في مقاومة اليأس والخوف من الاستبدال

المحجوب لال


في السنوات الأخيرة ظهرت بعض الأصوات من داخل العدالة والتنمية، تتساءل عن الفائدة من الاستمرار في العمل السياسي ومحاولة الإصلاح من الداخل، لاسيما عقب “البلوكاج” الشهير لسنة 2017، والذي مُنع تحت ظلامه الأستاذ عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب، من تشكيل الحكومة، رغم حصوله على نتائج انتخابية غير مسبوقة، ونيله ثقة المواطنين لولاية حكومية ثانية.
وزاد علو هذه الأصوات عقب انتخابات 8 شتنبر 2021، وما رافقها من إجهاز واضح على المكتسبات الديمقراطية المتحققة في مجال تنظيم الانتخابات، حيث تم طرد العدالة والتنمية إلى خارج المؤسسات، بشكل فج ومبتذل ومفضوح.
وتبعا لما سبق، بات البعض يقول إن لا فائدة من الاستمرار في الإصلاح، وأن قوى النكوص والتسلط والتحكم أقوى سطوة وأشد تأثيرا، وتحول هذا البعض إلى شبه متفرج في مشهد يبعث الأسى على ما آلت إليه أوضاع البلاد، كما قال البعض، وبدعوى “البرغماتية”، أن الأوضاع ستنفجر في وجه حكومة 8 شتنبر عاجلا أو آجلا، ولن يجد المجتمع من حزب بكفاءة وخبرة العدالة والتنمية لقيادة المشهد من جديد، وعليه، يقولون بلسان حالهم: إنا من المنتظرين.
في القولين معا، خطأ وخطر، فأما الخطأ، فمحله الاعتقاد بأن الإصلاح لن يجدي نفعا، وأن التحكم أقوى وأفعل، وعلاج هذا الاعتقاد مكنون في ثنايا المرجعية التي ينطلق منها العدالة والتنمية نفسه، أي في الإسلام، كتابا وسنة، وفي “التواصي بالصبر” تحديدا، كأداة علاج وكأسلوب مقاومة، فالتواصي الذي يقوده الصابرون من أعضاء الحزب، تجاه المتذمرين منهم، تفويتٌ للفرصة أمام المتربصين بالتجربة، سواء أكانت إصلاحية حزبية أم بالتجربة المغربية عموما.
وأما الخطر، فلا شك كبير على أبناء المرجعية، ممن ينتظرون تغير الحال لاستلام مقالد التدبير، خطر مكمنه نسيان أن الانخراط في الإصلاح نعمة إلهية منَّ المولى تعالى بها على بعض خلقه، وليست تفضلا من المرء تجاه وطنه وأمته، وإنْ اعتقد المُصلح أنه الفاعل والمختار، فلا شك أنَّ اعتماده على تقديره الشخصي للأمور لن يدفع به إلا إلى التولي، حينها، يصدق عليه قوله تعالى: “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم”.
فأي خسارة عظمى قد يعيشها الإنسان ممن يحمل همَّ الإصلاح، مستلهما المرجعية الإسلامية، من تلك التي تحدث له حين يخسر في موضعين؛ أولهما حين لم يصبر على الأذى ولم يتدافع في مركب الحياة، وآثر الاستسلام والرضى بالواقع. وثانيهما، حين لم يقاوم النكوص والتراجع فآثر التواني والركون للأرض على الإقدام والاستعداد.
إن المرجعية الإسلامية بمعناها الشامل، خير كلها، لأمور ديننا ودنيانا، وهي خير ليس للمسلمين فقط، بل للإنسانية جميعا، وهي كذلك خير مطلق لأمور تنظيمنا واجتماعنا، كيف لا، وفيها كل المعاني الدافعة للصمود والمقاومة، والمانعة من الترهل ورفع الراية البيضاء، وهل نحتاج إلى شيء أكبر من هذه المعاني، في ظل عالم يراد له أن يكون على شاكلة واحدة، عنوانها محو فطرة الإنسان وقتل الإنسان فيه، فهل من مقاوم وصابر؟

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.