منير شفيق يكتب: الشهيد الشيخ خضر عدنان

العربي 21


الإعلان عن استشهاد الشيخ خضر عدنان (44 عاما) بعد 86 يوما من الإضراب الذي استهدف كسر قانون الاعتقال الإداري، كما سبق وكسره في مرّات سابقة، شكلّ إدانة مدويّة للاحتلال، باعتباره مرتكب جريمة قتل مع سبق الإصرار والتصميم. ففي أغلب التقديرات الموضوعية بأنه قتل قتلا، ولم يمت بسبب الإضراب. فقرار القتل جاء بعد يأس العدو من إخضاع عزيمة الشيخ التي لا تفل، أو تراجعه بعد أن يُفرج عنه. فالرجل مجرّب من هذه الناحية، وتاريخه في الاعتقال والإضراب، ومن ثم عودته للمقاومة بعد سجن طويل، أو بعد إضراب معجز أطول من طويل، يشهد على أننا أمام مقاوم فلسطيني استثنائي. ويكفي دليلا أن نمرّ بما يلي:

– سنة 1998 أمضى في الاعتقال عشرة أيام، مضربا عن الطعام.

– سنة 2012 أضرب 66 يوما، وفرض على الاحتلال إطلاقه.

– سنة 2015 خاض إضرابا عن الطعام لمدة 52 يوما، وأطلق سراحه.

– عام 2018 خاض معركة الأمعاء الخاوية دامت 56 يوما، وانتزع حريته انتزاعا.

– عام 2021 خاض إضرابا عن الطعام استمر 25 يوما.

ترك حكومة نتنياهو تتخبط بجريمتها النكراء، وعلى رؤوس الأشهاد، مما يجعل استشهاده نموذجا للبطولة الفلسطينية، ونموذجا للطبيعة الصهيونية الظالمة الإجرامية.
– أما عام 2023 فقد اشتبك مع العدو بإضرابٍ عن الطعام تحت التهديد بالقتل، دام 86 يوما، ليرتقي شجاعا صامدا شهيدا. وقد ترك حكومة نتنياهو تتخبط بجريمتها النكراء، وعلى رؤوس الأشهاد، مما يجعل استشهاده نموذجا للبطولة الفلسطينية، ونموذجا للطبيعة الصهيونية الظالمة الإجرامية.

لقد اشتُهر في تجربة نضال الأسرى الفلسطينيين، كما التجربة العالمية لمناضلي الحريّة والعدالة في السجون، لا سيما طويلة الأمد، أن العبرة ليست في الصمود في السجن مهما طال الأمد، على أهمية ذلك وضرورته وآثاره الإيجابية، وإنما أيضا في موقف الأسير، أو السجين السياسي المناضل- المجاهد، بعد إطلاقه ونيل حريته، وعودته إلى البيت والعائلة، وما يلحق ذلك في أغلب الحالات من زواج وأطفال.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة عنوانها السؤال التالي: هل، إلى جانب استمراره على موقفه وصلابته، ما زال مستعدا للعودة إلى السجن مرّة أخرى، وذلك كما كان حاله، أو أقل قليلا، مما كان عليه قبل السجن؟ والجواب على هذا السؤال لا بدّ من أن يقسم الموجَّه إليهم إلى قسمين؛ الأول: الحفاظ على الموقف المبدئي العام، مع تجنب القيام بما يعرّض للعودة إلى السجن من جديد، أو قل تبدأ “حكمة” الشباب والكهولة بأخذ مداها في القول؛ إن الوضع بحاجة إلى التهدئة، وأخذ نفَسٍ، أو أن الوضع غير مناسب للمغامرات غير المحسوبة، أو أن الناس تعبوا.

