من الأمراض المستعصية التي يصاب بها الساسة على وجه الخصوص، داء العظمة.. وهم في ذلك يحيون سنة فرعونية قديمة وقبيحة فضحها رب العزة وهي “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”.
والسيد عبد اللطيف وهبي الذي نسأل الله أن يعافيه من الوعكة الصحية التي ألمت به مؤخرا، والتي لم تمنعه من العودة إلى عادته القبيحة في التلبس بداء العظمة إلى درجة الحلول على حد قول المتصوفة، وذلك حين حضوره لمؤتمر نساء حزبه نهاية الأسبوع الماضي، وقوله إنه وحزبه سيغيرون تاريخ الأمة المغربية.
لا أدري من أين يأتي السيد وهبي بكل هذه الجرأة التي تصل درجة الوقاحة والتطاول على الأمة وتاريخها، ومن أين يستمد كل هذا الغرور الطافح، الذي لا يليق به إلا سؤال أحد سلفه في عبادة الذات ومرض العظمة قبل نهايته الدرامية حين قال “من أنتم؟؟
فالذي نعرفه ويعرفه الجميع على وهبي الوزير، أن أكبر تغيير يسجل له في التاريخ، أنه غيَّر وظيفة وزير العدل من وظيفة توفير ظروف التقاضي السليمة، إلى وظيفة تتبع ومعرفة “تقاشير” الناس وألوانها وربما روائحها.
كما أن أكبر إنجاز للوزير وهبي، أنه استطاع أن يحول مباراة المحاماة، إلى فضيحة عالمية يُشان بها المغرب على رؤوس الأشهاد، حتى إنه يحق لنا أن نستلهم قصيدة شاعر الحمراء محمد بنبراهيم المراكشي الشهيرة في ذم المطعم البلدي بطنجة بهذا الشكل:
إن كان في كل الأرض ما تشان به فإن في حكومة المغرب الوزير وهبي
ومن إنجازات وهبي التي ربما سولت له نفسه “الأمارة بالسوء” أنه بها يستطيع أن يغير تاريخ الأمة، أنه أول وزير في المغرب يتباهى بكل عجرفة بأنه “عندو الفلوس وقرا ولدو في كندا”، وأن من ينتقده هم مجرد “كمشة في الفايس بوك”.
تضخم الذات عند وهبي عُطب قديم، فهو الذي خاطب المغاربة يوما وقال لهم بأن يلتمسوا الحقيقة فقط منه أو من حلفائه في الحكومة، ولم يبق له إلا أن يقول أنه لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، هو حلفاؤه المحترمون.
ووهبي أيضا هو من قال على رؤوس الأشهاد، إنه ومن معه في حزبه هم الأقرب إلى الله، وكأنه يريد أن يقول أن من يريد القرب من الله فما عليه إلا طرق باب زاويته/ حزبه، وإلا طرد من رحمة الله الواسعة.
تلك كانت بعض من هرطقات وهبي التي لا تنتهي، والتي تعكس جنون العظمة التي تلبس به، وغواية تضخم الذات التي أفقدت الرجل المنطق وميزان العقل، وجعلته يقذف بالكلام على عواهنه، ويزيد مسخا لصورته في المخيال العام للمغاربة، وهو ما يسيء في المحصلة للسياسة وللفاعل العمومي، ويعمق الهوة بين المواطن والمدبرين للشأن العام في مستوياته المتعددة.
أما سياق كلام وهبي في نشاط نسوة حزبه، فهو الحديث عن تعديلات مدونة الأسرة، حيث قال إنه سيقود وحزبه ثورة “عنيفة” لتعديل المدونة.
ولا أدري هل يعي وهبي أبعاد الزج بكلمة “العنف” في هذا السياق المتعلق بنقاش مجتمعي مفتوح، أم أنه كما يقال “اللسان ما فيه عظم”، وأن وهبي فعلا قد “رفع عنه القلم” حتى يعقل.
ما يلوح به وهبي وفئة معزولة عن المجتمع، هو صدى لأجندات دولية، تستقوي على المغرب وعلى الدول ذات الخصوصيات التاريخية بالمؤسسات الدولية والضغط المؤسساتي لفرض نمط مجتمعي واحد لا يناسب الكسب التاريخي لبقية الأمم، لكن الذي نسيه وهبي أو يحاول أن يتناساه، أن سقف التعديلات محدد بالدستور وبإمارة المؤمنين التي لن تحل حراما ولن تحرم حلالا، وأن تاريخ هذه الأمة عميق في التمسك بثوابته الدينية وكسبه الحضاري، ولا يمكن لنزوة يفجرها داء عظمة أو نشوة كرسي، وتقف وراءها أجندات غريبة عن المجتمع، أن تطاول هذا العمق أو أن تأثر فيه قيد أنملة.
ولهذا نقول لوهبي ومن معه، إن هاهنا شعبا يعرف كيف يحمي ثوابته وكيف يتمسك بها إلى الرمق الأخير، وأن هاهنا مؤسسات أمينة على هذه الثوابت وقادرة على حمايتها بما ترصَّدَ لها من عمق تاريخي وبما تتمتع به من شرعية فوق النقاش أو التشكيك، وبالتالي فإن من المفروض على وهبي باعتبار موقعه الحكومي أن يلزم نفسه بواجب التحفظ وأن يلجم نفسه عن هذا الغرور المرضي الذي يتلبس به، وأنه بموقعه وبحزبه أيضا لا طاقة له بمصادرة حق المجتمع وقواه الحية في إدارة هذا النقاش بلا وصاية من أحد في ظل سقف الدستور وإمارة المؤمنين.
رابط المشاركة :
شاهد أيضا
