[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

الشوباني يكتب-18-: هل نجح طوفان الأقصى في الإجهاز استراتيجيا على “الحل الصهيوني” ل “المسألة اليهودية” من المسافة الصفر؟

الحبيب الشوباني


 

 

في تاريخ أصول »الحل الصهيوني « ل «المسألة اليهودية « (5) :
قراءة في كِتاب Herzl”دولة اليهود: محاولة لإيجاد حل حديث للمسألة اليهودية” (تتمة)

1. عند قراءة كتيب هرتزل، لا يمكن عدم الانتباه للملاحظة اللافتة التالية: لعلها أول مرة في التاريخ يكتُبُ منظِّرٌ سياسيٌ لدولة يريدها حلا لما يعتقده مظلوميةً تلاحق جماعته الدينية أو العرقية، فيتساءل حائرا مأزوما عن موقع وطن الاستيطان بين قارتين: أيكون فلسطين في آسيا؟ أم الأرجنتين في أمريكا الجنوبية !؟ في كتابه “يوميات هرتزل” أكد مؤسس الحركة الصهيونية العالمية بأنه كان يميل لاختيار الأرجنتين لأربعة أسباب: (1) كون طقس فلسطين، عكس طقس بلاد الأرجنتين، مخالف لما اعتاد عليه اليهود في أوروبا، بالإضافة إلى أن المساحة الجغرافية لفلسطين ضيقة ولا تسمح بالتوسع الاستيطاني( مساحة الأرجنتين تقدر ب 2،78 مليون كلم مربع وتعادل 100 مرة مساحة فلسطين التاريخية المقدرة ب 27000 كلم مربع)؛ (2)أهمية الابتعاد عن أوروبا وسياساتها وتاريخها العسكري الدموي وذكرياتها المريرة مع اليهود؛ (3) توقع صعوبات ومخاطر كبيرة ستواجه المشروع مع المسلمين ودولتهم الجامعة في المشرق، أي الخلافة العثمانية؛ (4) وجود المكوِّن المسيحي الكاثوليكي في فلسطين يطرح تحدي التعامل مع حساسيته، وسيخلق لا محالة توترات مع الفاتيكان، وهو توقع صحيح لأن “الفاتيكان” أصدر بيانا عقب المؤتمر الصهيوني في بازل عام 1897م أكد فيه بإنَّ بناء القدس كي تُصبح مركزاً “لدولة إسرائيل” يتناقض ونبوءات المسيح نفسه. فيما بعد، غيَّر هرتزل اقتناعه وصارت فلسطين أهم وأوْلى من الأرجنتين رغم الطقس وضيق المساحة، بموجب أربعة دوافع جوهرية ناسخة لاقتناعه السابق: (1) فقهُ هرتزل لموازين القوى العالمية واقتناعه بأن بريطانيا – زعيمة الامبريالية الاستعمارية الغربية ساعتئذ – مهتمة بتفكيك الخلافة العثمانية ومنع بروز أي تكتل إسلامي أو عربي إقليمي يكون وريثا لها ومناهضا للهيمنة الغربية، وبالتالي فلا مصلحة لها في الاستثمار في مشروع يحل مشكل اليهود في الارجنتين؛ (2)إيمانه بأن العقلية الاستعمارية المركنتيلية mercantile(التجارية) لن تقدم لليهود خدمة مجانية مقابل تجميعهم في أي بقعة من العالم، وهو ما يعني ضرورة انتهاز الفرصة التاريخية لإرساء تحالف استراتيجي (في إطار مقايضة/troc)بين الاستعمار والحركة الصهيونية العالمية، تقبلُ بموجبهالأخيرة أن تكون قاعدة عسكرية للأولى وخادمة لمشروعها الاستعماري، مقابل توفير الدعم لزرع الكيان الاستيطاني وحمايته من تهديدات المحيط المعادي؛ (3) الوعي بأهمية توظيف الارتباط الديني العاطفي لليهود بفلسطين كما رسخه الأحبار والحاخامات لقرون طويلة في ثقافة اليهود؛ (4) الوعي بأهمية توظيف الاعتقاد الديني المسيحي،خاصة لدى الانجيليين البروتستانت في الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب إيمانهم بنبوءة اقتران عودة المسيح بعودة اليهود إلى فلسطين/ “أرض الميعاد”.
