حين يطرح البعض ممن “تعاف” أقلامنا مجرد ذكر أسمائهم، من جنس مقترفي ” كلنا إسرائيليون ” ومن يشتغل عندهم، سؤالَ حصيلة ما يقع في غزة، ليخلصوا من باب ” وسقطت الطائرة في الحديقة”، بأن ” حركة حماس تجردت تماما على حد قولهم من أي رابط مع الإنسانية ومع الفلسطينيين، وهي تؤمن في قرارة نفسها بأن هذه الدماء بالحجم المرعب الذي أريقت به، مجرد قربان ضروري وعادي لكي تظل الحركة رقما صعبا وأساسيا في معادلة القطاع، بعد أن ينتهي كل هذا الدمار.”
هذا بالنص ما اقترفه مدبج افتتاحيات جريدة ” كلنا إسرائيليون” اليوم الجمعة، وهي لا تخرج عن المنهج العام أو قل بعبارة أدق “الدرك الأعفن”الذي تلغ فيه الجريدة باستمرار ومعها كل الامبراطورية الإعلامية لعميل منظمة JISS الإسرائيلية.
هذا الإسهال الذي ألف صاحبنا الولوغ فيه كل يوم من باب إظهار ” الحداكة ” لولي نعمته ومشغله، وأنه ليس فقط ” يعرف العلم ولكن كيعرف يزيد فيه”، يؤشر على أن هذه العينة من أبناء جلدتنا وممن نتقاسم معهم نفس الهواء، لا يشبهون المغاربة الأحرار في شيء، وأنهم يشبهون أولئك الخونة الذين مروا في غفلة من تاريخ هذا البلد وبالتأكيد لن يكونوا هم الأخيرين في ذلك، فتلك سنة الله في خلقه ستبقى جارية إلى أن يأذن الله بذلك.
هؤلاء يشبهون كل الخونة في تاريخ المغرب الذين صنعوا لأنفسهم طوعا أو كرها مبررات لفعلهم الشنيع والساقط، من قبيل كون فرنسا متفوقة علينا عسكريا ومواجهتها تعني الانتحار، وأن قدرنا أن نستسلم لإرادة المعمر ونرضى بما “يقسمه” من أقوات وأرزاق ومصائر.
لو أن أجدادنا الأحرار وأباءنا الأبرار استسلموا لهذا المنطق الأعوج، لكنا إلى اليوم نرزخ تحت نير الاستعمار والاستعباد، ولهذا لم يلتفت أجدادنا لهذا المنطق البئيس والمنهزم درجة الانبطاح والخيانة، بل شمروا على ساعد الجد والجهاد، ولم يبالوا بميزان القوى ولا تفوق المستعمر في العدة والعتاد، واعتبروا الحسم في مثل هذه المعارك تصنعه العقيدة والإيمان وتخلق النصر فيه عدالة القضية ونبلها، ودون ذلك تهون كل التضحيات، لأنهم أصلا إنما قاموا وقاوموا تضحية وفداء، واستعدادهم للموت لا يقل عن إيمانهم بقضيتهم، بل إن بداهة عدالة قضيتهم من بداهة استعدادهم للموت والتضحية، وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وفي الحالة التي يناقشها صاحب “القرف” الذي أشرنا إليه سابقا، واستجابة لدعوته للهدوء في النقاش، فإننا نهمس في أذنيه، إنك يا هذا، تُسقِط فيما تقترفه بإصرار ومكابرة، معطى أساسيا لا يستقيم نقاش بدونه، ويتعلق الأمر بوجود احتلال غاصب للأرض، معتدٍ على الحقوق، ومستبيحٍ لكل شيء وغير مكترثٍ بكل القوانين والأعراف، ولسنا في موقع تعليمك بـــ “الخشيبات” ، أنه حيث ما وجد استعمار واحتلال توجد مقاومة، وهذه الأخيرة في كل القوانين والأعراف منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مباح لها أن تفعل كل شيء من أجل استرداد حقها، واسترجاع حريتها وحرية أرضها، وكل نقاش يساوي بين موقع “المحتل” وموقع المقاوم” أو يلغيه أويقفز عليه، هو نقاش غير بريء، ومنحاز لجهة الاحتلال والعدوان، ويمارس التضليل لصالحه، وبمعنى أكثر وضوحا ومباشرة، إنه نقاش يلغ من محبرة الخيانة و”قلة الحيا”.
