[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

محمد عصام يكتب: الحكومة المتوحشة !!

تابعت كغيري من المغاربة الندوة الصحفية التي نظمتها فرق ومجموعة المعارضة أمس بمجلس النواب، والتي استطاعت من خلالها أن تحرك “بركة السياسة” التي تكلست وتجمدت في ظل التصحر الذي أعقب محطة 8 شتنبر.
وكان لافتا في تدخلات رؤساء الفرق والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ذلك التبرم من التسلط والتغول الذي تمارسه الأغلبية تجاه المعارضة، والالتفاف على كل المبادرات الرقابية والتشريعية بالاستثمار المعيب للتفوق العددي للأغلبية، وممارسة نوع من الهيمنة غير مألوف في الممارسة السياسة في المغرب، بل أكاد اجزم من خلال المعطيات التي كشفتها الندوة الصحفية، أننا أمام أغلبية مفترسة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم يسبق للمغرب أن شهد لها مثيلا.
حكومة مفترسة من حيث تلبسها بتضارب المصالح، وقد جاء في الندوة، أنه على الأقل أربعة وزراء داخل الحكومة عندهم شركات أو مساهمين في شركات ومقاولات، مما يجعلهم في وضع التضارب الصريح والفاقع بين مصالحهم الشخصية ووظيفتهم الحكومية، ويتقدم هؤلاء جميعا، رئيس الحكومة “بلحمه و شحمه وعظمه”، الذي “يتبرع” ويتربع على سوق المحروقات والغاز والأوكسجين.
حكومة مفترسة لأنها تركت المواطنين عرضة للهيب الأسعار، واكتفت بحملات تستهدف البقالة والجزارين والخضارين وغيرهم من الصغار في ادنى السلسلة، في حين أن داء الغلاء يوجد في مكان آخر، ويتعلق بسلسلة تلك المواد الملتهبة من المصدر أو “الفوق” بتعبير عبد الله بووانو، كما يتعلق بلوبي التصدير والكبار، الذين لا يهمهم في شيء أن تتأثر مائدة المغاربة، ما داموا يحافظون على انسياب مداخيلهم وبالعملة الصعبة.
حكومة وأغلبية متوحشة حتى مع من يتقاسم معها الموقع، فهي لم تتردد في للحظة واحدة في تكميم من يناقشها أو ينتقدها من داخل الأغلبية ذاتها، وواقعة النائب هشام المهاجري طافحة بالمعاني، ودالة على أن هذه الأغلبية يضيق صدرها ولا يتسع لأي انتقاد ولو كان صادرا من داخل مكوناتها.
حكومة وأغلبية متوحشة حتى مع بعض الوزراء ممن “اقترفوا” تصريحات تزعج المراكز القوية للقرار داخلها، كما وقع لوزيرة الانتقال الطاقي حين كشفت داخل لجنة برلمانية عن مخزون المغرب من المواد الطاقية وقالت بأنه لا يتجاوز 24 يوما، وكيف اتُصل بها أو….، لتقوم بالتراجع عن ذلك في ندوة صحفية داخل مقر وزارتها، الأمر الذي كشفه رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية عبد الله بووانو، وأيضا لتتراجع عن الوثيقة التي حددت فيه أثمنة بيع المحروقات في السوق الوطنية ارتباطا بثمنها في السوق الدولية.
وضْعُ هذه الوزيرة المثير للشفقة، دفعها للتملص من مسؤوليتها، والجواب بعدم الاختصاص في ردها عن أسئلة النواب حول أسعار المحروقات.
الوضع المتوحش ملازم لهذه الأغلبية أيضا على مستوى التدبير الجماعي، حيث يتم الالتفاف على حقوق المعارضة ومكاسب الشفافية التي تحققت في الولاية السابقة، ففي جماعة الرباط عمدت العمدة وأغلبيتها على تعديل النظام الداخلي للتحكم في الأسئلة الكتابية، وهي آلية رقابية جاء بها القانون التنظيمي للجماعات دعما للشفافية وضمانا لحقوق المعارضة.
وفي جماعة أكادير التي يرأسها أخنوش رئيس الحكومة، تم تضييق الخناق على المعارضة وتقزيم الحيز الزماني المتاح لمناقشة برنامج عمل الجماعة إلى ثلاث دقائق، وكأن الأمر يتعلق بنقطة بسيطة في جدول الأعمال وليس ببرنامج سيرهن عمل الجماعة لمدة انتدابية كاملة أو يزيد.
هذه السلوكات الموغلة في “التغول و التوحش”، تكشف عن هوية هيمنية لهذه الأغلبية، وليست سلوكات معزولة، وهي تعكس توجه من يعتقد أنه” تخطى الواد ونشفوا رجليه”، وهي أيضا تكشف ضمورا فظيعا في تمثل الديمقراطية واستيعاب مستلزماتها والقدرة على تنزيل مناطاتها واستحقاقاتها. وهو التمرين الذي يبدو أن الأغلبية الحالية غير مؤهلة بتاتا لخوضه، وأنه من المؤكد أن حصيلتها فيه ستكون صفرية، لكن الإشكال هو كون الهزيمة في معركة الديمقراطية له تبعات وارتدادات في كل الميادين الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فالنجاحات فيها لا يمكن أن يتحقق دون كسب رهان الديمقراطية وتنزيلها مضمونا وسلوكا، والتجارب تؤكد ذلك وتعززه لكن كما نقول دوما “لمن ألقى السمع وهو شهيد”

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.