2. لا يكفي إذن الاستعراض العام والسريع لمكونات كتيب هرتزل “المسألة اليهودية” كما تم في المقالة السابقة (17)، بل هناك حاجة علمية ماسة للعودة للكتيب وتفكيك شَفْرَتِه، لاستنباط أسس ومرتكزات الحل الصهيوني للمسألة اليهودية كما تصوَّرها هرتزل، لأن هذه العملية ستمهد لختم هذه السلسلة من المقالات بإنتاج نموذج تفسيري موضوعي للجواب عن السؤال/العنوان الجامع والمركزي المؤطر لها؛ بمعنى أن هناك حاجة لإجراء مساءلة علمية دقيقة ل”حدود واقعية الحل الصهيوني للمسألة اليهودية”، ومدى حيازته لضمانات صلبة وقوية تجعله حلّاً أبديا لها،باستحضار طبيعة هذا الوجود الإشكالي في قلب المجتمعات المخالفة عقديا، والذي يظل صراعا أزليا بمثابة بركان نشيط، رغم أن الحل الصهيوني حاول إخماده بأكبر عملية “تهريب” منظَّم وعابر للقارات، في تاريخ البشرية، لجماعة دينية منبوذة ومضطهدة. يتعلق الأمر بعملية ترحيل اليهود عبر هجرات متتالية جلُّها تمَّ عبر صفَقات سِرِّيةمع العديد من الحكومات، أشرفت عليها “شركة ربحية استثمارية دولية”، تعمل تحت إشراف “جمعية سياسية دولية”، بهدف تخليص اليهود إلى الأبد من حالة الاضطهاد والمنبوذية التي عاشوها قرونا طويلة في “جيتوهات صغيرة” معزولة داخل المجتمعات المسيحية الأوروبية، طلبا للأمن في “جيتو كبير” تم “زرعه” في فلسطين/ قلب العالم الإسلامي والعربي، وما أعقب هذا الاختيار من ورطة سيزيفية جديدة nouveau dilemme sisyphéen لليهود انفجر مع طوفان الأقصى، عبر عنه بمرارة كبيرة الفيلسوف اليهودي الفرنسي Edgar Morin بقوله:
(Bien que je veuille avant tout comprendre et faire comprendre (la Question Juive), je sais que la compréhension est souvent mal comprise, et je ne peux affronter ce travail sans crainte ni tremblement (..) Par malheur, l’implantation d’Israël en terre islamique a créé une nouvelle tragédie d’ampleur planétaire).
)رغم أنني أريد قبل كل شيء أن أفهم وأجعل الناس يفهمون (المسألة اليهودية)، إلا أنني أعلم أن الفهم كثيراً ما يُساء فهمه، ولا أستطيع أن أواجه هذا العمل دون خوف أو ارتعاش (..) وللأسف فإن زرع إسرائيل في أرض إسلامية قد خلق مأساة جديدة ذات نطاق كوني.)
3. إن من شأن هذا التحليل أن يقودنا إذا إلى طرح الأسئلة الإشكالية الضرورية التالية: (1) هل إن عملية الترحيل الاستيطاني المنظم لملايين اليهود تنم فعلا عن عبقرية صهيونية حقيقية في هندسة وتنفيذ هذا المخطط الاستراتيجي الاستثنائي لحل المسألة اليهودية؟ (2) أم هل إن الأمر يتعلق بمغامرة عمياء يائسة وتراجيدية أنتجها الإحباط الناجم عن معاناة اليهود وبؤس حياتهم وسط المسيحيين، من جهة؛ ومن جهة أخرى، صنَعَها التوظيف الذكي للقوى الامبريالية لهذا البؤس لتحقيق هدفين استعماريين متلازمين: تخلص أوروبا من يهودها غير القابلين للاندماج، وبناء قاعدة استعمارية عسكرية غربية في قلب العالم الإسلامي تخدم سياسات استضعاف شعوب المنطقة ونهب ثرواتها؟ (3) وهل كان رواد الحركة الصهيونية المسلّحون بمُسلمّات دينية وسياسية يدركون الطابع الأساطيري لهذه المسلمات، ويتوقعون أنه بعد أقل من قرن ستعود المسألة اليهودية إلى نقطة الصفر، لأن فلسطين لم تكن أرضا بلا شعب كما تصوروا ذلك أو كما روّجوه كذبا وتضليلا؟ تكمن أهمية كتيب هرتزل في أنه يسعفنا في بلورة أجوبة دقيقة عن هذه التساؤلات، وهو ما يستدعي فك شفرة النص لاستخلاص الأفكار النوعية التي صنعها هرتزل كجواب لما كان يؤرقه بشأن معضلة الطابع التاريخي لبؤس اليهود.
