الشوباني يكتب-4-: هل نجح طوفان الأقصى في الإجهاز استراتيجيا على “الحل الصهيوني” لـــ “المسألة اليهودية” من المسافة الصفر؟

د الحبيب الشوباني


 

[تحولات أساسية في “المسألة اليهودية” إبان عصر التنوير: انقلاب الصورة]

1 .لاعتبارات ذاتية متعلقة بطبيعة الشخصية اليهودية، وأخرى موضوعية متعلقة بطبيعة المجتمعات المسيحية، تضافرت عوامل دينية واقتصادية وسياسية متداخلة ومعقدة جعلت يهود أوروبا يخرجون من القرون الوسطى بحصاد تاريخ مُثْخَن بفشل مأساوي في تطبيع وجودهم مع مجتمعاتها؛ عناوين هذا الفشل تجلت في ممارسات العزل/الانعزال الاجتماعي في “الجيتوهات”، الطرد والإبعاد المتكرر، المذابح، مصادرة الممتلكات، تقييد النشاط بتشريعات خاصة، المنع من الإقامة في مدن ومناطق محددة، المنع من ولوج أماكن معينة، إلى غير ذلك مما كانوا يسامونه من سوء العذاب النفسي الذي أنتج ما يعرف في السرديات الأدبية الأوروبية بنفسية “اليهودي التائه/ المتجول/ الحائر/le juif errant”.

2 . “عصر التنوير l’ère de Lumières” الذي فيه خرجت أوروبا من ظلام القرون الوسطى ومعها “اليهودي التائه”، هو ثمرة لثلاثة روافد كبيرة: (١) تراكمات اختراع  المطبعة في ألمانيا في العام 1440، والتي أشعلت ثورة في عالم الطباعة ومكنت من انتشار الكتب والمعرفة على نطاق واسع، (٢) انتهاء الحروب والفتن الدينية التي عمرت طويلا، وأدت إلى تنامي التيارات الفكرية التي تعمل على استبعاد الدين من الحياة العامة، (٣) بروز مقومات الدولة الحديثة كما صاغتها الثورة الفرنسية، والتي تعززت معها ثقافة وتشريعات المساواة وحقوق الإنسان، بناء على “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” (1789)، و” وثيقة الحقوق الأمريكية” (1791)..وبهما خرج اليهودي نحو المساواة.

3 . ظلت “المسألة اليهودية” على علاقة بالتحولات الفكرية التي جاء بها عصر التنوير ، مستفيدة من هذه التحولات في اتجاه طي صفحة الإرث المسيحي، وتجاوز الإشفاق على اليهودي التائه لتحريره بالمساواة بدل معاداته وإذلاله. صوَّرت هذا التحول روايات أدباء مسيحيين مرموقين اشتهر منها في الأدب الفرنسي رواية ” le juif errant” المنشورة سنة 1844، للكاتب Eugène Sue (1804-1857)، والتي يُعتبر عنوانها مجرد استلهام رمزي لمحنة اليهودي التائه، لنسج قصة صراع ممتد في التاريخ بين عائلتين فرنسيتين عريقتين؛ وقد حولها المخرج الإيطالي Goffredo Alessandrini سنة 1948إلى فيلم سينمائي يروي فيه قصة يهودي قومي ثري معاصر ليسوع، لم يتحمل منهجَه السلمي الذي اعتبره عقبة تمنع تحرير اليهود بالثورة من النير الروماني ، ولذلك حرض الناس ضد يسوع ومنع زوجته من تقديم الماء لمن تقدم فاديا له على الصليب.

4 . الرواية الثانية التي ألفها عضو الأكاديمية الفرنسية Jean d’Ormesson(1925-2017)، رسم من خلال سرديتها الفنية ملامح الحالة النفسية الخاصة باليهودي كما صنعته القرون الوسطى. في روايته “حكاية اليهودي التائه Histoire du juif errant”، يلخص d’Ormesson صورة التحول الثقافي من عداء القرون الوسطى وجحيمه، نحو حالة التعاطف، ثم الانبهار بالعبقرية، وصولا للتسليم بالقبول بهيمنة اليهودي، بعد قرون من التيه والمنبوذية. يقول: ”Les Juifs, dit-il, n’en finissent pas d’être crucifiés par un monde qu’ils comprennent et transforment et dominent mieux que personne.” / إن اليهود لا يتوقفون أبدًا عن أن يُصْلَبُوا من قِبَلِ عالم يفهمونه ويحولونه ويهيمنون عليه، بشكل أفضل من أي شخص”.

