سعيد شبار يكتب: الروح الوطنية الكامنة

الدكتور سعيد شبار


تنبعث هذه الروح كلما كان هنالك داع قوي موجب لانبعاثها، ذلك أنها تمثل في كل مواطن امتداده وعمقه التاريخي: في عقيدته وإيمانه، وفي نسبه وحسبه، وفي حيه وعشيرته، بل في أرضه وترابه، وفي هوائه الذي يتنفسه كذلك. فهو لا يشعر بالراحة والطمأنينة إلا حينما تغمره هذه العناصر مجتمعة. فهي عناصر لا تقاوم حتى بالحاجة والفقر، وحتى لو دفعت الحاجة وضيق العيش أناسا الى الهجرة، فإنهم يحملون كل ذلك معهم، وتراهم متعلقين بها أشد التعلق كما هو واضح في سلوك الجالية المغربية وهي تتوق شوقا لزيارة بلدها، أو وهي تدافع باستماتة عن قضاياه الكبرى. فهذه الروح الغامرة التي تعم جميع المواطنين، تعكس التماسك والارتباط المتين بينهم، واستجابتهم حينما يحتاجهم الوطن في قضية دينية أو دنيوية، حيث يهب من في البادية، ومن في الجبل، ومن في المدينة، على حد سواء.
كتب البعض فقال: إن هذه الاستجابة زائفة، لغياب العدل وعدم التساوي في الحقوق، والاجحاف الذي يطال فئات من الناس. ومن جهتي أقول: ينبغي أن نميز بين الانتماء الى الوطن الذي تشكل قاعدتَه الصلبة العناصرُ السابقة، وبين المطالبة بالحقوق ورفع الاجحاف الواقع في حق فئات من الناس. فالناس يفضلون العيش بمبادئهم ولو على الكفاف في ظروف عيشهم، ومعنوياتهم في الولاء لوطنهم مرتفعة؛ وقد نجد في مقابلهم أثرياء لا تكاد تربطهم بعمق الوطن رابطة.
إن الوطنية محبة، ولقد كان حب النبي صلى الله عليه وسلم لموطنه مكة شديدا حتى قال: “ما أطيبكِ من بلدٍ وأحبكِ إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرك” (رواه الترمذي)؛ ثم لما قطن المدينة وطنه الثاني قال: “اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد” (متفق عليه)؛
فهذه محبة الوطن التي لا ينبغي أن يفسدها شيء، والفرحة التي عبر عنها المغاربة بالانتصارات المتتالية للمنتحب الوطني، تعكس بعدا آخر في هويتهم وانتمائهم، هو هذه الروح الوطنية السارية فيهم جميعا، حيث تكاد تذوب الفوارق الطبقية، والانتماءات السياسية، والاختلافات الفكرية…؛ فالجميع يعبر عن فرحته بدافع انتمائه وحبه لوطنه ولمن يمثله. وطبعا هذا لا يتنافى ومطالبة كل مواطن التمتع بحقوقه التي كفلها له الوطن، بل ويتوجب على المسؤولين استثمار هذه الروح الوطنية المفعمة بالمحبة، وهذا المنسوب المتدفق من التآزر والتضامن، في مسار تنمية وبناء الوطن.
فهنيئا للمنتخب المغربي هذا الانتصار، وهنيئا للشعب المغربي هذه الفرحة، ولعل الرياضة التضامنية اليوم قد تساهم في تجديد دماء الوحدة أو التقارب بين الشعوب، أكثر مما تفعل السياسة. فكم هي جميلة صور فرحة الشعوب تضامنا مع انجاز المغرب، في فلسطين ومصر والامارات… ودول إفريقية شقيقة، وإخواننا بالجزائر مع شعارهم “مبروك المروك”، “كلنا مسلمين ما فينا سياسة”. ومثلها صور الأمهات والأسر المآزرة للاعبين، فضلا عن الجمهور الكبير المساند بحماسة النشيد الوطني، ومظاهر السجود شكرا لله. والأجمل من ذلك أن يخرج جلالة الملك حفظه الله بنفسه، معززا هذا الشعور الوطني ومشاركا فيه.
نعم، سيهدأ هذا الاحتفال وستعود المياه الى مجاريها، لكن هذه الروح، التي تغذيها هذه القيم، ستبقى حية ولو في حالة كُمون، تنتظر فرصة أو مناسبة أخرى لتعبر عن نفسها؛ فماذا لو كان استثمارها حيا على الدوام، في إسناد قضايا الأمة الكبرى على الأقل؟

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.