4. لنتأمل مثلا كلماته المنظومة على إيقاع هذا اللحن الجنائزي: “إن القمع والاضطهاد لا يمكنهما إبادتنا (..) لأن القومية المتميزة لليهود لا ولن تُدمّر (..) لأن الأعداء الخارجيين يرسخونها. إنها لن تدمر كما اتضح خلال ألفي عام من الشقاء المريع (..) إن اللاسامية الحالية ستتوقف إلى الأبد”؛ ينكشف من مفردات النص وجود جرح غائر في نفس هرتزل، إنه يريد وضعا جديدا لليهود في العالم لا تلاحقهم فيه مشاعر العداء والكراهية والاضطهاد. لكن هرتزل يعترف بأن “المسألة اليهودية تكون موجودة أينما وجد اليهود..يحملونها إليها عند هجرتهم إليها (..) هذا هو الحال، وسيظل كذلك في الأقطار كلها، حتى المتمدنة منها كفرنسا، إلى أن تجد المسألة حلا لها على أساس سياسي”. يواصل هرتزل اعترافه بالطابع الذاتي والمحلي الأوروبي المزمن للمسألة اليهودية فيقرر: “أن المسألة اليهودية مسألة دينية أكثر منها اجتماعية وإن كانت تتخذ أحيانا هذا اللبوس أو ذاك، أو غيرهما من الأشكال. إنها مسألة قومية لا يمكن حلها إلا بجعلها مسألة سياسية عالمية تبحثها وتسويها الأمم المتحضرة في منتدى العالم”.
5. وفي سياق الرد على من يتصورون الهجرة انتقالا من حال أفضل إلى حال أسوأ، يقول هرتزل مستنهضا هِمَمَ اليهود للهجرة الاستيطانية الاستعمارية لفلسطين: ” إن الأدمغة الكَليلَة قد تتصور أن هذا الخروج سيكون من مناطق متحضرة إلى الصحراء. والأمر ليس كذلك. إن الخروج سيتم ونحن في وسط الحضارة. إننا لن نتراجع إلى صعيد أدنى، بل سنرتقي إلى آخر أسمى منه. إننا لن نسكن في أكواخ من طين، بل سنبني بيوتا جديدة أجمل من بيوتنا ونتملكها ونحن نشعر بالأمن والاطمئنان”. ومع ذلك فهو لا يخفي توجُّسه من ضُعف استجابة جيله من اليهود، ورهانه على الجيل الذي سيأتي من بعدهم، لأن “السجناء القدامى لا يتركون زنزاناتهم باختيارهم. ولسوف نرى هل الشباب الذين يستمدون ما لديهم من الشيوخ بشكل لا يُقاوم فيحملونهم قُدُماً على أَذْرُعٍ قويةٍ ويحولون الدوافع العقلانية إلى حماسة”؛ كما أنه لم يخف الطابع العدواني لعملية الاستيطان التي يجب أن تتم بوسائل العنف والإبادة الحديثة في مواجهة السكان الأصليين الذين يرمز إليهم بالحيوانات، في قوله: “فلنفرض مثلا أننا نريد تطهير قطر ما من الوحوش البرية، فعلينا ألا نتصدى لهذه المهمة على شاكلة الأوروبيين في القرن الخامس. ينبغي ألا يحمل أحدنا حربة أو رمحا فيخرج بمفرده في تَعقُّب الدِّبَبة، وإنما علينا أن ننظم فريقا كبيرا للصيد يكون مفعما بالنشاط ليقوم باستدراج الحيوانات وجمعها ثم إلقاء قنبلة شديدة التفجير عليها”. في جانب آخر متصل بهذا التفكير، كان هرتزل شديد الاهتمام بتجربة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا(النظام عمَّر من 1948 إلى 1994)، ولذلك فقد تواصل كتابيا مع الأب الروحي وواضع الأسس السياسية والاقتصادية لنظام الأبارتايد Apartheid، “هتلر القرن 19” المدعو Cecil John Rhodes(1853-1902)يطلب منه دعم مشروعه الصهيوني.
