إدريس الأزمي يكتب: الحكومة لا تفتح قوسا للتدقيق والتوضيح إلا لتزيدنا مغالطات وغموضا

إدريس الأزمي الإدريسي


 

 

توالت ردود رئيس الحكومة ووزيرين من حكومته عقب الندوة الصحفية الأولى التي نظمها حزب العدالة والتنمية يوم 16 أبريل 2024 ليقدم تقييمه للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، والندوة الصحفية الثانية التي نظمها الحزب يوم 11 ماي 2024 لتصحيح مجموعة من مغالطات رئيس الحكومة عقب انتهاء مناقشة هذه الحصيلة بالبرلمان.

وقد جاءت هذه الردود على التوالي من طرف رئيس الحكومة خلال رده على تدخلات الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب يوم 08 ماي 2024، ثم من طرف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في جوابه خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم 20 ماي 2024، ثم من طرف الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال الندوة الصحفية الأسبوعية عقب المجلس الحكومي ليوم 23 ماي 2024.
ومع ملاحظة أن هذه الردود أغفلت الجواب على الملاحظات المتعلقة بالوعود التي لم تف بها الحكومة وتجاهلت الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي نبه إليها الحزب، كضعف النمو المحقق مقارنة مع وعد الحكومة بتحقيق نسبة نمو تبلغ 4%، وارتفاع نسبة البطالة إلى 13,7% وهو معدل لم يبلغه المغرب منذ سنة 2000، وبلوغ عدد 1.645.000 عاطل مقارنة مع وعد الحكومة بإحداث مليون منصب شغل صافي على الأقل خلال ولايتها، وتراجع نسبة نشاط النساء إلى أقل من 19% مقابل وعد الحكومة برفع هذه النسبة إلى 30%، وتحايلها على مدخول كرامة للأشخاص في وضعية هشة الذين يفوق سنهم 65 سنة، وعلى زيادة 2.500 درهم للأساتذة في بداية مسارهم، ولجوء الحكومة إلى المديونية / التمويلات “المبتكرة” لتمويل جزء من نفقاتها العادية، وتفاقم عدد الشركات المفلسة، وتراجع الاستثمارات الخارجية…، إلا أن هذه الردود اختارت أن تركز على رقمين اثنين لهما علاقة بارتباك الحكومة الكبير في تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
الرقم الأول هو “18 مليون مستفيد من راميد” في محاولة رئيس الحكومة ووزيريه النفي أو على الأقل محاولة تفسير إقصاء الحكومة لما يقارب من 08 مليون مواطنا من “أمو تضامن” وهم الذين كانوا يستفيدون سابقا من نظام المساعدة الطبية المجانية “راميد”.

والرقم الثاني هو “375.000 أرملة”، حسب رواية رئيس الحكومة، أو “300.000 أرملة”، حسب رواية الوزيرين، واللواتي يستفدن من الدعم الاجتماعي المباشر، مقابل “76.000 أرملة” فقط كن يستفدن، حسب رئيس الحكومة ووزيريه، من برنامج دعم الأرامل في السابق.

فبخصوص الرقم الأول المتعلق ب”18 مليون مستفيد من راميد”، أكد رئيس الحكومة ووزيريه: “أن البعض -في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية دون ذكره- يروج أو يدعي أن 18 مليون مواطن كانوا يستفيدون من نظام “راميد”، وأن “راميد” لم يكن فيه في أي يوم من الأيام 18 مليون وأن هذا الرقم هو العدد التراكمي للمستفيدين من هذا البرنامج منذ بدء البرنامج سنة 2005 إلى حدود متم 2022. وأن هذا الرقم يشمل المؤمنين الذين أصبحوا خاضعين لأنظمة أخرى للتأمين على المرض أو أشخاص وافتهم المنية أو لم يتم تحيين تسجيلهم بهذا النظام لأسباب أخرى”، وأن “راميد” كان يستفيد منه ما بين 10 و 11 مليون مستفيد نقلتهم الحكومة بشكل أوتوماتيكي وتؤدي انخراطاتهم بمبلغ 9,5 مليار درهم.”