إن من يقرأ الخلاصة التي خرج بها صاحبنا التي يحمِّل فيها مسؤولية من سقط من شهداء غزة لحماس ولحركات المقاومة التي انخرطت في عمل مشترك مبهر وغير مسبوق، ومؤلم جدا للعدو الصهيوني باعتراف هذا الأخير نفسه، يظن أن العدو الصهيوني قبل 7 أكتوبر كان يرمي الورود والشوكولاطة على أبناء غزة والضفة الغربية وعموم فلسطين التاريخية، وأنه لولا ما قامت به حركة حماس يوم 7 أكتوبر فهذا “العدو الصهيوني” ما كان ليكشر عن أنيابه ويقترف هذه الإبادة غير المسبوقة في تاريخ البشرية، وهذا لعمري هو “تبياع العجل بشحمه ولحمه”، فتاريخ الصهيونية ودويلتها الإرهابية، هو تاريخ دموي بسبق الإصرار والترصد منذ البواكير الأولى وحتى قبل قرار التقسيم، حيث ارتكبت مجازر للأسف لم توثقها الكاميرات كما اليوم، من قبيل ما وقع في دير ياسين وكفر قاسم وغيرها، مرورا بصبرا وشاتيلا وقانا وغيرها، وفي هذا التاريخ الدموي مارست “إسرائيل” لعبة الموت بكل وحشية، فقتلت الأطفال والنساء واستهدفت كل من يدب على الأرض بدون تمييز، واستهدفت بالخراب والتدمير المدارس والمستشفيات وتدمير المنازل على ساكنيها الآمنين.
كل هذا التاريخ وهذا الواقع الدموي لا تبصره عين صاحبنا الحسيرة، ومن والاه ممن هواهم صهيوني كما صرح مشغله ذات اعتراف “كلنا إسرائليون”، وترى فقط أن حماس قامت بحركة جلبت الدمار على الفلسطينيين، وتضخم ذلك بل تصنع منه سردية لتبرير جرائم “إسرائيل” أو على الأقل التهوين منها في مقابل تهويل فعلٍ مقاومٍ ومشروع في كل القوانين والشرائع والأعراف، كالذي قامت به حماس بكل بطولة يوم 7 أكتوبر المجيد.
حركة حماس حركة مقاومة وتحرر وطني قدمت الكثير من أبنائها وقيادييها في هذا الطريق الذي لا ينال شرفه إلا أصحاب الهمم والعزائم العالية.
ولنذكر صاحبنا إن كان التذكير ينفع مثله، أن إسرائيل قبل 7 أكتوبر استهدفت بصاروخ رجلا مقعدا في الخريف من عمره، اسمه أحمد ياسين، وهو في طريقه من المسجد بعد أداء صلاة الصبح، هذا لشيخ القعيد تهمته الوحيدة أنه أسس حركة للمقاومة اسمها حماس.
ونذكره أيضا أنه في أقل من شهر بعد ذلك، صاروخ آخر يستهدف الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي تولى قيادة حماس بعد الشيخ المؤسس أحمد ياسين،
ونذكره أيضا بأن في بداية هذا العدوان على غزة، فقد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أربعة عشر فردا من عائلته، منهم ابنته وحفيدته وآخرين، كما أنه تعرض لمحاولات اغتيال كثيرة واستهدف بيته في مخيم الشاطئ وسط غزة مرات عديدة.
حركة حماس جزء من المجتمع الفلسطيني، ويلحقها ما يلحق كل أبناء فلسطين من أذى العدو الصهيوني تقتيلا وتشريدا وتدميرا، وتصوير حماس خارج هذا الإطار، هو خدمة للسردية الصهيونية، ولا يختلف صاحبها في شيء عن أفيخاي أدرعي وبقية أبواق الصهيونية، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وسواء فعل ذلك سذاجة أو بمقابل.
وحتى الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تبدي انزعاجها من الكلفة الأخلاقية والسياسية لاصطفافها مع “إسرائيل”، فأول أمس صرح بايدن بأن ما اسماه بــــ “المركز الأخلاقي لأمريكا ” في العالم قد تأثر بما تفعله “إسرائيل” من قصف عشوائي على غزة، وهو الرئيس الذي قال كم مرة أنه ليس ضروريا أن تكون يهوديا لأن تكون صهيونيا، وأنه لو لم تكن هناك “إسرائيل” فإن أمريكا ستقوم بصنعها.
وختاما، ومادام صاحبنا يعشق الحديث في الحصيلة، أحيله على حديث المتحدث باسم الجيش الصهيوني اليوم حين قال وبالحرف: إننا ندفع أثمانا باهظة لتحقيق أهداف الحرب المعلنة !!!!
فإذا كان صاحبنا موضوعيا فعليه أن يضع مثل هذه التصريحات في اعتباره، حتى يكون لكلامه معنى، وإلا فإنه مجرد “ببغاء” يعيد تدوير السردية الصهيونية ليس إلا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
هامش لابد منه:
آلاف المشاهد المصورة التي تعج بها المنصات الرقمية والقنوات الفصائية، لغزيين في عز ألمهم، ولا أحد منهم تذمر من المقاومة ومن حماس، الكل محتضن للمقاومة، صابر في طريقها محتسب بسخاء من أجلها، وربما هذا ما يزعج ” إسرائيل” ويجعلها مصابة بجنون الانتقام من كل شيء، وتركت لطابورها الخامس أن يلغ في مستنقع الوقيعة بين أهل غزة وحماس وحركات المقاومة، ولله في خلقه شؤون.
