رسالة لأخنوش ومن معه: فاقد الشيء لا يعطيه!!

محمد عصام


مرت الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة أول أمس الاثنين بمجلس النواب، وكالعادة مرت باهتة ولم تثر نقاشا، ولا روت عطشا ولا ظمأ، ولم يكن لها صدى في النقاش العمومي رغم أهمية الموضوع المتعلق بالاستثمار وما له من أثر على التشغيل والتنمية الاجتماعي، حتى إن المنابر الإعلامية المعروفة بقربها من الحزب الأغلبي والتي قبلت أن يؤكل الثوم بفمها رغبا أو رهبا أو هما معا، لم تجد في مرور رئيس الحكومة ما يصلح للنشر، أو أنها لا تترجى كبير فائدة من نشر ما يقول.
وقبل أشهر قليلة قدمت الحكومة ما أسمته حصيلة عملها في سنتها الأولى، ولكن بدون أن يجد ذلك له صدى سواء عند وسائل الإعلام أو عند عموم المواطنين.
والسبب في هذه النتيجة واضح وضوح الشمس في كبد الظهيرة، فلقد مل الناس من لوك الأرقام الكبيرة والبرامج الطافحة بالتفاؤل، دون أن يُرى أثرها على واقعهم ومعيشهم، فالجدوى من البرامج والميزانيات يجب أن تظهر في قفة الناس وفي تحسن أوضاعهم المعيشية، أما وأن الناس يئنون تحت وطأة غلاء غير مسبوق تم تعميمه على جميع المجالات والمواد، واختنقت به وبسببه حياة الناس، فإن الحديث عن الاستثمار والميزانيات يصير صنوا للعبث ومرادفا للضحك على الذقون.
الناس يعلمون شيئا واحدا على جهة اليقين، أن هناك في هذا البلد السعيد من توسع ثراء إلى درجة الفحش، في وقت شحت فيه أرزاق الغالبية العظمى من أبناء هذا الوطن على درجة الخصاصة البينة والفقر المدقع.
ويعلمون أيضا علم اليقين، أن من حملته أمواج 8 شتنبر إلى سدة التدبير، واقع إلى أخمص قدميه في شبهة أو جريرة تضارب المصالح، وعلى رأس هؤلاء، كبير الحكومة الذي يحتكر ما يقارب نصف سوق المحروقات، وهي السبب الأكبر في اشتعال أسعار كل المواد والخدمات الأخرى.
والمغاربة يعلمون أنهم كانوا ولا زالوا ضحية تواطؤ مشبوه بين شركات المحروقات، تم من خلاله “سرقة” 17 مليار درهم التي كشفتها المهمة الاستطلاعية البرلمانية منذ سنة 2019، وهو الرقم التي تقول تقارير أخرى أنه ارتفع إلى أكثر من 40 مليار درهم.
المغاربة يعرفون أن من بين وزراء هذه الحكومة التي دلست عليهم باسم الكفاءات، من لا يتورع في التنمر وتحقير هذا الشعب، والافتخار جهارا نهارا بأنه “لاباس عليه” و”قرا ولدو في كندا وخلص عليه” ، ويصف المغاربة الغاضبين بأنهم “كمشة” وأنه “جاثم فوق صدورهم” وهلم حضيضا مما لم ولن يستطيع الوزير المعني الفطام عنه.
والمغاربة أيضا يعلمون أن مع هذه الحكومة لم يتورع وزير وداخل مؤسسة دستورية من حجم البرلمان، بالقيام بالدعاية لشركة صنع السيارات يملك نصف أسهمها زميل له في الحكومة، من باب تنزيل المثل المغربي “زيتنا في دقيقنا.. وخيرنا ما يديه غيرنا”
والمغاربة أيضا يعلمون أن مشاريع التشغيل التي يتم التبجح بها من قبيل “أوراش” و”فرصة”، أضحت مجالا للريع الحزبي والمحسوبية و”باك صاحبي”.
