محمد عصام يكتب: التمويلات المبتكرة أو حين تقترف الحكومة “من لحيتو لقم ليه”

محمد عصام


 

من بين القضايا التي استأثرت بالاهتمام عقب الندوة الصحفية التي نظمها حزب العدالة والتنمية الثلاثاء الماضي. ما جاء على لسان الدكتور ادريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجلس الوطني للحزب، والوزير الأسبق المنتدب في الميزاينة، بخصوص ما يسمى “التمويلات المبتكرة”.
وحتى نفهم جيدا ما وقع، لابأس من التذكير بقصة جحا مع بعض ضيوفه، والذين عمد إلى جمع نعالهم وبيعها في السوق ليطعمهم، وأثناء الأكل كان جحا يصر على ضيوفه بالأكل وعدم ترك أي بقية منه لأنهم إنما يأكلون رزقهم، وعندما جاء موعد الانصراف وجد القوم أنفسهم بلا نعال، فأجابهم جحا: “لقد أخبرتكم بذلك، وكنت صريحا معكم فما أكلتموه هو من رزقكم ولم أخف عليكم شيئا”.
هذه القصة تنطبق على ما تقوم به الحكومة اليوم من خلال ما يسمى “التمويلات المبتكرة” والتي تم الانحراف بها لتصبح مجرد عملية لبيع الأصول العقارية للدولة وكرائها ممن باعتها لهم، حيث من خلال هذه العملية وفي ظل ثلاث سنوات فقط كما قال الأزمي، تحصلت وستحصل الحكومة على أكثر من 80 مليار درهم، وهو ما يضاهي ما حصلته الحكومات المتعاقبة من عملية الخوصصة في ربع قرن من هذه العملية.
الحكومة باختصار تنزل المثل الشعبي الذي يقول “من لحيتو لقم ليه”، والخطورة في هذه العملية بالإضافة إلى كونها تمثل تفريطا غير مبرر في أصول وعقارات تستعمل في مرافق حيوية للدولة كالمستشفيات والمراكز الجامعية الاستشفائية وكليات الطب وغيرها، فإنها تتم على عكس الخوصصة في جنح الظلام وبدون إطار قانوني واضح وملزم وشفاف، كما أنها وعلى عكس الاستدانة التي يقيدها القانون التنظيمي للمالية بأن تكون حصرا من أجل تمويل الاستثمار، فإن الحكومة تستعملها دون قيد أو شرط في تمويل عجز الميزانية، وهنا تكمن الخطورة الكبرى بلا ريب.
ذلك أن الحكومة وعلى عكس “جحا” الذي كان صريحا مع ضحاياه/ ضيوفه، فإنها تمارس نوعا من التدليس إن لم نقل نوعا من النصب والاحتيال، حين تقدم عجز الميزانية مع احتساب التمويلات المبتكرة، وهي بذلك لا تقول الحقيقة، وكذلك حين تقدم المديونية دون أن تحتسب ضمنها ما حصلته من تفويت الأصول، لأنه في الحقيقة دين مقنع، يتم قضاؤه عبر أداء الدولة لمستحقات الكراء الطويل الأمد.
إننا أمام فضيحة سياسية وتدبيرية كبيرة، تعكس المستوى المتدني لما سمي زورا بـحكومة “الكفاءات”، وذلك بلجوئها للحلول السهلة لضمان تمويلات وإن كان المقابل هو التفريط في ممتلكات الشعب والأجيال المقبلة، وبطبيعة الحال الحكومة لن تعترف بسقوطها هذا بل ستدس رأسها في الرمال على عادتها، وستصور الأمر على أنه ذكاء وابتكار ، وهو في الحقيقة لا يعدو أن يكون هدرا لمكتسبات المواطنين برؤية ليبرالية متوحشة ومستهترة بحقوق الأجيال المقبلة وباستدامة المرافق العمومية واستخفاف بالمسؤولية وعجز مدو عن القيام بما يلزم من الإصلاحات لترشيد النفقات وتطوير الموارد العادية.
وهذا يعيدنا إلى أصل المشكل في هذه الحكومة التي تجسد مصالح” الرأسمال المتوحش”، فهي في الجوهر غير معنية بالطبقات والمقاولات الدنيا والمتوسطة وبحماية المرافق والخدمات والممتلكات العمومية، بل هي معنية فقط باستدامة توازنات تخدم استمرارية المصالح الضيقة لفئة صغيرة ومحدودة ومحظوظة على حساب عموم المواطنين والمقاولين، وبغض النظر عن المقابل الذي يجب تأديته.
فهل ستملك حكومتنا بعضا من شجاعة وصراحة “جحا”، وتصارح المواطنين بأن الوفرة المغشوشة التي تظهر من خلال أشكال الدعم المتنوعة وأغلبها يذهب لصالح الفئات المحظوظة، هي وفرة مزيفة وليست حقيقية، وأن حكومتنا بالمختصر المفيد “كتقلينا في زيتنا”.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.