الأزمي يكتب: زيادة غير مبررة!

إدريس الأزمي الإدريسي

بعد أيام قليلة على صدور رأي مجلس المنافسة بشأن الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات على مستوى السوق الدولية وتداعياته على السير التنافسي للسوق الوطنية، قررت شركات بيع المحروقات بالمغرب زيادة كبيرة بلغت أزيد من 1،6 درهم للتر بالنسبة للغازوال و أكثر من 0،7 درهم للتر بالنسبة للبنزين، طبقتها بطريقة “منسقة” ابتداء من الاثنين 17 اكتوبر الجاري.

وللتذكير، فإن هذه الزيادة تأتي بعد فترة تخفيض انتظرها المستهلكون طويلا لكنها للأسف لم تدم طويلا. حيث وبالرغم من أن أسعار النفط سجلت انخفاضا على المستوى العالمي منذ شهر يوليوز الأخير، أي منذ ما يقارب أربعة أشهر، إلا أنه لم يتم عكس هذا الانخفاض في السوق الوطنية إلا في الأسابيع القليلة الأخيرة ولمدة وجيزة وبنسبة ضعيفة.

وها هي هذه الشركات وبعد أن اجتهد وكلائها في تسفيه رأي مجلس المنافسة وفي تضليل الرأي العام بخصوص استنتاجاته، ها هي تؤكد بهذه الزيادة المفاجئة وغير المبررة ما استنتجه رأي مجلس المنافسة من كونها تقوم بعكس فــوري للزيــادات فــي عــروض الأسعار علــى الصعيــد العالمــي، في حين تؤجل زمنيــا عكس الأسعار فــي حالــة انخفاضها، وإن كانت هذه الشركات قامت هذه المرة بما هو أغرب، فهي لم تعكس فوريا الزيادة في الأسعار العالمية، بل عكست فوريا “التوقعات” في الزيادة فــي الأسعار علــى الصعيــد العالمــي كأثر “متوقع” لقرار مجموعة الدول المصدرة للنفط “أوبك +”.

إن رأي مجلس المنافسة مليء بالاستنتاجات التي تفضح تصرفات الفاعلين في سوق المحروقات بالمغرب، ويؤكد بتواتر خلاصاته المعللة بالأرقام الدالة شبهة التواطؤ والممارسات المنافية والمبطلة لقواعد المنافسة التي تخيم على هذا السوق.

لقد استنتج هذا الرأي أن بنية أسواق المحروقات بالمغرب وسـير المنافسـة بهـا ظلـت بنيـة شـبيهة بتلـك الموروثـة عـن الحقبـة التـي كانـت تحـدد فيهـا الأسعار مـن طـرف السـلطات العموميـة.

واستنتج أن المقارنـة بيـن أسـعار البيـع على مسـتوى محطـات التوزيع تكشف أن هذه الأسعار شــبه متطابقــة، مــع وجــود فــرق لا يتجــاوز 10 ســنتيمات كحــد أقصــى، وأن بنيــات الأسعار المعتمدة من طرف شركات المحروقات متشابهة بشكل كبير.

كما استنتج أن سوق المحروقات بالمغرب مطبوعة بنسبة تركيز عالية في كل مستوياتها، من الاستيراد، إلى التخزين، ثم التوزيع، حيث أن هذه السوق التي تعرف تواجد  29 شركة إلا أن 4 شركات فقط هي التي تهيمن وحدها على السوق في كل مستوياتها.

ومن جهة أخرى، استنتج الرأي أن نشاط توزيع المحروقات يبقى جد مربح بالنظر لمستويات المردودية المالية المرتفعة للغاية التي تحققها شركات بيع المحروقات والتي تتراوح بين 20 و 60 في المائة، وهي نسب خيالية لا مثيل لها، وذلك بالرغم من محاولات البعض التقليل من هذا الاستنتاج بالتركيز على نسبة الأرباح الصافية.

وكخلاصة عامة، أكد رأي مجلس المنافسة أنه “يمكـن اسـتخلاص أن المنافسـة علـى أسـعار البيـع فـي هـذه الأسواق كانـت شـبه غائبـة أو تـم إبطالهـا.”

وقد أكد مجلس المنافسة حجية وقوة هذه الاستنتاجات عندما أوصى بتوســيع نطــاق النظــام الجبائــي المطبــق حاليــا علــى القطاعــات المحميــة، ليشــمل أســواق توزيــع المنتجــات النفطيــة مع إقــرار ضريبــة اســتثنائية علــى الأرباح المفرطــة لشــركات اســتيراد وتخزيــن وتوزيــع الغــازوال والبنزيــن.

إن الزيادة الأخيرة في أسعار الغازوال والبنزين غير مبررة وغير عادلة، حيث أن هذه الشركات تتعامل تعامل المطففين وتكيل بمكيالين مختلفين. فهي تتأخر في عكس انخفاض الأسعار وتعكسها بنسبة أقل وتفسر تأخرها بحاجتها إلى زمن لتصريف المخزون الذي اشترته سابقا بأسعار مرتفعة، لكنها في المقابل، وحتى وإن سلمنا أن هناك ارتفاعا للأسعار في الأسواق العالمية، تسارع الزمن لعكس الزيادة فورا دون أن تنتظر تصريف المخزون المتوفر لديها والذي تم اقتنائه سابقا في زمن انخفاض الأسعار على المستوى العالمي.

كما أن الزيادة الأخيرة لا يمكن بأي حال تفسيرها بقرار مجموعة “أوبك +” بتخفيض حجم إنتاج النفط، وذلك لكون هذا القرار لن يدخل حيز التنفيذ إلا في فاتح نونبر المقبل، كما أن أسعار المحروقات على مستوى السوق الدولي وبالرغم من أنها ارتفعت في رد فعل أولي على هذا القرار لكنها سرعان مع عادت إلى مستواها السابق.

كما أن قرار مجموعة “أوبك +” وبالرغم من أنه يخفض مستوى إنتاج النفط، إلا أنه من الناحية الاقتصادية، وبغض النظر عن اعتبارات أخرى جيوسياسية، جاء في سياق تراجع مستوى النمو العالمي وهو ما سيؤدي إلى تراجع الطلب على النفط، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى امتصاص أثر تخفيض الإنتاج على سعر النفط، لكون الهدف المعلن من هذا القرار هو إحداث توازن بين العرض والطلب والحفاظ على استقرار أسعارها.

إن هذه الشركات وهي تتصرف بهذ الطريقة ودونما أي اعتبار أو احترام للرأي العام ولرأي مجلس المنافسة، فإنها بهذا توجه رسالة تجاوز وتحدي وعدم اكتراث، لذا فإن الرأي العام ينتظر من المجلس البت في الإحالة التنازعية المفتوحة لديه ويرتب عليها الجزاءات القانونية الواجبة، بما يردع هذه الشركات ويجبرها على التنافس، لتصحيح الوضعية التي وصفها الرأي ب “المنافسة التي كانت شـبه غائبـة أو التي تـم إبطالهـا”، وذلك للحد من موجة غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين وحفظ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.