هل الإرث بالتعصيب محض اجتهاد؟

خالد الصمدي


استمعت إلى بعض الحوارات التي تفتحها بعض وسائل الإعلام مع بعض الفاعلين في الساحة السياسية والاعلامية، دون أن يكون للعلماء فيها حضور باستثناء حوار يتيم مع العلامة الدكتور مصطفى بنحمزة، حيث تستغل بعض هذه الوسائل حماس المستجوبين الذين تنقصهم العدة الشرعية لطرح قضايا معقدة تتطلب التروي والتأني وعدم التسرع، فيستصدرون منهم آراء متسرعة تصبح مثار تشويش لدى الرأي العام، في قضايا تتعلق بشرع الله ومنها. قضية التعصيب، ولا تتعلق بسياسة عمومية يمكن ان تكون محل خلاف وتوافق، وتغيير في الرأي بين عشية وضحاها.
وقد وجدت في بعض هذه الاجوبة المتسرعة نزوعا إلى التماهي مع مطلب إلغاء الإرث بالتعصيب أو إعادة النظر في بعض مقتضياته، باعتباره اجتهادا يمكن أن يتغير بتغير الزمان.
والحال أن نظام الإرث في الاسلام كما هو معلوم لدى الجميع كله فريضة من الله وبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مجال فيه للاجتهاد سواء في ذلك الإرث بالفرض أو الإرث بالتعصيب، فحين يقول الله تعالى: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين”، فهذا إرث بالتعصيب بين الأبناء ذكورا وإناثا لا يقبل الاجتهاد، وحين يقول تعالى: “فإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم”، فهو نص قطعي في الإرث بالتعصيب بين الإخوة لا يحتمل التأويل ولا الاجتهاد، وحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر” رواه البخاري ومسلم، فهو نص صريح لا يقبل التأويل ولا الاجتهاد، وهكذا يتضح أن الإرث بالتعصيب لا مجال فيه للاجتهاد.
وتبقى الحالة التي يتداولها النشطاء ويركبون عليها للدعوة إلى إلغاء نظام الإرث بالتعصيب هي حالة ميراث الاعمام أو أبنائهم إن اجتمعوا في التركة مع بنت أو بنات المتوفى حين غياب الابن الذكر العاصب، مع إثارة ما يترتب عن ذلك من ظلم محتمل للبنات وأمهم، فهذه الحالة الوحيدة لا يمكن أن تقوم مسوغا على الدعوة إلى إلغاء نظام التعصيب برمته والذي تؤطره نصوص قطعية، لأنها لا تتعلق بخلل في منظومة الإرث يقتضي الإصلاح، ولكن مردها إلى خلل في نظام العلاقات الاجتماعية الذي ينبغي الاشتغال العميق بإصلاحه.
وقد تضمن الفقه الاسلامي حلا لهذه النازلة في نظام الهبة والصدقة دون المساس بنظام الإرث، ويتمثل هذا الحل في هبة الأب لابنته أو بناته ما يشاء من ممتلكاته قيد حياته إن خشي عليهم ضيق العيش بعد وفاته مع احتفاظه بحق الانتفاع منها، وينتقل هذا الانتفاع إليهم بوفاته، وهذه المعاملة يسميها الفقه الاسلامي بالعمرى وهي جائزة شرعا ولا خلاف فيها.
وبذلك يكون الفقه الاسلامي قد اجتهد من خارج نظام الإرث في رفع ما يمكن أن يقع من ظلم اجتماعي لا علاقة له بنظام الإرث بقدر ما له علاقة بفساد الطباع والعلاقات الاجتماعية، لأن الأصل أن يكون الوارث بالتعصيب حاميا للأنثى لا مضارا لها، وقد يصل به الأمر إلى التنازل لها عن حقه في الإرث توددا لها وصلة إن رأى في أخذ نصيبه من الإرث ضررا بها، وقد أعطت الدولة مثالا من نفسها على ذلك حين تنازلت في النص الحالي للمدونة عن حقها في الميراث بالتعصيب (بيت المال) للورثة الوارثين بالفرض عند عدم وجود عصبة.
وعليه فإن دعاوى إسقاط الإرث بالتعصيب برمته أو تغيير بعض مقتضياته بدعوى أنه اجتهاد دعوى باطلة ولا تستند إلى أي أساس شرعي، إنما الغرض منها خلخلة نظام الإرث عروة عروة، لا أقل ولا أكثر.
وعوض أن تشير الأصابع إلى مكان الخلل وهو فساد العلاقات الاجتماعية والسعي إلى إصلاحه، وجهت أصابع الاتهام إلى نظام الإرث في الاسلام في محاولة لتغييره، وهو المنظومة المتكاملة التي تحقق أروع صور العدل والمساواة لأنها تنزيل من عليم حليم، نقطة إلى السطر.
الكلام هنا ليس موجها الى السامري وعبدة العجل، لأن المجادلة معهم في أصل القرآن والسنة وليس في فروعهما.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.