حوار مع بروحو حول النموذج التنموي المغربي وآفاق دخول المغرب لمصاف الدول الصاعدة

التاريخ: 
الثلاثاء, يونيو 7, 2016 - 12:15
حاوره المحجوب لال
قراءة : (4694)
حوار مع بروحو حول النموذج التنموي المغربي وآفاق دخول المغرب لمصاف الدول الصاعدة

"عادة ما يتم الحديث عن النموذج التنموي في سياق مجهودات الدولة لتحقيق التنمية والتقدم والرفاه ورفع الطاقة الإنتاجية وزيادة حجم الناتج الداخلي الخام، وهو لا يقتصر على المجال الاقتصادي الصرف"، بحسب ما يؤكد عبد اللطيف بروحو، الخبير في المالية العمومية، حيث "أصبح النموذج التنموي يطال أيضا المستويات الاجتماعية والبيئية التي تعتبر مستويات متقدمة للتنمية وأصبحت مرتبطة بالتنمية الاقتصادية في الوقت الراهن".

بروحو، شدد في حوار خص به pjd.ma أن المغرب يمتلك إمكانات حقيقية لدخول نادي الدول الصاعدة، نظرا لعدة مقومات يمتاز بها على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من أنه لازال يعاني من صعوبات على مستوى خلق القيمة المُضافة الكافية عند التصدير، ومن عدم القدرة على ترجمة نقاط النمو الاقتصادي التي يحققها لمناصب شغل كافية لاستيعاب حاجيات سوق الشغل بالمملكة.

وهذا نص الحوار كاملا:

1/ ما المقصود بالنموذج التنموي لأي دولة من الناحية النظرية؟

عادة ما يتم الحديث عن النموذج التنموي في سياق مجهودات الدولة لتحقيق التنمية والتقدم والرفاه ورفع الطاقة الإنتاجية وزيادة حجم الناتج الداخلي الخام، وهو لا يقتصر على المجال الاقتصادي الصرف الذي يعتبر أساس النماذج التنموية الكبرى، وإنما أصبح يطال أيضا المستويات الاجتماعية والبيئية التي تعتبر مستويات متقدمة للتنمية وأصبحت مرتبطة بالتنمية الاقتصادية في الوقت الراهن.

وعلى العموم يبقى الهدف الأساسي من صياغة أي نموذج تنموي العمل على واجهتين أساسيتين، آليات إنتاج الثروة والقيمة الاقتصادية المُضافة، ثم آليات توزيع الثروة وثمار النمو الاقتصادي.

وهنا يتعين التمييز بين النموذج التنموي modèle de développement  وهو المقصود هنا الذي يعتبر مفهوما شاملا للتطور والتقدم، ونموذج النمو modèle de croissance  الذي يعتبر مستوى أدنى من الأول ويقتصر على اتخاذ إجراءات دعم النمو وخلق القيمة المضافة على مستوى القطاعات الاقتصادية الثلاث (الفلاحة، الصناعة، ثم التجارة والخدمات).

فصياغة النموذج التنموي لكل بلد لابد أن تركز إذن على آليات خلق الثروة والقيمة الاقتصادية من جهة وهي التي تحدد كيفية تحقيق النمو الاقتصادي، وعلى آليات توزيع الثروة وضمان استفادة مختلف الفئات الاقتصادية والطبقات الاجتماعية منها،  ومن ضمنها آليات التماسك الاجتماعي التي تعتبر منهجا رائدا في صياغة السياسات العمومية الاجتماعية من قبل الحكومة الحالية.

كما أن النموذج التنموي المنشود أو المستهدف من قبل أية حكومة لابد وأن يتلاءم من جهة من الأسس الاقتصادية المعتمدة (في المغرب تم حسم الأساس الليبرالي للاقتصاد بلمسة اجتماعية في الفصل 35 من الدستور)، ومن جهة ثانية على المقومات الاقتصادية potentialités économiques  التي يمتلكها البلد، ومن ضمنها آليات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي يعتبر أحد روافد التنمية في عدد من الاقتصادية الصاعدة، إضافة إلى تطوير البنيات اللامركزية (الجهوية والترابية والقطاعية) وجعلها آليات خلق الثروة والقيمة المُضافة عِوَض أن تبقى مستهلكة لها وعبءا على مالية الدولة ومستنزفة لمقوماتها الاقتصادية.

2/ ما الذي يعتمد ويتأسس عليه نموذجنا التنموي الوطني؟

في المغرب كان الجدل دائما يرافق الحديث عن النموذج التنموي، وهناك غموض كبير يلف هذا الأمر، ويحق لنا التساؤل بشكل جدي: هل كان المغرب يملك بالفعل نموذجا تنمويا متكاملا وفق ما هو متعارف عليه، أم أن الأمر كان يتعلق بالأساس بخيارات تنموية كبرى تركز على النمو الاقتصادي عِوَض صياغة نموذج تنموي بشقيه ومجاليه الأساسيين (خلق الثروة وتوزيعها).

فالمغرب بالفعل استطاع منذ سنة 2000 مضاعفة حجم اقتصاده الوطني، والبرامج والأوراش الكبرى كانت تصاغ كاستراتيجيات قطاعية لم يكن معظمها يكتسي طابع سياسات عمومية اقتصادية وإنما كانت عبارة عن برامج كبرى كانت تستهدف بالأساس دعم النمو الاقتصادي، وهو أمر جد إيجابي، لكن هذه الخيارات التنموية الكبرى بقيت آنذاك حبيسة نموذج النمو وركزت بالأساس على خلق القيمة المضافة، في حين تم إهمال الشق المتعلق بآليات خلق الثروة وبتوزيع ثمار التنمية، وبقيت الإشكالات المرتبطة بها حبيسة مقاربات تجزيئية، ولم يتم تحقيق الموازنة بين التنمية الاقتصادية وضرورات التنمية الاجتماعية.

