محمد كريم بوخصاص
مقتطف من ورقة بحثية للصحفي كريم بوخصاص بعنوان: “هل دخل التنظيم الذاتي للصحافة إلى النفق المسدود؟”، نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات، 25 أبريل 2023”.
كان يفترض بالمجلس الوطني للصحافة تقديم حصيلة عمله عند انتهاء ولايته، لكنه لم يفعل ذلك. وباستحضار بدايته الفعلية في 5 أكتوبر 2018، وبالعودة إلى اختصاصاته التي تعتبر عنصر قوته وفعاليته، يتبين أن هناك ثلاث مهام رئيسية للمجلس وهي الكفيلة بتقييم أدائه: أولها منح بطاقة الصحافة المهنية؛ وثانيها النظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحافية والصحافيين المهنيين الذين أخلوا بواجباتهم المهنية وميثاق أخلاقيات المهنة والنظام الداخلي للمجلس والأنظمة الأخرى التي يضعها؛ وثالثها اقتراح الإجراءات التي من شأنها تطوير قطاع الصحافة والنشر وتأهيله وتحديثه.
منح بطاقة الصحافة المهنية
بعد تنصيب المجلس بداية عام 2019 وجدت لجنة بطاقة الصحافة المهنية نفسها أمام تحدٍّ كبير لتفعيل أهم مقتضيات قانون إحداث المجلس، ويتمثل في منح بطاقة الصحافة المهنية. ففي ذلك الوقت لم يكن المجلس يتوفر على مقر وموارد بشرية، ولم يتم إصدار المراسيم المتعلقة بطريقة منح بطاقة الصحافة المهنية وبطاقة الصحافي المهني المعتمد وتجديدهما والتي صدرت حتى مارس 2019، أي بعد المدة التي كان يفترض أن يكون الصحافيون قد تسلموا خلالها بطائقهم المهنية. لذلك تكلف قطاع الاتصال بوزارة الثقافة والشباب والرياضة آنذاك باستقبال ومعالجة ملفات طلب البطاقة المهنية، على غرار ما كان معمولا به سابقا، وكان التغيير الوحيد الملموس هو أنها صدرت بتوقيع رئيس المجلس الوطني للصحافة، علما أن عدد البطاقات المسلمة برسم تلك السنة (2019) بلغ 3016 بطاقة. ولم يباشر المجلس اختصاصه كاملا في إصدار البطاقة المهنية إلا سنة 2020، بعدما أصبح يتوفر على مقر، واستطاعت لجنة البطاقة المهنية برسم السنة المذكورة دراسة ما مجموعه 3673 طلبا، وافقت على 3182 منها.
وبعد أول تجربة للمجلس الوطني للصحافة في منح بطاقة الصحافة المهنية، قرر هذا الأخير فتح حوار مع الحكومة-قطاع الاتصال من أجل البحث في إمكانية تعديل بعض مقتضيات مرسوم منح بطاقة الصحافة، لجعل الولوج للمهنة أكثر سلاسة، مع تحصينها من كل ما يمكن أن يشكل تنقيصا من قيمتها ومكانتها في المجتمع. بدلا من ذلك، لم ينشر المجلس لائحة الصحافيين الحاصلين على بطاقة الصحافة، واكتفى بنشر عدد بطائق الصحافة المعالجة والمسلمة، وآخر إحصاء نشره يعود إلى 2021 حين أعلن في بيان عن الانتهاء من الاشتغال على جميع طلبات الحصول على بطاقة الصحافة المهنية برسم سنة 2021، حيث وافقت لجنة البطاقة على 3394 طلبا من مجموع 4008 طبا توصل بها المجلس.
وظل نشر قائمة الصحافيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية مطلبا للمهنيين، في حين اكتفى المجلس بالإعلان في 2021 عن إجرائه اتصالات ومشاورات مع المسؤولين على لجنة حماية المعطيات الشخصية لنشر لوائح الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية برسم سنتي 2020 و2021 “حرصا على ضمان شروط النزاهة والشفافية”، دون أن يعلن عن نتيجة هذه المشاورات أو ينشر القوائم الكاملة للصحافيين.
النظر في القضايا التأديبية
يعد النظر في القضايا التأديبية التي تهم الصحافيين مسألة ضرورية لتحقيق الانضباط المهني والأخلاقي، ذلك أن سلطة الصحافة لا ترتكز على عقد اجتماعي أو تفويض من الشعب، بل تحتاج إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة وخدمة المواطنين بشكل تام. ومنذ الأسابيع الأولى من تنصيبه، اشتغل المجلس الوطني للصحافة على ميثاق أخلاقيات المهنة، وصادق عليه بعد عدة اجتماعات واستشارات، ونُشر في الجريدة الرسمية في 29 يوليوز 2019. لكن رغم منحه الأولوية، فإن الميثاق لم يحترم الآجال القانونية لوضعه ونشره المنصوص عليها في المادة الثانية من قانون إحداث المجلس، التي نصت على ضرورة أن يتم ذلك داخل أجل أقصاه ستة أشهر من تنصيب المجلس.
