الصمدي يكتب عن الخلفيات التخريبية لاستهداف البخاري وأصول السنة

خالد الصمدي


قرأت كثيرا من التحليلات التي تفسر الهجوم على صحيح البخاري، باعتبارها قضية فعل ورد فعل شخصية، وكلها يجمعها الاشتغال بالموضوع لوحده منعزلا عن سياقه والقضايا ذات الصلة به.
إنها تحليلات التي تبدو قاصرة عن إدراك حقيقة الصراع الهوياتي بالمغرب حين يعزل عن سياقه الذي يستهدف منذ مدة ليست باليسيرة عبر محطات متدرجة ما يعرف بتكسير الطابوهات، مع استغلال ضعف تكوين الجيل الحالي جيل الفضاء الازرق بأسس كثير من الثوابت الدينية والوطنية الجامعة، واستغلال انفتاح الدولة على مراجعة وتحديث قوانينها منذ دستور 2011 إلى اليوم، مع حرصها على الوفاء لأصولها وثوابتها الدينية والحضارية وتاريخها وتجاربها الإصلاحية مع السعي الموزون للانفتاح على قضايا العصر ومتطلباته وتحولاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتفاعل معها بروح مقاصدية وقيمية.
ومع ظهور قصور وعجز كبيرين في إحداث اختراقات في ظل وجود هذه التوجيهات المؤطرة بالدستور، ووجود المؤسسة الدينية الموكول إليها أمر الاجتهاد في المستجدات وإصدار الفتاوى بشأنها.
تم الاشتغال على إثارة مواضيع في الفضاء العام الذي يضعف فيه حضور النقاش العلمي، وذلك من قبيل:
-الدعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام تحت ذرائع مختلفة ، وتحريم الإجهاض، والترويج للعلاقات خارج إطار الزواج باعتبارها علاقات رضائية بمناسبة مناقشة القانون الجنائي.
– الدعوة إلى إعادة النظر في نظام الإرث وقطعياته، ونظام الأسرة وقواعده بمناسبة فتح النقاش حول إعادة النظر في بعض مقتضيات مدونة الأسرة.
-الدعوة إلى الفصل بين المنظومة التربوية وقضايا الهوية الدينية وتعويضها بالسلوك المدني بتفسير يتقابل مع الدين ويناقضه، بمناسبة الدعوة إلى إخراج رؤية استراتيجية وقانون إطار لإصلاح المنظومة التربوية.
-إثارة النعرات اللغوية والعرقية التي رفضها المغاربة على مر تاريخهم، كلما أثيرت قضايا اللغة والثقافة والتاريخ، خاصة في مناقشة القوانين ذات الصلة باللغات والثقافات المغربية الموحدة متعددة الروافد.
وحين عجز القوم عن إحداث اختراقات في هذه الملفات، لأن الاحكام والتوجيهات والقيم التي تؤطرها تستمد من القرآن الكريم ومن المحفوظ الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تم تغيير الاستراتيجية فتوجه بعضهم منذ وقت مبكر إلى الهجوم والطعن في الأصول فظهر:
-الطعن في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتشكيك في الكثير من أحداثها ووقائعها إلى حد التجرؤ على وسم رسائله الشريفة إلى ملوك عصره بالخطاب الإرهابي.
-الطعن في مصادر السنة النبوية بداية بصحيح البخاري وفق خطة متدرجة تجعل موطأ الامام مالك آخر كتب الحديث التي سيطعن فيها رهبة وليس رغبة في انتظار نضج شروط ذلك.
-تهييء الشروط المواتية للطعن في القرآن الكريم نفسه، وإثارة الشبهات حول جمعه وكتابته وروايته في حلقة قادمة.
إنها حملة منسقة منظمة طويلة النفس تستهدف كيان هذا البلد الأمين القائم على الدين المتين، ومؤسسة إمارة المؤمنين بعمقها التاريخي والديني والحضاري.
لذلك وجدنا في كل ملف من الملفات التي ذكرناها، خروجا قويا لهذه المؤسسة التي ينفرد بها المغرب لتأطير النقاش العمومي بشأنها، ورسم حدوده بما لا يتعارض مع الأصول الشرعية ولا ينغلق عن التفاعل مع قضايا العصر ومستجداته.