6. بعد التقديم والمقدمة عالج هرتزل “المسألة اليهودية” بدءا بتوصيف بشاعة ما يُكنُّه الناس لليهود من كراهية، حيثما وُجدوا،فكتب مفصِّلا القول: “إنهم حيثما يعيشون بأعداد محسوسة يتعرضون للاضطهاد بدرجات مختلفة، ومساواتهم أمام القانون التي يمنحها الدستور أصبحت نصا ميتا من الناحية العلمية (..) أما الهجمات في البرلمانات والمجالس والصحف والكنائس والشوارع وعند القيام بالرحلات -مثلا استبعادهم من فنادق معينة – فهي هجمات أضحت حتى في أماكن التسلية متزايدة يوميا (..) ففي روسيا تفرض الضرائب على القرى اليهودية، وفي رومانيا قضي على بعض الأشخاص بالموت، وفي ألمانيا يتعرضون للضرب المبرح بين حين وحين، وفي النمسا يمارس اللاساميون / المعادون لليهود الإرهاب على الحياة العامة برمتها، وفي الجزائر (يقصد الفرنسيين في الجزائر المحتلة) تمة مثيرون للشعور العام يتنقلون من مكان إلى مكان، وفي باريس تغلق في وجه اليهود أبواب الولوج إلى أماكن المجتمع الراقي كما يسمونه، ويستبعدون من النوادي (..) أظن أن هذا الضغط يشعر به الجميع في كل مكان. إنه يسبب عدم الارتياح في طبقاتنا العليا اقتصاديا، وقلقا عميقا ومستمرا في طبقاتنا الوسطى، وقنوطا مطبقا في طبقاتنا الدنيا”. بعد ذلك أجمل القول ليخلُص إلى ما يريد: “إن الأمم التي يعيش بين ظُهْرانَيْها اليهود كلها لاسامية (معادية لليهود)، إما بشكل خفي أو بشكل صريح”. لكن ما سبب هذه المعاداة لليهود إذن؟ يجيب هرتزل:”إن سببها القديم خسارتنا للقدرة على الاستيعاب في القرون الوسطى، أما سببها الحالي فهو إنتاجنا المفرط للعقول العادية التي لا تجد لها منفذا صعودا وهبوطا، وأعني منفذا مفيدا في هذا الاتجاه أو ذاك. إننا عندما نغرق نصبح طبقة عاملة ثورية وتوابع للأحزاب الثورية كلها، وعندما نرتقي صُعُدا فتتصاعد معنا كذلك القوة الرهيبة لمحفظة النقود”.
7. ما الخلاصة إذن؟ وما هو الحل للخروج من هذه الدورة الأزلية من الكراهية؟ يجيب هرتزل: “لقد جعلنا أعداؤُنا شعبا واحدا على الرغم منا (..) إن المحنة تشد بعضنا إلى بعض فتوحدنا، وفجأة نكتشف قوتنا. أجل إننا أقوياء بما يكفي لتشكيل دولة، بل دولة نموذجية. إننا نملك الموارد البشرية والمادية كلها الضرورية لهذا الغرض (..) إن إنشاء دولة جديدة لا هو بالأمر السخيف ولا هو بالأمر المستحيل (..) إن حكومات الأقطار كلها المبتلاة باللاسامية ستهتم كثيرا بمساعدتنا للحصول على السيادة التي نريد. أما الخطة فهي بسيطة في تصميمها لكنها معقدة في التنفيذ، ستتولاها وكالتان: جمعية اليهود والشركة اليهودية. وستقوم الجمعية بالأعمال التحضيرية في ميدان العلم والسياسة، ثم تقوم الشركة فيما بعد بالتطبيق العملي لها (..) إن اليهود الذين يوافقون على فكرتنا الخاصة بالدولة سيلتحقون بالجمعية التي ستُخوَّل بالتداول والتعامل مع الحكومات باسم شعبنا. ستكون الجمعية بذلك، في علاقتها مع الحكومات، معترفا بها كسلطة لخلق الدولة وهذا الاعتراف سيخلق الدولة عمَليا (..) هل نختار فلسطين أم الأرجنتين؟ إننا سنأخذ ما يعطى لنا وما يختاره الرأي العام اليهودي، والجمعية هي التي ستنظر في هاتين النقطتين ونقرر بشأنهما”.
