللوائح، توفر حدا أدنى لمشاركة القواعد في تدبير هذا الاستحقاق، وتنحاز للديمقراطية هويةً ومنهجا، وتقطع مع منطق الريع في إسناد  المهام التمثيلية وتتحرر من قبضة استحواذ " الاعيان" وتجار الانتخابات على القرار الحزبي وارتهانه لطموحاتهم  وغرائزهم المنفلته، والتي توضح المؤشرات على أنها تزداد قبضتها تحكما وتسلطا على القرار والإرادة الحزبية يوما بعد يوم، مما يجعل الأحزاب رهينة في أيدي هذه الفئات وأنها لم تعد تملك من القرار إلا ما لا يتعارض مع طموحات ورغبات هؤلاء.