وبموجب القانون، يمكن للجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية معالجة الشكايات التي يتلقاها المجلس من الهيئات والأفراد طلبا للإنصاف وجبر الضرر تجاه ما يعتبرونه إساءة للكرامة والشرف وتشهيرا في حقهم. وفي الفترة بين غشت 2019 ودجنبر 2020، تلقت اللجنة ما مجموعه 40 شكاية، ولم يعلن عن اتخاذ أي إجراءات تأديبية بشأنها، مما يثير تساؤلات حول سبب التأخير في النظر في تلك القضايا، فيما أعلن المجلس عن حل بعضها بالتعاون مع الجرائد المشتكى بها لأنها لم تكن تتطلب سوى نشر بيانات حقيقة الأطراف المشتكية. وتحتاج لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية للمجلس إلى نشر حصيلة القضايا المعروضة عليها والتي بثت فيها. ويعود آخر إحصاء نشرته ذلك الذي يهم التسعة أشهر الأولى من 2021، والتي بلغ مجموعة الشكايات المتوصل بها ستة وثلاثون، لذلك يبقى تقييم المجلس في هذا الجانب سلبي، يعززه تواصل انتهاك منابر إعلامية لميثاق أخلاقيات المهنة.
وتجدر الإشارة إلى أن المجلس يمكنه أن ينظر في القضايا التأديبية بشكل تلقائي بناء على طلب أغلبية أعضائه، استنادا إلى المادة 39 من قانون إحداثه. وهذا يأتي في إطار الحماية من الانتهاكات التي تعتبر خرقا سافرا لأخلاقيات المهنة، لكن نادرا ما أعلن في بلاغ رسمي عن تصديه التلقائي لقضية. وتبقى إحدى المرات النادرة التي أعلن فيها المجلس عرض ملف على لجنة الأخلاقيات هي قضية “وصم” موقع إلكتروني للاعب المنتخب الوطني لكرة القدم زكرياء أبو خلال، مما يطرح فرضية وجود انتقائية من لدن المجلس في التعامل مع الانتهاكات الصادرة عن المنابر الإعلامية. بالمقابل، أنجزت لجنة أخلاقيات المهنية بالمجلس تقريرا حول الممارسة المهنية، في ظروف جائحة كورونا، سجلت فيه وجود خروقات متعددة لميثاق أخلاقيات المهنة، وإن كانت معزولة، بعد أن كانت قد عبرت قبل ذلك عن إدانتها للجوء بعض المواقع الصحافية إلى المتاجرة بموضوع كورونا.
اقتراح الإجراءات لتطوير القطاع
يعتبر تأهيل المؤسسات الصحفية وتطويرها مدخلا رئيسيا لحماية الصحافة وضمان وجودها وتعزيز أدوارها في المجتمع، لذلك ينبغي أن يكون المجلس الوطني للصحافة بمثابة قوة اقتراحية في هذا المجال، خاصة أن لجنة المنشأة الصحافية أنجزت تقريرا كان عبارة عن بحث ميداني، انتهى إلى أن أزمة الصحافة المغربية ذات طبيعة هيكلية لها أبعاد متداخلة ومعقدة أحيانا، وأن الرؤية غير واضحة والمستقبل المهني غير متحكم فيه. وفي الوقت الذي يشكل هذا التقرير أرضية للترافع من أجل تأهيل المقاولة الصحافية، ظل قطاع الصحافة يعيش أزمة هيكلية، في ظل شبح الإفلاس الذي يخيم على المقاولات الإعلامية، مما يهدد تعدديتها وفاعليتها باعتبارها خدمة حيوية للبناء الديمقراطي.
سبل الخروج من المأزق
يدخل التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب نفقا مسدودا، كان يمكن تجاوزه بتنظيم انتخابات تجديد المجلس الوطني للصحافة بعد انتهاء مدة انتداب أعضائه. وفي ضوء حالة الاصطفاف الحادة للهيئات المهنية والنقابية بسبب مصادقة الحكومة على مشروع قانون لإحداث لجنة مؤقتة تحل محل أجهزة المجلس الوطني للصحافة لفترة انتقالية، تقترح هذه الورقة حلولا للخروج من المأزق تدور حول مبادئ الانتخابات والتعددية والحكامة.
ــ يجب الالتزام بمبدأ الانتخابات وتجنب اللجوء إلى التعيين، حتى لو كان بيد الهيئات المهنية والنقابية، لأن ذلك ينتهك مبدأ استقلالية الصحافي.
ــ بالنسبة إلى التعددية، من المهم ضمان تعددية الآراء كحالة صحية في مجتمع الإعلام، وعدم اصطفاف الحكومة مع أي رأي ضد آخر، وسعيها إلى إشراك الجميع في مسار حماية التنظيم الذاتي، وحرصها على تقديم ضمانات دستورية وتشريعية تمنع تدخلها بأي شكل من الأشكال في المجلس الوطني للصحافة الذي ينبغي أن يمارس وظيفته الأصلية، وهي حماية حرية الصحافة، وضمان احترام أخلاقيات المهنة، وصيانة حق المجتمع في الإخبار والتوعية والتثقيف.
ــ أما فيما يتعلق بالحكامة، من المهم منع تحول مؤسسة التنظيم الذاتي إلى مؤسسة للإغراء المادي، ذلك أن تمثيل الصحافيين يجب أن يكون غير مُربحٍ كي لا يفقد معناه، ومن شأن منحِ أعضاء المجلس الوطني للصحافة تعويضات مبالغا فيها أن يجعل العضوية غاية لتحقيق الربح، وليست وسيلة لحماية استقلالية الصحافة. وتجدر الإشارة إلى التعويضات المحددة في النظام الداخلي للمجلس الوطني للصحافة، مثل نفقات النقل والإقامة المرتبطة بالمشاركة في أشغال المجلس، والتعويض عن الإسهام الفعلي في دوراته ولجانه هي أضعاف ما يتقاضاه الصحافيون في المقاولات الصحافية التي يشتغلون به، في الوقت الذي لا يحدد النظام الداخلي مقدار التعويض الشهري عن المهام الذي يتقاضاه رئيس المجلس. ويعد إخفاء هذه المعلومة عن الجمهور انتهاك لحق الصحافيين والمواطنين في الحصول على المعلومة.