5 . في هذا التعبير اعتراف بحقيقتين تاريخيتين متلازمتين : “حقيقة أن عبقرية اليهودي تقوده دائما نحو الاكتشاف المتأخر لحقيقة “الصَّلب la crucifixion” الذي ينتظره في نهاية كل مطاف!” وهذا يسمح باستنتاج حقيقة قاسية ثالثة يدركها اليهودي بحكم الخبرة التاريخية، وهي أن “الصورة التي يرسم اليهودي دائما عن نفسه، وقوته، ونفوذه، وإحاطته بالواقع الذي يتحرك فيه، صورة مجانبة للحقيقة، وتقوده حتما للوقوع في جحيم الفشل المأساوي الذي لازم تاريخه”.

6 . من المفيد هنا تَذوُّق هذا المقطع المُبدع الذي يلخص حالة التجوال الحائر التي عاشها “شمعون/Simon” – بطل الرواية كما صوره d’Ormesson – وهو يصف تيهَهُ الذي حوله إلى قوة وهيمنة سلَّم له بها أعداؤه:

[ وصل سيمون سنة 1980 إلى البندقيةVenise. شخص غريب، يمشي للأبد، دون أن يجد راحة الموت، أَدَانَهُ يسوع الذي رفض إسعافه بكأس ماء وهو يُقاد إلى الصَّلْب على ربوة Golgotha/Calvaire خارج أسوار القدس. باسم Ahasvérus كان مُصلحَ أحذية بالقدس في العام الأول الميلادي، وتحت هويات مختلفة أصبح قريبًا من Ponce Pilate (حاكم يهودا في نهاية القرن الأول قبل الميلاد في عهد الامبراطور Tibère)، ومن نيرون Néron (حاكم روما في القرن الأول الميلادي)، ومن Alaric (ملك القوط Wisigoths في نهاية القرن الرابع الميلادي)؛ وعشيق Popée (الزوجة الثانية لنيرون)، وPauline Borghèse (الأخت المفضلة لنابليون بونابارت، توفيت سنة 1825)، والكونتيسة الأسطورية Thamar (شخصية توراتية لها قرابة مع النبي يعقوب)؛ رفيق درب الملك فريدريك الثاني (من ملوك الروم الذين ضموا القدس إلى حكمهم، توفي سنة 1250)، والصليبيين، والخان العظيم (أوقطاي خان، الإبن الثالث لجنكيز خان المغولي وأول خلفائه بعد موته، توفي سنة1241)، والقديسFrançois (من كبار القديسين في تاريخ الكنيسة، توفي 1226)، و Zurbaran (رسام إسباني توفي سنة 1664)، وكريستوفر كولومبوس، وChateaubriand (سياسي من أعلام الأدب الفرنسي، توفي سنة 1848)؛ ممثل مجهول في التاريخ، لكنه ممثل رئيسي تحت أسماء متعددة وتحت مظهر شخصيات متلونة، إنه اليهودي التائه، حامل الخطيئة الأولى، يتحمل عن الإنسانية تعاقب صورها الرمزية، من الأكثر سموًا إلى الأكثر إذلالًا للكرامة ! من خلال المقابلات الرائعة التي أجراها أمام الجمارك البحرية، ومع الشابة الساذجة ماري، يروي قصته وتيهَهُ الذي لا نهاية له في الزمن، وفي فضاء البحر الأبيض المتوسط وتاريخه، من لشبونة إلى ضفاف نهر السند وقلب البحر الأبيض المتوسط، إلى الصين. هل هو مجنون، مختلق، أسطورة حقيقية مجسدة أو مجرد حُلم لليهودي التائه؟ ].

(يتبع..المقالة الخامسة)

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.