محمد عصام يكتب: لقجع والخطيئة الكبرى!!!

ما اقترفه فوزي لقجع الوزير المنتدب في الميزانية، في الجلسة العامة لنقاش الجزء الثاني من مشروع قانون المالية يوم أمس الجمعة بمجلس النواب، لا يجب أن يمر مرور الكرام، فالأمر جلل وكبير جدا ويقتضي مما يقتضيه أن تتوقف عقارب السياسة في هذا البلد إلى حين، وأن تُطرح بخصوصه الأسئلة التي يجب أن تطرح بدون تردد أو التواء أو مماطلة.
أن يتهم وزير في الحكومة عضوا بمجلس النواب أنه يخدم أجندات خارجية، وأن كلامه ذُبج بل دُبر في دهاليز دون أن يكلف السيد الوزير نفسه أن يبين لنا ما عمقها ولا أين توجد هذه الدهاليز، فهذه سابقة لم يتجرأ على اقترافها أحد قبله، حتى في ذروة سنوات الرصاص وشد الحبل بين الدولة والمعارضة، حيث كان النقاش السياسي مسيجا دوما بالسقف الوطني، وإن اختلفت وجهات النظر إلى حد التصادم في فهم وتقدير مصلحة الوطن، إلا أنه لم يجرؤ قط أحد على اتهام فصيل مؤسساتي بالخيانة أو العمالة لجهات معينة كما تجرأ لقجع على اقترافه أمس.
السؤال الذي يطرح نفسه بخصوص هذه الواقعة، هو هل يعي الوزير لقجع فعلا خطورة ما قال وما اقترفه، خصوصا وأنه كرر الاتهام مرتين وعززه بقوله أنه يعي ما يقول !!!! وفي هذه الحالة الوزير مطالب بالكشف عن هذه الجهات التي يعمل لصالحها ذلك النائب، وحجم العمالة التي تورط فيها وتحديد الخيانة التي تلبس بها وإلى أين يصل مداها، وإلا فإنه يضع نفسه في موقع التلبس بجريمة التواطؤ والتستر على جريمة تمس أمن واستقرار الوطن.
نتفهم أن يكون البرلمان مكانا للسجال السياسي الذي بطبيعة الحال تحركه التموقعات الاجتماعية وما يتلبس بها من مصالح وعائدات، ومن المتفهم أيضا أن جزء من النقاش حول مقتضيات قوانين المالية يعكس مصالح معينة ويخضع بنسب أو بأخرى لضغوطات فئات أو جهات لكن كل ذلك مؤطر بالقانون وبما يسمح به وتلك الفئات او الجهات هي جزء من النسيج المجتمعي للوطن ومن حقها أن تدافع على ما تراه مناسبا لها ولموقعها كما لكل الفئات الأخرى الحق في ذلك، لأنه في النهاية والمحصلة التشريع هو تقنين للمصالح ودرء للمفاسد، وكلاهما يقدر بقدره، لكن لا يمكن بتاتا القبول ولو من باب الافتراض بوجود من يصرف أجندات خارجية ويخدم أهدافها داخل المؤسسة التشريعية، وأي مس الآن بهذه المؤسسة وفي وطنية أعضائها باختلاف انتماءاتهم السياسية ومواقعهم بين المعارضة والأغلبية، هو مس في الحقيقة بتلك المؤسسة بشكل عام، وتورط غير مفهوم وغير مبرر من عضو في الحكومة في درك المساس بهيبة مؤسسة دستورية واتهام لها في وطنيتها وفي انتمائها.
إن واقعة أمس تؤكد مرة أخرى أن الفصيل السياسي الذي أريد له بكل الوسائل الناعمة والخشنة أن يتربع على كرسي التدبير ويهيمن في البرلمان والحكومة والجماعات، يفتقر إلى أفق وحاضنة سياسيين يحميان أعضاءه من الوقوع والسقوط في مثل هذه المهالك السياسية، والتي لا يمكن تبريرها بمناخ المناكفة السياسية التي تسود أجواء مناقشة قوانين المالية، ولا يمكن أيضا تصور أنها مجرد زلة لسان،
والأمر الغريب والعصي على الفهم، أن الاتهام كان موجها إلى عضو فريق من الأغلبية التي ينتمي الوزير لقجع إليها، مما يلقي بظلال كثيفة من الشكوك والارتياب على وضع تلك الأغلبية والانسجام المفترى عليه بين مكوناتها.
إن من يمارس السياسة عن وعي مطلوب منه أن يكون متسلحا ببعد النظر، وأن لا يلقي الكلام على عواهنه، وأن يكون قارئا جيدا للمآلات التي يمكن أن تفضي إليها تصريحاته ومواقفه وتموقعاته، ففي السياسة كما كان الراحل سي عبد الرحمن اليوسفي يقول “لا يوجد تأمين”، ودرجات الأمان فيها لا يمكن تحقيق نسب معقولة منها إلا بالرقابة الذاتية التي تستحضر المآلات وتضعها في عين الاعتبار.
اليوم لا يمكن أن نلوم بعض المغاربة بعد سماع ما فاه به الوزير المحترم، إن شككوا ليس فقط في مصداقية المؤسسة ولكن في وطنية من فيها، من باب قول سبط بن التعاويذي :
إذا كان رَبُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً//// فشيمةُ أهلِ البيت كلِّهِمُ الرَّقص
لنعود إلى الخلاصة الأساسية، وهي أن واقعة 8 شتنبر ومن هندس لها، أجرموا في حق السياسة في هذا البلد، وأن ثمار تلك المحطة فاسدة ومضرة بالمشهد برمته، وأن الرهان على نخبها رهان فاشل، وكل يوم يمر في عمر هذه الحكومة وأغلبيتها في البرلمان والجماعات إلا وعزز الإحباط لدى المواطنين وجعلهم يبتعدون من السياسة ومن أهلها ويتشككون في المؤسسات ومن فيها، وهذا لعمري هو الخطر الكبير الذي يهدد استقرارنا، ويفتح أبواب المجاهيل أمامنا.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.