محمد عصام يكتب: ماذا وراء قصة المهاجري؟

بخصوص قصة هشام المهاجري ،  دعونا أولا  نقرر، أن الشأن الداخلي للأحزاب السياسية خط أحمر، آلينا على أنفسنا احترامه وعدم الخوض في تجاذبات البيت الداخلي للأحزاب، ولو كانت هذه الأحزاب من حيث التموقع تتخندق في الصف المعادي لنا أو المخاصم، وذلك لإيماننا العميق بالديمقراطية واحترام استقلال القرار الحزبي وحمايته، وأن السلامة والعافية الكاملتين والتامتين للمشهد السياسي إنما تتحققان بعافية الأحزاب وقوتها وسلامة صفوفها ووحدتها.
وبالتالي وتأسيسا على ما سبق لا يهمنا أن نناقش قرار قيادة حزب البام بتجميد عضوية المهاجري في المكتب السياسي، هل هو صائب أم لا؟ !!! ولا أن نناقش تناسب ذلك القرار مع ما قد يكون المهاجري قد ارتكبه !!!
ولكن “قصة المهاجري” تتجاوز سقف بيت حزبه الأصالة والمعاصرة بكثير، وتقذف بحجر كبير قي بركة السياسة الراكدة والمتعفنة في هذا البلد !!!
فما الذي قاله المهاجري بالضبط حتى لم يتم إمهاله ولو لحظة واحدة، أو الدخول معه في تفاهمات “تجبر” ما قد يكون كسره في تصريحه في البرلمان، والذي أخرج فوزي لقجع من رداء التحفظ والتوازن الذي ظل لمدة غير قصيرة يحاول ارتداءه، ليحجب به “النزقية والخفة” التي أصبحت هي السمة الأساسية لكثير من وزراء الحكومة وبالخصوص وزراء التجمع، واقترف ما لم يسبقه له أحد، وهو اتهام نائب برلماني بالعمالة للخارج والتواطؤ معه في الدهاليز على حد تعبيره !!!!
الذي قاله المهاجري كان موجعا جدا لطرف واحد، هو الوحيد الذي من مصلحته أن تصل الأمور إلى حد إجباره على السكوت وربما إلى الأبد، وخطوة تجميد عضويته لم تكن ربما إلا الخطوة الأولى في هذا الاتجاه !!
المهاجري قال بأن الشركات الكبرى تقوم بالتعرية للمجتمع .. الناس شادة البحر والسماء والأرض وبغاونا نخدمو عندهم” وشكك في إمكانية وفاء الحكومة من خلال الميزانية بالتزاماتها الاجتماعية، فالجهة التي لا نحتاج إلى ذكاء كبير ولا مكابدة في تحديدها، والتي انزعجت من هذا الكلام، هي الجهة ذاتها التي تضاعفت ثروتها في عز الأزمة التي ضربت المغاربة في قوتهم ومعيشهم، وهي الجهة التي جعلت من قطاع كقطاع المحروقات ذي الأهمية البالغة جدا والذي تنعكس تحولاته وأسعاره بشكل سريع على كل السلع والخدمات، والتي جعلت هذا القطاع شبه” محمية خاصة” لم تستطع لا المهام البرلمانية الاستطلاعية ولا مجلس المنافسة ولا تقاريرهما ولا حتى الغضب الشعبي، من كبح حجم التركيز العالي فيها والتواطؤ الذي يقع فيه على حساب جيوب المغاربة، والذي يصل درجة امتصاص دمائهم والولوغ فيها بكل شره وخسة !!!
للأسف هذه الجهة هي تحديدا السيد رئيس الحكومة “بعظمه وشحمه”، ومشكلة المهاجري أنه حاول اللعب مع أخنوش، ونسي وصية الصحفي توفيق بوعشرين فك الله أسره في إحدى افتتاحياته المعنونة بـــــــــــ “لا تلعبوا مع الملياردير” حين قال موجها كلامه لزملائه من قبيلة الصحفيين “لا تنخدعوا بالوجه الطفولي للسيد عزيز أخنوش، ولا بلباقته في الكلام أمام الكاميرات وفي حفلات الخمس نجوم.. للسيد أخنوش وجه آخر تماما لا يظهر دائما، إنه يضرب في الأماكن الحساسة لخصومه، ويستعمل السلطة التي بيده من أجل ردع من يفكر في الاقتراب منه ومن حدائقه الخلفية، ولا يعير انتباها لدستور أو قانون أو قضاء أو حتى لقواعد السوق التي ولد في كنفها.. إنه ببساطة نموذج للبورجوازي المغربي المعجب بالنموذج (المخزني) في إدارة السلطة والمال والعلاقات مع الخصوم والأصدقاء، ومع الصحافة والرأي العام”.
ولربما يكون المهاجري قد اعتقد أن الوصية موجهة للصحفيين فقط، وأن موقعه في المؤسسة التشريعية وتحالف حزبه مع أخنوش، قد يحميه من غضب وانتقام  هذا الأخير أو قد يخفف منه بعض الجرعات، لكن الجواب على رسالته التي حاولت العبث مع أخنوش جاء سريعا وقاسيا وحاسما في الآن نفسه !!!!.
