خرجات وهبي و”فراخ” الحمامة..أوحين يلعب أخنوش وتحالفه آخر أوراقهم التواصلية

المتتبع للمشهد السياسي في الأيام الأخيرة، سيلاحظ بسهولة هذا الإقبال النهم لوزير العدل وهبي على الخرجات الإعلامية، وتعمده بمناسبة وبغيرها الحديث في مواضيع ذات بعد قيمي هوياتي، سواء تعلق الأمر بمدونة الأسرة أو تعديلات القانون الجنائي، بنبرة فيها جرعة عالية من الاستفزاز والإصرار على خلق البوليميك بشكل مجاني.
وفي نفس الوقت لوحظ في الأيام الأخيرة خروج زعيمي لائحتي الشباب والنساء عن التجمع الوطني للأحرار، للدفاع عن ولي نعمتهما رئيس الحزب، بشكل مستفز لا يقل عما يقترفه وهبي في خرجاته.
هذا النوع من الخرجات وتزامنها من حيث التوقيت والأسلوب الموغل في الاستفزاز، يؤشر على أن الأغلبية المهيمنة فقدت الأمل في كل الأذرع الإعلامية وما يسمى المؤثرين التي جيشتها في مراحل السابقة، بل واتضح أن هؤلاء المؤلفة كروشهم قد نفذت صلاحيتهم بالمرة، وليس في جعبتهم ما يسحرون به أعين الناس ويضللونهم، وأن بضاعتهم في الكذب وتزييف الوعي أصبحت مكشوفة العورة بالتمام والكمال.
ومن جهة أخرى فإن خطايا وجنايات من حملهم تسونامي 8 شتنبر سواء إلى الجماعات أو البرلمان أو الحكومة، أصبحت مع توالي الأيام صادمة، ولا يمكن لأي آلة “للتبرير” أو التزوير كيفما كانت فعاليتها ونجاعتها، أن تداري شناعتها، ولا أن تخفي البشاعة والوقاحة التي تسكن تفاصيلها، فلا صوت يعلو على “افتراس المال العام” وطحن الطبقات الهشة، وتفقير الطبقة المتوسطة، والتعامل مع الشأن العام بمنطق الغنيمة، ومع التدبير بمنطق الهيمنة والإقصاء والأذان الصماء وبكثير من اللاكفاءة .
في وقت عجز فيه رئيس الحكومة عن ملء مقعده كما يجب، والقيام بمهامه كما تقتضيه مستحقات اللحظة الدستورية والسياسية في البلد، والتحديات الكبرى التي تنتصب في ظل استفحال الغلاء وتفاقم التضخم بشكل غير مسبوق، لكن رئيس الحكومة ما يزال مصرا على خرق الدستور وعدم الانصياع إلى مقتضياته فيما يتعلق بتفعيل مقتضى الجلسة الشهرية بتواطؤ مكشوف ومدان من طرف أغلبيته المهيمنة على الغرفتين.
ليتفاجأ المغاربة ببرمجة جلسة شهرية بمجلس المستشارين يوم الثلاثاء 25 أبريل ستخصص لسياسة الحكومة في السياحة، متحاشيا الحديث عن الغلاء والتضخم، وكذلك انتظارات المغاربة من عيد العمال الذي لا تفصله عن تلك الجلسة إلا خمسة أيام.
بالنسبة للناطق الرسمي فإن العائد السياسي من ندواته الصحفية عقب اجتماعات مجالس الحكومة، يكاد يكون مدمرا بتوالي “خطاياه التواصلية”، وهو ما يفسر دخوله منذ ثلاث أسابيع في حال اكتئاب لا تخطئها العين، ترجمها في ضيق صدره من أسئلة الصحفيين، ومنع تصويرهم حين إلقائهم الأسئلة، بالإضافة إلى إدمانه المزمن منذ يوم توليه هذه المهمة للغة الخشب، وجرأته على قول الشيء ونقيضه وإطلاق العنان للسانه لاقتراف التناقضات والتضليل بلا رقيب ولا حسيب.
في ظل هذا اليباب التواصلي، واستنفاذ “المناولة وأكل الثوم باسم الحكومة وتحالفها” لأغراضهما، لا نستبعد أن يكون هذا اللجوء المكثف لوهبي ولبعض الشباب الأزرق الذي يرفل في نعم الريع، والإمعان في الاستفزاز، جزء من خطة لخلق نوع من الإلهاء وإغراق الفضاء العام والنقاش العمومي في قضايا ثانوية، وخلق نوع من الحدية في التقاطب تذر مزيدا من الاستدراج وتمارس توجيها غير نزيه للنقاش العمومي.
وأيضا لا نستبعد أن من وراء هذا التوجه والذي نحن متأكدون أن الأيام المقبلة، ستكون طافحة بنماذج سيئة لتنزيله، يستهدف تفعيل تقنيات علمية في التواصل تتعلق بصناعة الانفعالات أو ما يسمى بالفزع الأخلاقي، حيث تتحول القضايا التي يثور بشأنها الخلاف إلى استقطابات حادة يتبادل فيها الخصوم اتهامات قاسية بالعنصرية أو التخوين أو التطرف أو غيرها، وهو ما يعبر عنه بصناعة الفزع الأخلاقي Moral Panic ، فالقضايا الخلافية تتحول إلى فضاءات للفرز بين من مع ومن ضد.
وهذه التقنية يتم اعتمادها بشكل مكثف في منصات التواصل الاجتماعي، التي تستهدف “احتجاز” المستعملين أكثر وقت ممكن في فضاءاتها، من خلال استثمار ذلك التوتر الأخلاقي في مزيد من الإبحار، أو قل في مزيد من “الحروب الافتراضية”.
والخلاصة أن التعويل على هذه التقنيات يؤشر على فقر سياسي مدقع يصل درجة الإفلاس، والرهان عليه وإن كان سيحقق بعض الجاذبية، لكنه حتما سينكسر على صخرة الواقع العنيدة، والتي تلقي بثقلها على معيش الناس من خلال الغلاء المستفحل والتضخم المتفاقم، فهل يستطيع سياسيو هذه اللحظة أن يفهموا أنهم يراهنون على السراب بتحويل حروبهم إلى العالم الافتراضي، وأن الواقع لا يمكن رفعه بهذه الفهلوات.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.