وفي هذا السياق أصدر أمير المؤمنين تعليماته السامية إلى الحكومة منذ وقت مبكر في رسالته أثناء تنصيب المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية بالقصر الملكي بمدينة الدار البيضاء “قصد اتخاذ التدابير اللازمة بأناة وتبصر لعقلنة وتحديث وتوحيد التربية الإسلامية والتكوين المتين في العلوم الإسلامية كلها في إطار مدرسة وطنية موحدة” 2004، باعتبار أن هذا التوحيد والتكوين صمام أمام ضد التطرف بشقيه.
كما أمر أمير المؤمنين بإدماج السلوك المدني في المنظومة التربوية معتبرا أن الثوابت الدينية والوطنية جزء لا يتجزأ منه حيث عرفه حفظه الله بقوله “إن الغاية المثلى من تنمية السلوك المدني هي تكوين المواطن المتشبث بالثوابت الدينية والوطنية لبلاده، في احترام تام لرموزها وقيمها الحضارية المنفتحة، المتمسك بهويته بشتى روافدها، المعتز بانتمائه لأمته، المدرك لواجباته وحقوقه” 2007.
وفي الشق الأسري والاجتماعي أمر حفظه الله بمراجعة مدونة الأسرة مرتين بنفس المنهجية، وأمر حفظه الله بإصلاح المنظومة القضائية ومراجعة القوانين ذات الصلة بالأحكام القضائية وعلى رأسها القانون الجنائي، وأطر كل ذلك بقولته المأثورة حفظه الله “وبصفتي أميرا للمؤمنين فلن أحل حراما أو أحرم حلالا لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية” 2022.
وقوله في خطاب العرش الاخير 2023 “في ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث بالجدية، بمعناها المغربي الأصيل -أولا: في التمسك بالقيم الدينية والوطنية، وبشعارنا الخالد: الله – الوطن – الملك؛ ثانيا في التشبع بالوحدة والترابية للبلاد؛
-ثالثا: في صيانة الروابط الاجتماعية والعائلية من أجل مجتمع متضامن ومتماسك؛”.
وفي ظل هذه التوجهات الواضحة التي تؤطر أوراش الإصلاح في المغرب، وبالنظر إلى عجز من يستهدف خلخلة ثوابت الدينية للأمة عن خوض المعركة بالآليات العلمية والمنهجية والنقاش العلمي الجاد، والحضور في المؤسسات، لجأ البعض إلى أسلوب الإثارة ونقل النقاش في هذه المواضيع التي تحتاج الى دقة وأدوات منهجية في البحث العلمي والفهم النصي والمقاصدي، الى الفضاء الازرق المفتوح على الجميع، وذلك باستثمار اندفاع بعض المؤثرين الذين عانوا من العزلة العلمية والحضور في المشهد العلمي والثقافي والمؤسساتي، لخوض المعركة بعبارات مثيرة تمتح من قاموس التكفير والتفسيق والتجهيل والطعن والتشكيك ونشر الارتياب في الأصول، بهدف الوصول الى تفكيك بنية الممانعة كما يقولون، وإحداث اختراق في جدارها، ثم الاشتغال بعد ذلك بإعادة البناء وفق نسق مختلف.
الخلاصة يا سادتي أن الأمر لا يتعلق بصحيح البخاري بل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها والتي هي البيان العملي التطبيقي لكل القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي يدور حولها النقاش اليوم، ولأن عزل السنة عن القرآن تعطيل للقرآن نفسه الذي عليه يتأسس البنيان.
إن القضية ليست معزولة عن هذا السياق العام، لذلك ندعو الى الوعي به وبتحدياته، والاشتغال بتقوية جبهة الممانعة باعتماد أصول وقواعد النقاش والحوار العلمي الجاد والمسؤول، بعيدا عن ردود الافعال الظرفية التي لا تفيد القضية بقدر ما تأجج أوارها وأوزارها، وذلك بتظاهر جهود كل الغيورين على ثوابت الأمة وأصولها الحضارية والدينية، وفي الحديث تفاصيل.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.