8. بهذا الوضوح الكبير وقعتفكير هرتزلفي خلط جسيم- سببُه الذهنيةالمأزومةبضغط البحث عن حل لمعضلة استنزفت قواه وعجَّلت بموته في فَوْرة شبابه – نتجت عنهانزياحات دلالية glissements sémantiquesكثيرة أسس بها مشروعه على مجموعة من المفاهيم الملغومة تاريخيا وسياسيا وبيولوجيا تشتغل استراتيجيا ضد مصير اليهود،من حيث سعى لإيجاد حل نهائي لمأساتهم كمواطنين أوروبيين. لقد فعل ذلك، وهو الرجل اللاديني،بموثوقية دينية dogmatisme religieuxجعلت منمقولاتهأساطيرَ مؤسِّسة للحل الصهيوني. خلاصة هذه الانزياحات الستةيمكن إجمالها فيما يلي : (1) الانزياح من الإقرار بتوصيف واقع “يهود أوروبيين أبا عن جد”، إلى “تنبني أسطورةالشتات” التي تُطابق بين”اليهود”و”بنو إسرائيل”، وكأنَّ أجداد كل يهودالعالم قبل ألفي سنة نزحوا من فلسطين بعد تدمير الرومان لها وتطهيرهم منها، بما فيهم – مثلا- يهود مملكة الخزَر،وهم سكانأصليون من شمال القوقازذووا أصول تركية، تهوَّدوا judaïsé في القرن التاسع الميلادي بعد اعتناق ملكهم “خاكان بولان” للدين اليهودي سنة 861 م؛ (2) الانزياح من الإقرار بكون الهجرة تتعلق بترحيل “مواطنين يهود أوروبيين” هم جماعات “اليهودالأشكناز/يهود أوربا الشرقية أساسا”، نحو مقولة تصف وضعا مأمولاسيصيرون فيه كمستوطنين محتلين لفلسطين “يهودا شرقيين” بمجرد إبرام صفقات تجارية وسياسية دولية؛ (3) الانزياح من حالة الإقرار بكون “بؤس اليهود في أوروبا حالة اجتماعية ودينية”، إلى القول بأنهم “شعب واحد وجماعة قومية واحدة” يحتاجون حلا سياسيا عالميا يمنحهم”وطنا قوميا” خارج جحيم أوروبا؛ (4) الانزياح من القول ب”تفضيلاختيار هذا الوطن القومي في الأرجنتين”، نحو القول بوجود “الحل في فلسطين”، لاعتبارات حسمتْها مصالح الغرب الاستعماري بشكل أهم وأقوى من مبررات حاجة اليهود لوطن أكثر أمنا وطمأنينة في أي بقعة في العالم؛ (5) الانزياح من حالة “ربط المظلومية بالمعتقد الديني لليهود”، نحو القول باستغراق مفهوم “العداء للسامية” لعموم اليهود، بما في ذلك الأوروبيون الذين لا علاقة لهم بيولوجيا بِسامْ بن نوح، كيهود الفلاشا الأثيوبيونعلى سبيل المثال( هؤلاء من سلالة حام بن نوح)؛ (6) الانزياح من حالة الإقرار بكون “بناء وطن قومي لليهود في فلسطين سيشكل عملية استنبات للحضارة والتمدن”في منطقة تسود فيها البربرية والتخلف، إلى القول بأن “تأسيس الكيان الصهيوني سيعتمد على أساليب العنف والإبادة والتطهير العرقي” لإفراغ المجال من سكانه حتى يكون خالصا ل”دولة اليهود الأوروبيين”، على غرار ما فعله “المسيحيون الأوروبيون” في أمريكا الشمالية وأستراليا وجنوب أفريقيا.

(يتبع في المقالة 19)

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.