محمدعصام يكتب: هل نحن في حاجة إلى سي عبد الله باها؟

غدا إن شاء الله تحل ذكرى وفاة الأستاذ عبد الله باها، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ووزير الدولة في حكومة الأستاذ عبد الإله ابن كيران.
وفي كل ذكرى يتجدد السؤال، هل نحن محتاجون فعلا إلى تذكر سي عبد الله، واستثمار ذكرى وفاته لاستخلاص العبر والدروس؟
وبمعنى آخر هل التذكر له من المبررات ما يجعله يرتفع إلى درجة واجب الوقت، أم أنه مجرد نوستالجيا تعيد فينا صياغة الحنين لرجال حكمت الأقدار أن نفقدهم في ظروف وملابسات خاصة؟؟ !!!.
إن سي عبد الله بسيرته الطيبة التي ملأت الآفاق تقديرا واستحسانا، من طينة رجالات هذا البلد، الذين تتعدى أعمارهم الزمن السياسي المحدود والقصير، وتتجاوز حياواتهم كل التحديدات الزمانية والمكانية، لتخلد في العالمين كسِــيَّر طافحة بالمعنى وباذخة في العبر.
في مثل هذا الزمن السياسي الذي نعيشه والذي قذف بالتفاهات من كل حدب وصوب لتملأ المشهد جعجعة بلا طحين، ولتصنع مجدا من ورق سرعان ما يذروه التاريخ ويقذف به في سلة المهملات أو بالأحرى في مزبلة التاريخ، في مثل هذا الزمن البئيس تكون الحاجة لمثل “سي عبد الله باها” مضاعفة ومؤكدة.
في زمن أصبحت فيه السياسة مرتعا لصناعة الكذب واستغفال الناس وتضليل المواطنين، تصبح الحاجة “للمعقول” الذي نحت له الراحل “تعريفا” لا مزيد عنه، حتى إنه قال ذات يوم، إن المعقول لا مرادف له في كل لغات العالم، إنه يجسد العبقرية المغربية في تقديس قيم الوفاء والإخلاص والتضحية والإقدام، إنه مزيج من الفضائل التي عجزت لغات العالم على سبكها في مرادف لهذه الكلمة الجامعة و المانعة.
” المعقول” الذي تحدث عنه سي باها بل جعله محور كل أحاديثه، يحدد الداء والدواء وبلخص أزمة السياسة في هذا البلد، يقول سي باها إن المغرب ليس في حاجة إلى قوانين أو ميزانيات ضخمة، المغرب ينقصه “المعقول” الذي يعنى الحكامة بلغة أهل الاقتصاد، والنزاهة بلغة أهل القانون، ويعني الاستقامة في لغة أهل السلوك والأخلاق، ويعني كل ذلك وزيادة في عبقرية أهل المغرب وفي كسبهم عبر التاريخ والحضارات.
مات سي عبد الله ولم يترك في رصيده البنكي غير 15 ألف درهم، وهو المهندس والنائب البرلماني والوزير، وكان من المفترض أن يكون ذلك درسا لكل الساسة، وأن يكون ذلك أيضا برنامجا تكوينيا تعلمه الأحزاب لمناضليها ولطارقي أبوابها.
سي عبد الله لم يختر وفاته ولا أسبابها ولا توقيتها، ولكنه اختار أن يكون ما بعد وفاته حياة لمن ألقى السمع وهو شهيد، إنه أراد أن يكون موته المفجع والطافح بالأسى والصبابة، درسا لا يقبل المحو.
إنه درس في أن السياسة ليست للاكتساب وجمع الثروات، والاغتناء على ظهر الناس ومآسيهم، السياسة بذلٌ إلى الرمق الأخير، وعطاءٌ بلا حد إلى أن يصل الفراق ولو بلا وداع أخير.
السياسة اليوم تحولت إلى مص دماء الشعب، والاغتناء على ظهورهم، والتسجيل في لائحة أغنياء العالم “فوربيس”، بل ومضاعفة الثروة في عز لهيب الأزمة، واحتراق الناس وجيبوهم بالغلاء الذي أحرق الأخضر واليابس.
السياسة مع سي باها وغيره من رجالات السياسة الكبار في هذا البلد المعطاء، والذين ما زالت أسماؤهم مخلدة في التاريخ، متجاوزين “قصر وهوان” الزمن السياسي إلى الخلود التاريخي في أفئدة الناس، كانت التحاما بالأفكار إلى درجة التماهي، وموتا في سبيلها إن اقتضى الحال، وربطا للمصائر بمصيرها صعودا وهبوطا، وإن اقتضى الحال استشهادا في سبيلها، تحولت اليوم إلى مجرد سوق للنخاسة يقصدها كل صيادي الفرص من انتهازيي اللحظات، وعديمي المروءة، وقليلي الشرف.
السياسة اليوم أصبحت وكرا للمتسلقين الذين يبيعون ولاءهم لمن يدفع أكثر، والمستعدين للمتاجرة بكل شيء وفي كل شيءمن أجل حطام زائل، ومجد فانٍ، فلم تعد السياسة تنتج القدوات الملهمة، والرجالات الذين يبيعون أنفسهم من أجل المبادئ والأوطان، بل أصبحت تجارة يرتادها المرابون والأفاكون وهلم حضيضا.
فهل بعد كل هذا هل يحق لنا أن نطرح السؤال الذي بدأنا به هذه المقالة، أم نقول أنه لو لم نطرحه فعلينا أن نتساءل بلسان أهل الغيوان “واش حنا هما حنا أقلبي ولا محال” وانتهى الكلام !!!

شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.