حامي الدين يكتب: بفضل جنوب إفريقيا..الاحتلال الصهيوني أمام العدالة الدولية بتهمة الإبادة الجماعية

عبد العلي حامي الدين


على مدى يومي الخميس والجمعة 11-12 يناير شرعت محكمة العدل الدولية في الإجراءات القضائية المتعلقة بمناقشة الشكاية المقدمة من طرف دولة جنوب إفريقيا ضد دولة الاحتلال.. هذه الأخيرة التي تقف لأول مرة أمام العدالة الدولية بتهمة ارتكاب جريمة “الإبادة الجماعية” ضد الشعب الفلسطيني.
الدلالات الرمزية لهذه المبادرة لا تخفى على كل من يعرف تاريخ الشعب الجنوب-إفريقي ونضاله الطويل ضد نظام الفصل العنصري للبيض المدعوم من طرف بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ومعظم الدول الأوروبية، وهو نظام لايقل سوءا عن نظام دولة الاحتلال العنصري الاستيطاني الإسرائيلي، التي ظلت آخر دولة مساندة لنظام الآبارتيد في بريتوريا.
نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من سنة 1948 تم إلغاؤه بين 1990 – 1993 بفضل المقاومة التي خاضها السود بزعامة نيلسون مانديلا الزعيم التاريخي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي وقائد مقاومته المسلحة ضد النظام العنصري، الذي تحررت معه جنوب إفريقيا من الآبارتايد ونجح في رئاسة الدولة في أعقاب انتخابات ديمقراطية عام 1994.
جنوب إفريقيا اختارت بالموازاة مع الطلب الذي تقدمت به لدى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من أجل فتح تحقيق في الجرائم المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني (جريمة الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية)، أن تتوجه أمام محكمة العدل الدولية التي يقع مقرها في لاهاي، والتي تعرف اختصارا ب: ICJ باعتبارها الهيئة القضائية الرئيسية لمنظمة الأمم المتحدة التي تتمتع باختصاص قضائي واسع وتنظر في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول انطلاقا من القانون الدولي، كما تقوم بإصدار الآراء الاستشارية بطلب من هيئات الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة التابعة لها.
إدانة الكيان المحتل بجريمة الإبادة الجماعية ستكون مقدمة لمحاكمة قادة الاحتلال أم المحكمة الجنائية الدولية، لكن المأمول الآن بشكل مستعجل هو أن تستجيب محكمة العدل الدولية للمطالب المستعجلة المؤقتة المتمثلة في الوقف الفوري لإطلاق النار.
تجدر الإشارة أن الولايات المتحدة الأمريكية سحبت اعترافها بالصبغة الإلزامية لقرارات هذه المحكمة التي تتألف من 15 قاضيا تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لمدة تسع سنوات، من بينهم القاضي المغربي البارز محمد بنونة، ولا يسمح نظام المحكمة بوجود قاضيين يحملان نفس الجنسية، ويمثل القضاة المنتخبين الأنظمة القانونية الرئيسية في العالم ويعكسون التنوع الحضاري للأمم والشعوب.
جنوب إفريقيا دولة مصادقة على “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” لسنة 1948 المعروفة باسم “اتفاقية الإبادة الجماعية”، كما أن الدعوى وضعت ضد دولة الاحتلال المصادقة بدورها على الاتفاقية، التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من 12 يناير سنة 1951.
وقد حرصت جنوب إفريقيا على دعم شكايتها بالوثائق والأدلة التي تدين الاحتلال بالعمل من أجل الإبادة الجماعية، في مرافعة قانونية قوية من 84 صفحة باللغة الإنجليزية.