كما أن هذه الخيارات التنموية المعتمدة منذ بداية الألفية الثالثة بلغت مداها منذ عدة سنوات، فقد كانت تركز على دعم الاستهلاك كرافعة للنمو الاقتصادي (يمثل ثلثي النسبة المحققة في المعدل السنوي خلال الخمس سنوات الأخيرة) مما أدى لثورة حقيقية في حجم القروض، وقد حقق نتائج باهرة خلال سنوات قليلة لكنه سرعان ما اصطدم بغياب مقومات الاستدامة، وقد فشلت عدد من ااقتصاديات الأوربية لنفس السبب نظرا لمبالغتها في الاعتماد على دعم الاستهلاك مما جعله عبئا عليها عِوَض أن يكون رافعة للتنمية.

ومن جهة ثانية ركز نموذج النموmodèle de croissance  المعتمد من أزيد من عشر سنوات على دعم وتحفيز القطاع الثالث (الخدمات على وجه الخصوص) الذي استطاع تحقيق قيمة مضافة عالية وهذا أمر إيجابي أيضا لكنه لم يستطع خلق مناصب الشغل بشكل متناسب مع نسب النمو المحققة.

فكل نقطة نمو لقطاع الخدمات لا تحدث إلا حوالي15  ألف منصب شغل، مقابل القطاع الصناعي الذي يستطيع إحداث أزيد من 35 ألف منصب شغل لكل نقطة نمو، مما كان يتطلب معه إعادة النظر في نموذج النمو المعتمد بالمغرب في اتجاه دعم القطاع الصناعي الذي يعتبر قوة تصديرية حقيقية وآلية فعالة لتقليص نسب البطالة.

وبالمقابل لا زال الاقتصاد الوطني يعاني من ضعف واضح على مستوى إدماج القطاع غير المهيكل وكذا مجالات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى الاستمرار في تنزيل سياسات عمومية اجتماعية مثل سياسة التماسك الاجتماعي التي تعتبر إحدى الآليات الهامة التي تمكن من ضمان استفادة أكبر عدد من الفئات والقطاعات من ثمار التنمية الاقتصادية، وهو ما يتطلب بالفعل صياغة نموذج تنموي متكامل يشمل المحورين الأساسيين (آليات إنتاج الثروة وآليات توزيعها).

3/ماهي أهم التغييرات والتعديلات والتوجهات الكبرى الواجب القيام بها لأجل تطوير نموذجنا التنموي والدخول في مصاف الدول الصاعدة؟

يمتلك المغرب إمكانات حقيقة لدخول نادي الدول الصاعدة pays émergents، نظرا لعدة مقومات يمتاز بها على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من أنه لازال يعاني من صعوبات على مستوى خلق القيمة المُضافة الكافية عند التصدير ومن عدم القدرة على ترجمة نقاط النمو الاقتصادي التي يحققها لمناصب شغل كافية لاستيعاب حاجيات سوق الشغل بالمملكة.

فالاستقرار السياسي الذي أصبح ينعم به المغرب يعتبر عنصرا حاسما في تحسين جاذبية الاقتصاد الوطني على المستويين الداخلي والخارجي، والبناء الديمقراطي المقترن بالسلم الاجتماعي يلعب دورا كبيرا في تحقيق التنمية الاقتصادية، من شأنه أن يسمح بصياغة نموذج تنموي متكامل ومستدام، وهو ما يعتبر إحدى المهام السياسية الأساسية للحكومة القادمة بالمغرب.

كما أن الخيارات التنموية الكبرى التي سبق ذكرها لعبت دورا أساسيا في مضاعفة حجم الاقتصاد الوطني لكنها لم تحقق التوازن المطلوب ولم تتحول لسياسات عمومية اقتصادية كما هو متعارف عليها في النماذج التنموية.

فالحكومة الحالية نجحت بشكل كبير في استرجاع التوازنات المالية والماكرواقتصادية واستطاعت تجنيب المغرب نزيفا خطيرا للمالية العمومية، كما تمكنت من اقيام بإصلاحات سياسية مالية على درجة كبيرة من الأهمية استطاع بها المغرب تحقيق استقرار سياسي وبناء مؤسساتي حقيقي إضافة إعادة توجيه جزء من الإمكانات المالية للدولة لدعم الطبقات الهشة.

وبالتالي يبقى على عاتق الحكومة المقبلة فتح ورش صياغة نموذج تنموي متكامل بالشروط التي تحدثنا عليها وبالتوازي المطلوب بين آليات إنتاج الثروة وخلق القيمة المُضافة وآليات التوزيع وإدماج القطاعات الاقتصادية الهشة ضمن دائرة السياسات العمومية اللاقتصادية.

ويعتبر مخطط تسريع التنمية الصناعية الذي أعدته الحكومة نموذجا هاما في هذا السياق، ويحتاج لصياغة سياسات اقتصادية أخرى موازية ومتناغمة للوصول لأساس حقيقي ومتكامل لنموذج تنموي مغربي، يستفيد من التراكم الإيجابي الذي عرفته البلاد من أزيد من عشر سنوات، ويسطر سياسات عمومية استراتيجية وواضحة.

التعليقات

أضف تعليقك