أما القسم الثاني، وهو نموذج خضر عدنان بامتياز، وبما يتوجب اتخاذه القدوة الأولى والأعلى، في مسيرة الجهاد والنضال والمقاومة. أي امتلاك الاستعداد الدائم، والمعنويات المبدئية الثابتة، للعودة إلى السجن من جديد، كأن ما مرّ من تجربة السجن، بما حفلت به من صعوبات وتضحيات وعذابات على الأسير وأسرته (الأم والأب والأخوة والأخوات)، لم تترك أثرها السلبي، ولا حتى بالمستوى الأدنى الذي يتقصده السجن في إتعاب المناضل- المقاوم. ولهذا تراه ما إن يخرج من السجن، ويأخذ بتنفس الصعداء، وإذا به يعود مستعدا للشهادة أو السجن، كما أول مرّة.

هذه السمة، ولا شك، هي التي يتحلى بها الأسرى والمساجين السياسيين، الذين يستحق الشيخ خضر عدنان أن يكون النموذج الأعلى لهم في الراهن الذي نعيشه.

هذه تجربة وبالحق من أصعب التجارب التي يمرّ بها جسد الإنسان. ومن هنا فإن احتمالها يحتاج إلى أعلى درجات الإرادة والصبر والمعنويات والإيمان، واحتمال ما لا يوصف من عذاب، الأمر الذي يجعل التعرض للتجربة الثانية، بعد الأولى يحتاج إلى إرادة أشدّ، وصبر أعظم، ومعنويات أقوى. ولذلك كان التعذيب لمرة ثانية، أو ثالثة، أصعب مرّات ومرّات من التعذيب في التجربة الأولى.
في الحقيقة، من يتابع القائمة التي مرّ ذكرها أعلاه، والتي دوّنت السنوات التي دخل فيها الشيخ خضر عدنان، القائد في حركة الجهاد الإسلامي والقائد الشعبي المحبوب من الجماهير والشباب، لا بد له من أن يبدي إعجابا بهذه العزيمة في دخول السجن، وخوض تجربة معركة الأمعاء الخاوية مرّات ومرّات. وتجربة الانتقال بالجسد من حالة الصحة والعافية، والحركة والأكل والشرب والركض، والوقوف على القدمين، والتكلم بطلاقة، وبعقل مطمئن، ونفس رضية، إلى حالة الوهن المتعاظم، والتمدّد الموجع على الظهر تحت آلام لا تحصى، وفقدان القدرة على تحريك اليد، والشفتين مع نشاف الحلق، وتفكك المفاصل وآلامها، بل يصبح في برزخ بين الحياة والموت، وهو أقرب إلى تحسّس الموت وتوديع الحياة.

هذه تجربة وبالحق من أصعب التجارب التي يمرّ بها جسد الإنسان. ومن هنا فإن احتمالها يحتاج إلى أعلى درجات الإرادة والصبر والمعنويات والإيمان، واحتمال ما لا يوصف من عذاب، الأمر الذي يجعل التعرض للتجربة الثانية، بعد الأولى يحتاج إلى إرادة أشدّ، وصبر أعظم، ومعنويات أقوى. ولذلك كان التعذيب لمرة ثانية، أو ثالثة، أصعب مرّات ومرّات من التعذيب في التجربة الأولى.

تصوروا خضر عدنان، أيّ إرادة هو وأيّة عزيمة، وأيّ إيمان، وأيّ صبر واحتمال عندما يخوض هذه التجربة لست مرّات على مدى خمس عشرة سنة. وإذا كان الاستعداد للعودة إلى السجن مرّة أخرى بعد تجربة طويلة تحتاج إلى استثنائية قصوى، فكيف حين يضاف إليها كل تجربة العودة إلى السجن مرّات فمرّات، وحتى بعد الزواج، والمراح مع أطفال يأسرون القلب، وزد عليه الإضراب المفتوح لعشرات الأيام حتى الموت؟

حقا إن خضر عدنان قائد، رجل، إنسان، مقاوم، فذّ واستثنائي، يستحق من الشعب الفلسطيني أن يتصدّر قائمة ثواره وأسراه ومقاوميه. وقد تعلم منهم واقتدى بهم، وأن يتصدر قائمة المقاومين الذين سيواصلون الطريق حتى تحرير فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.