والمغاربة أيضا يعلمون يقينا من خلال ما يرونه يوميا من تردي خدمات النظافة والإنارة العمومية في مدنهم وجماعاتهم، وتراجع الخدمات الجماعية، وتدبير الصفقات بمنطق الريع والقرابات الحزبية، أن شعار “الكفاءات” زيف وتضليل وقناع ليس أكثر.
لكل هذا فإن المواطن المغربي فقد ثقته في الحكومة والمؤسسات والجماعات الترابية، وأرقام مندوبية التخطيط حول مؤشر الثقة دالة وناطقة إلى درجة البلاغ المبين، لهذا فمن يزرع الريح لن يحصد إلا العاصفة.
إن تدني مصداقية الفاعل السياسي منذر بوقوع كارثة لا قدر الله، فالعزوف الذي تدل عليه أرقام مشاهدات الجلسة الشهرية، وعدم الاهتمام الذي يبديه المواطنون تجاه ما “تقترفه “الحكومة من سياسات عمومية، ليس إلا مشهدا أوليا ستعقبه مشاهد لا يعلم أحد إلى أين ستجر إليه البلد عموما، وإلى أي مدى يمكن أن يوصلنا إليه هذا الوضع، وهو الأمر الذي من المفروض أن يدفع الحكومة والنخب التي أفرزها تسونامي 8 شتنبر إلى الوقوف عنده وإجراء تقييم عام لأدائها ومنجزها، عوض الاسترسال في حوار الطرشان هذا الذي يبدو أنها قد استساغته، دون أن تكترث لعواقبه ومآلاته لا قدر الله.
صحيح أن المغرب قوي بمؤسساته التي هي نتيجة صيرورة تاريخية ساهم في إنضاجها المجتمع المغربي عبر كسبه في التاريخ، غير أنه ليس من المقبول المخاطرة بهذا الرصيد، في وقت لدينا ما يكفي من الوقت للمراجعة وطرح الأسئلة الحقيقية، خصوصا وأن السياق الدولي الذي لسنا بمنأى عن تأثيراته، ينذر بصعوبات جمة وبتحديات ضخام، تحتاج إلى رجال في حجم اللحظة وإلى مقاربات نوعية تستحضر في حساباتها ألام وأمال الطبقات المسحوقة وتحافظ على مكتسبات الطبقة المتوسطة وتنميها، وتنجز منظومة إجراءات تضامنية تدخل الطبقات العليا والشركات التي تراكم الأرباح في تحمل مسؤوليتها تجاه الوطن، عوض هذه السياسات التي تبنتها الحكومة في قانون المالية لسنة 2023، بتقديم الهدايا الضريبية للشركات والاجتهاد في تضريب الطبقات الدنيا بما فيها المقاولون الذاتيون الذين لم يسلموا من يد الحكومة الطويلة على الطبقات الأدنى، والعاجزة كليا بخصوص شركات المحروقات.
الثقة كما يقول الأستاذ عبد الإله ابن كيران هي عمود السياسة وذروة سنامها، ولا سياسة ناجحة بدون وجود الثقة فيمن يمارسها، لهذا نقول وبكل الوضوح اللازم، المعركة اليوم ليست معركة أرقام أو مشاريع أو حتى قوانين، المعركة هي معركة مصداقية وثقة، وهذه الحكومة ولدت أصلا من رحم انتخابات ستظل تلاحقها شبهة اللامصداقية، ومن زُج به في أتون التدبير العمومي في أغلبه بدون رصيد نضالي يصنع مصداقيته في أعين الناس وسلوكهم، ومتى كان مثل هذا الوضع جاثما علينا، فإنه يحق لنا أن نضع أيدينا على قلوبنا ونعيد رفع “اللطيف” الذي سبق لأجدادنا أن رفعوه ذات سطوة احتلال، وإلى الله المشتكى وإليه المصير.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.