هذه الواقعة جاءت متزامنة مع واقعة أخرى التقطتها كاميرات المواطنين في أكادير، حين خاطب أخنوش بصفته عمدة للمدينة محتجا مسالما لا يملك إلا حنجرته وقوة أحباله الصوتية، وقال له “سلم لي على هذاك لي سيفطك”
وهذه الواقعة وإن كانت تبدو بسيطة فإنها عميقة في دلالتها، فهي تتقاطع مع ما اقترفه فوزي لقجع في مجلس النواب باتهامه للمهاجري بــــ “الخيانة والعمالة لجهات خارجية “، إنها تفصح بأن السياسة في هذا البلد أصبحت رهينة أقوام لا يتحملون النقد ولا يطيقون سماعه من أي جهة كانت ولو كانت حليفة، وأن صدرهم لا يتسع لأدنى مستويات الانتقاد والمعارضة، إنهم من فئة القوم الذين قالوا يوما ما كما نقل الله عز وجل على لسانهم “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”، يشتركون معهم في الاستعلاء على بني قومهم بما لديهم من بسطة في المال والجاه والنفوذ، وما يسخرونه ويستخدمونه وبالطبع يذلونه من إعلام ومؤثرين، وما يشترونه من منابر وأحزاب وغيرها من أدوات التدجين والتضليل.
لقد سبق لأخنوش أن صرح حتى قبل أن يكون رئيسا للحكومة، أنه سيربي المغاربة او يعيد “لهم التربية”، وذلك التصريح لم يكن زلة لسان عابرة، بل هو يكشف عن حقيقة ما يضمره تجاه مواطني بلده، فهم بالنسبة له فسطاطين، الأول: هو من معه أو بالتحديد من خلفه  ويلهث وراءه من الأتباع والمؤلفة بطونهم ومن شابههم من متصدي الفرص وبائعي الذمم، والثاني: هو من يحتاج إلى التربية بمفهومها الواسع وخصوصا دلالاتها في اللسان الدارج، وأحد أوجه التربية فيه هو ما يقع بالتحديد اليوم للنائب الحليف هشام المهاجري.
وفي واقعة أخرى يتذكرها المغاربة جميعا ولن ينسوها بالتأكيد، سبق لوزير المالية في الحكومة السابقة المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار محمد بوسعيد، أن اتهم المغاربة في عز معركة المقاطعة التي ليست إلا تعبيرا حضاريا وسلوكا مقاوما وممانعا تجاه شركات أفقرت جيبوبهم، اتهمهم بأنهم “صكوعة”، وهذه الواقعة بدورها تنضاف إلى السجل الحافل للتجمع الوطني للأحرار في كبث الأصوات المخالفة وتكميم الأفواه وشيطنة كل من حاول الانتقاد أو سولت له نفسه الاعتراض أو المعارضة.
ولنعد الآن لأخنوش مرة أخرى، وحتى لا ننسى فهو منذ اللحظات الأولى لولادة حكومته، دشن عهده برفع دعوى قضائية ضد صحفية لا تملك إلا قلمها ورأيها الحر ثم زادها المهني الذي تعلمته على أيادي أرباب صنعة مهنة المتاعب، في سابقة لم نعهدها فيمن سبقوه خصوصا في العشرية التي ألف أخنوش أن يوجه إليها اصابع الاتهام ويلصق بها مسؤولية كل  أزمات المغرب والعالم في البحر والبر والسماء، ولهذا كان لافتا أن يتقاسم المغاربة على مستوى التواصل الاجتماعي فيديو أخنوش وهو يتهم محتجا يطالب بالتشغيل بفيديوهات الأستاذ عبد الإله ابن كيران وهو يفتح صدره للانتقاد أمام عشرات المحتجين كما وقع في وجدة أو في الرباط أو غيرهما، وينصت لهم بل ويدافع عن حقهم في الكلام ويمنحهم إياه ويرحب بما يقولون بلا تسخط أو محاولة انتقام.
إننا أمام مدرستين في السياسة مختلفتين، واحدة أصيلة لأنها مدرسة انطلقت من المجتمع وامتدت داخله، صقلتها ساحات النضال ومعاركه، تحتفي بالرأي الآخر وتتفاعل معه، والثانية دخيلة لا علاقة لها بالسياسة، تستقوي على من يخالفها بالمال والنفوذ، يضيق صدرها بالمخالف، وتحتكم إلى أدوات غير شريفة لإسكات الخصوم والمخالفين، منها الناعم والخشن، لكن في المحصلة هي مدرسة استبدادية تتوسل في إدارة خلافاتها مع من يخالفها الرأي بأدوات السوق التي لا ترحم، ولا تعرف أنصاف الحلول ولا معنى التوافقات والتنازلات، إنها تؤمن بالربح والربح فقط، وهذا المنطق مفسد للسياسة وللاقتصاد ولكل سيء تصيبه لوثته.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.