الصمدي يكتب: مباراة تجري خلف الستار

خالد الصمدي


في الوقت الذي ينشغل العالم بمجموعات وتوقعات نتائج الدور الاول من كأس العالم لكرة القدم التي تجري لأول مرة على أرض عربية إسلامية، تجري عبر وسائط التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام  مباراة ومعركة موازية حول القيم والهويات.
وحيث إن الهدف الأساسي من الرياضة هو التلاقح الثقافي والحضاري وترسيخ قيم التعايش والتسامح وتدبير الاختلاف، واحترام خصوصيات البلد المضيف وقيمه وعاداته وتقاليده التي تنظمها قوانينه وتشريعاته، وتضمنها قوانين الفيفا كما كان الشأن بالنسبة لسائر الدول التي احتضنت نسخة من كأس العالم.
فقد اجتهدت الدولة المضيفة في أن تكون هذه المناسبة العالمية الكبرى فرصة للتعريف بخصوصياتها الدينية والثقافية كجزء من القيام بدورها الحضاري، ومن خلال ذلك التعريف بحضارة وثقافة العالم الاسلامي باعتبارها مكونا غنيا من مكونات الحضارة الإنسانية..فأبدعت في ذلك صورا غير مسبوقة من الأدوات والوسائل والوسائط، واستعملت في ذلك أحدث التقنيات، واستثمرت في ذلك أمولا ضخمة ليقينها بأن هذه الفرصة لا تعوض لأن كل زائر من زوارها بهذه المناسبة من مختلف أنحاء العالم سيكون سفيرا للعالم الاسلامي وقيمه وحضارته بعد عودته إلى بلاده.
وقد نظر العقلاء والمنصفون إلى هذه الجهود باعتبارها حقا لبلد الضيافة، وقد عكست تصريحات الآلاف من الزوار فرحتهم بهذه الفرصة التي اعتبروها فرصة نادرة للعيش في واقع مختلف يغني تجربتهم ورصيدهم ويثري نظرتهم للعالم.
إلا أن عقلية الشركات الكبرى التي تدير العالم بمنطق الاستهلاك تنظر الى هذه الجهود التي بذلتها الدولة المستضيفة لهذا الحدث العالمي باعتبارها حواجز ومعيقات، كما تعتبرها منظمات وهيئات أخرى تشتغل تحت عباءة هذه الشركات حاجزا يمنعها من الترويج لسلوكات وتصورات وقيم لا تتناسب وقوانين البلد المضيف، مما دفعها إلى شن حملات انتقاد لخصوصياته، بل والنظر إليها بنوع من التنقيص والاستهزاء والاحتقار،
ويشكل جواب صحفي فرنسي عينة من هذا السلوك وهو يصف شعوره لحظة الوصول الى قطر بالقول ” كل شيء على ما يرام ، إلا أنه هناك الكثير من المساجد ” وهو ما أثار موجة من الضحك لدى الحاضرين في الاستوديو على الهواء مباشرة.
ويعكس هذا التصريح وأمثاله مما يروج بقوة هذه الأيام في وسائل الإعلام الغربية على وجه الخصوص الانزعاح من الاختلاف و التضايق من التنوع، والتصرف بمنطق عولمة النموذج الواحد بقوة المال والاعلام.
إنها مباراة تكشف عن معركة القيم والهويات التي تجري خلف الستار في حدث عالمي لا يكفي فيها التوقيت الأصلي ولا الإضافي ولا حتى تقنيات الفار التي تضبط المتسللين،
معركة طويلة الرابح أو الخاسر فيها قيم الرياضة التي تعتبر وسيلة من وسائل حوار الحضارات والثقافات، وهي المعركة التي لا تجري وقائعها دوما على بساط أخضر!!!

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.