وتقوم دعوى جنوب إفريقيا على مجموعة من الوثائق والأدلة التي تثبت الانتهاكات الصريحة لمقتضيات الاتفاقية المذكورة وتسلط الضوء على أهم التجاوزات التي تهدف إلى القضاء على جزء كبير من الفلسطينيين باعتبارهم مجموعة وطنية عرقية وإثنية فلسطينية تشكل جزءا من المجموعة الفلسطينية، وهي اعتبارات تدحض الرواية الصهيونية التي تحاول التنصل من النية في الإبادة الجماعية بناء على تأويل خاص لمقتضيات الاتفاقية، وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك الإدانة الثابتة في حق حكومة الحرب الإسرائيلية التي يتولى قادتها التحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية وتعمد قتل الفلسطينيين في غزة، وإلحاق الأذى الجسدي والعقلي الخطير بهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تصفيتهم جسديًا، وهي أهداف موثقة بالصوت والصورة على لسان قادة الاحتلال الذين يصدرون أوامرهم للجيش بقصف المدنيين والتعامل مع سكان غزة كحيوانات بشرية.
أكثر من مائة يوم وغزة تحت النار، قصف مدفعي وصاروخي من البر والبحر والجو لا يتوقف على مدار الساعة مستهدفا البشر والحجر..
الاستهداف الممنهج للمدنيين لم يتوقف مخلفا أزيد من 23 ألف شهيد معظمهم من الأطفال والنساء، مئات الأطباء والصحافيين وأساتذة الجامعات وكل من يمثل النخبة المثقفة للمجتمع يتم استهدافهم بالصواريخ الموجهة والقنابل الذكية عبر سلاح الجو الأمريكي الذي وضع بسخاء كبير رهن إشارة آلة التدمير الصهيوني لتنفيذ مخطط الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني والدفع به نحو التهجير القسري من أرضه في نكبة جديدة لا تقل بشاعة عن نكبة 1948..
القصف المتعمد للبنيات التحتية والأحياء السكنية والمآثر التاريخية والمنشآت العمرانية ودور العبادة من مساجد وكنائس بالموازاة مع قطع الماء والكهرباء والغاز والوقود، كلها أفعال تعني شيئا واحدا: الحرمان المتعمد من أسباب الحياة وكسر إرادة الشعب الفلسطيني ومقايضة الصمود الأسطوري للمقاومة المجيدة بالتنكيل بالمدنيين ومواصلة حرب الإبادة الجماعية ضدهم.
أمام هذه الحرب العدوانية التي ارتكبت فيها جميع أنواع الانتهاكات المحرمة بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وفي الوقت الذي تداعت فيه معظم الحكومات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لدعم العدوان الصهيوني بمختلف أنواع الدعم العسكري والسياسي يبدو المشهد في العالم العربي والإسلامي موزعا بين إرادة الشعوب المساندة للشعب الفلسطيني وبين عجز الأنظمة السياسية التي اختار بعضها التواطؤ مع العدو، وبعضها الآخر اختار الصمت ومتابعة المشهد بانتهازية وقحة منتظرا نهاية الحرب ليرتب موقفه على ضوء نتائجها، والبعض الآخر اكتفى بالتعبير على بعض المواقف الداعمة سياسيا وإعلاميا للشعب الفلسطيني عاجزا عن تقديم الدعم والمساندة التي يحتاجها الشعب الفلسطيني في هذه اللحظات العصيبة.
وحدها دولة إفريقية نجحت في جر دولة الاحتلال إلى العدالة الدولية متهمة إياها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في حق الشعب الفلسطيني..
هي مبادرة نوعية أظهرت للعالم العربي والإسلامي ممكنات الدعم في مثل هذه الظروف..
نعم ينبغي دعم الشعب الفلسطيني في معركته العادلة والمشروعة ضد الاحتلال الاستيطاني المتواصل منذ 76 سنة بالسلاح العسكري أولا، فإن لم يكن فبالدعم الإنساني ورفع الحصار عن غزة ومدها بأسباب الحياة من طعام وشراب ودواء، فإن لم يكن فبالدعم الدبلوماسي والسياسي والمطالبة الملحة بالوقف الفوري لإطلاق النار واستقبال القادة السياسيين للمقاومة الذين يوجدون في الخارج والتعبير عن التضامن معهم ورفع الحصار عنهم، فإن لم يكن فبالدعم الإعلامي وتسليط الضوء على جرائم الاحتلال في القنوات التلفزيونية العمومية التابعة للدول ووقف برامج التفاهة والسهرات المقرفة في مثل هذه الظروف، وذلك أضعف الإيمان..
ليسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.