خالد فاتيحي
صحيح أن جائحة “كورونا” التي أرعبت المعمور تحمل في طياتها أخطارا صحيّة واقتصادية واجتماعية، وتخلف يوميا خسائر في الأرواح، مّما دفع الحكومات عبر العالم، لإقرار تدابير غير مسبوقة للحد من انتشارها، إلا أنه وبعيدًا عن الوجه المأساوي لأزمة هذا الوباء وتداعياته المؤلمة، هناك دروس يمكن استخلاصها من هذه الجائحة، التي بدّلت الكثير من الحقائق وغيرت العديد من المسلّمات.
وفي هذه السلسة “دروس وعبر في زمن كورونا”، اخترنا الوقوف عند أهم التحولات الإيجابية، التي أحدثتها كورونا داخل المجتمع المغربي، ولذا نقترح على قرّائنا الأوفياء قائمة شخصيات سياسية وأكاديمية وفكرية وثقافية ودينية وفنية، يستضيفها موقع “pjd.ma ” طيلة شهر رمضان المبارك، لاستعراض أهم الدروس والعبر المستخلصة من جائحة كورونا، التي شغلتْ العالم وحيّرته.
الحلقة الرابعة من دروس وعبر في زمن “كورونا”
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والإعلامي حسن بويخف، ضمن سلسلة “دروس وعبر في زمن كورونا”، إن “الوضعية التي نعيشها في ظل فرض إجراءات الطوارئ الصحية وتقييد الحركة، بسبب جائحة كورونا، مليئة بالعبر والدروس لمن استثمر ما تتيحه من فرص للتأمل”.
وأضاف بويخف، في حديثه لـ pjd.maأنه يكفي أن يجول المرء بخياله من بيته نحو العالم، ويركب صهوة ذهنه لوضعية الإنسانية في تلك اللحظة، حتى تنفتح له أبواب عوالمها، فيجول في آفاق من التأملات كلما غير زاوية النظر إلى الإنسانية، وهي تتربص بكل جديد يحمل لها بشرى انتهاء كابوس جائحة كورونا المستجد.
قيم التضامن
ويرى الإعلامي ذاته، أن التضامن يعد من ضمن أهم الدروس والعبر المستخلصة من جائحة كورونا، حيث أظهرت هذه المحنة، الحاجة الماسة إلى قيم التضامن، بكل أشكاله ومعانيه، بين الدول كما بين فئات الشعب في كل دولة على حدة، وبين أفراد الأسرة الواحدة.
وتابع أن الجائحة، أكدت الحاجة إلى التضامن في بعده الاجتماعي الذي يهدف إلى حماية الفئات الهشة والفقيرة، ليس من الإصابة بالعدوى فقط، بل في أداء ضريبة مكافحتها على مستوى توفير متطلبات العيش الكريم.
“محنة كورونا”، أظهرت أيضا وفق ذات المتحدث، الحاجة الماسة، للتضامن في بعده السياسي، لتعبئة المواطنات والمواطنين لخدمة الوطن والصالح العام، والذي نجده يشكل وقود ديناميكية الانخراط الإيجابي والفعال في الالتزام بمقتضيات الطوارئ الصحية والتباعد الاجتماعي، وهو ما لخصته كل شعوب العالم في كلمات هي “ابقى في دارك، تحمي راسك و تنفع بلادك”.
وسجل بويخف، أن “كوفيد 19″، كشف أهمية قيم التضامن في كل معانيها التي تشمل أيضا قيم التكافل والتعاون والتطوع، حيث تأكدت صعوبة تدبير الأزمات بما فيها مواجهة الجائحة دون تلك القيم، مبرزا أن هذه الجائحة، كشفت أيضا نقطة ضعف كل الدول والمجتمعات في هذا المجال.
الصيام الحضاري
وبهذا الخصوص، يؤكد الإعلامي ذاته، أن الوضعية التي فرضتها إجراءات محاربة انتشار جائحة كورونا المستجد، فرضت على البشرية في مختلف أوجه نشاطها، الصيام عن كثير من الأنشطة الحيوية.
واعتبر أنه إذا لم يكن لذلك إلا نتيجة واحدة هي استراحة النظم البيئية، فهي كافية لما تنطوي عليه اختلالات تلك النظم من تهديدات لمستقبل البشرية، مشيرا إلى أن هذه الوضعية حولت شعور الإنسانية، عبر المعمور إلى وحدة نوعها في مواجهة الجائحة.
وأوضح المتحدث ذاته، أنه إذا كانت أضرار الجائحة على المدى البعيد، لا تهدد بقاء البشر كنوع من أنواع الخلائق في الأرض، فإن العكس تماما بالنسبة لفوائد الوضعية التي فرضها، فهي تحسن وتقوي فرص وشروط استمرار النوع البشري على أكثر من صعيد.
“نعم، أضرار الجائحة كثيرة ومخيفة ومقلقة”، -يقول بويخف- لكن الوضعية التي فرضتها أعطت فرصا حيوية وخلفت إيجابيات كثيرة، مسجلا أن “العبرة هنا ليست في تمجيد الوباء وطلب استدامته، فهذه حماقة، بل في كيفية استدامة فوائد الوضعية التي خلفها بعد الانتصار على الجائحة بحول الله”.
وخلص الإعلامي ذاته، إلى أن “الأمر الجميل الذي ينبغي على البشرية، وليس الدول والمجتمعات فقط، أن تدمجه في نظام حياتها حتى تكون له أبعاد حضارية هو ما يمكن تسميته بـ”الصيام الحضاري”، معتبرا أن إدماج هذا النوع من الصيام، الذي يتجاوز حماية الأشخاص إلى حماية البشرية، “مطلب حيوي إذا تمكنت منظمة الأمم المتحدة من إدراجه منظومة مقرراتها، وتمكن الدول من الالتزام به وعملت الدول على تحويله إلى ثقافة تتمثلها المجتمعات بسلاسة”.