وهنا، لابد من تصحيح مجموعة من الأخطاء والمغالطات التي تضمنتها هذه التصريحات الرسمية والموثقة:

الخطأ الأول- ويتعلق بالحيلة التي ابتكرها الوزيران للخروج من “ورطة” 18 مليون مستفيد بتصريحهما أن هذا الرقم هو العدد التراكمي منذ بدء البرنامج سنة 2005 إلى حدود متم 2022:

أولا، إن الفترة التي اعتمدها الوزيران للحديث عن العدد التراكمي، وهو التفسير الذي قدمه الوزيران لأول مرة، هي نفسها غير صحيحة، إذ من المعلوم لدى الجميع أن تعميم نظام المساعدة الطبية المجانية “راميد”” لم يبدأ فعليا إلا ابتداء من 13 مارس 2012، على إثر ترؤس جلالة الملك بالقصر الملكي بالدارالبيضاء مراسيم إعطاء الانطلاقة لتعميم “راميد”، وأما قبل سنة 2012 فقد اقتصر الأمر منذ 2008 على منطقة تادلة- أزيلال، كجهة نموذجية قبل تعميم هذا النظام.

ثانيا، كيف لرئيس الحكومة ووزريه أن ينكروا رقم 18 مليون مستفيد بحجة أن هذا العدد تراكمي وهو اكتشاف يذكر لأول مرة ولم يسبق للحكومة ولا لأي وثيقة من وثائق قوانين المالية السابقة أن استعملت هذا الوصف، وآخرها مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2023 التي أكدت في صفحتها 37: “…كما وصل عدد المستفيدين من هذا النظام “أي برنامج المساعدة الطبية” إلى غاية 29 شتنبر 2022، ما يقارب 18,44 مليون مستفيد (تسجيل 7,72 مليون أسرة)”؛ والتقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2023 يؤكد نفس الرقم في صفحته 38: “وقد مكن تمديد هذا النظام إلى غاية 29 شتنبر 2022، من بلوغ حوالي 18,44 مليون مستفيد (تسجيل أكثر من 7,72 مليون أسرة).”. فهل الحديث عن تسجيل أكثر من 7,72 مليون أسرة (18,44 مليون مستفيد) يسعف القول أن هذا العدد تراكمي. إن الحكومة وهي تصرح أنها نقلت بطريقة أوتوماتيكية 04 مليون أسرة (10 مليون مستفيد) إلى “أمو تضامن”، فهذا يعني أنها خلفت 3,72 مليون أسرة كانت مسجلة وليس متراكمة (أي 08 مليون مستفيد) خارج هذا النظام.

ثالثا، إذا كان هذا الرقم غير موجود وهو عدد تراكمي فلماذا أكد وزير الميزانية في نفس الفقرة في جوابه على أن: “هذا الرقم “أي 18 مليون” يشمل المؤمنين الذين أصبحوا خاضعين لأنظمة أخرى للتأمين على المرض أو أشخاص وافتهم المنية أو لم يتم تحيين تسجيلهم بهذا النظام لأسباب أخرى”، وهو ما يعني أن رقم 18 مليون موجود وليس تراكميا كما ادعى الوزيران وأن هناك إقصاء أزيد من 08 مليون مواطن من “أمو تضامن”.
وهو ما دفع الحكومة كي تتجاوز الاختلالات التي تعترض تعميم التغطية الصحية على مختلف الفئات إلى المصادقة يوم 25 أبريل 2024 على مشروع القانون رقم 21.24 بسن أحكام خاصة تتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالأشخاص القادرين على تحمل واجبات الاشتراك الذين لا يزاولون أي نشاط مأجور أو غير مأجور، بهدف إيجاد حل للمؤمنين الذين كانوا يستفيدون من نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالأشخاص غير القادرين على تحمل واجبات الاشتراك، ولاسيما الفئة التي تعاني من أمراض مزمنة ومكلفة، بإعفائهم من فترة التدريب الخاصة بالأشخاص القادرين على تحمل واجبات الاشتراك الذين لا يزاولون أي نشاط مأجور أو غير مأجور.

الخطأ الثاني- بعد أن تأكدت الحكومة أن “حيلة” العدد التراكمي لم تنفع لوحدها لنفي رقم 18 مليون مستفيد لجأت إلى حيلة أخرى.
وهنا جاء تصريح الوزيرين، وهما يؤكدان حرصهما على أن يكونا أكثر دقة وأن ما يتم الحديث عنه للأسف لا يستند على أي أساس وأن المعطيات هي التي تم تقديمها وأنه يمكن التأكد منها ليصرحا بما يلي:

“عدد الأسر بالمغرب حسب المندوبية السامية للتخطيط هو 11,5 مليون أسرة.

  • 2 مليون أسرة تستفيد من التأمين الإجباري عن المرض بالقطاع العام (الموظفون والمتقاعدون)؛
  • 5 مليون أسرة تستفيد من التأمين الإجباري عن المرض بالقطاع الخاص (الأجراء والمتقاعدون)؛
  •  وإذا افترضنا أن عدد أسر العمال غير الأجراء وأصحاب المهن الحرة حاليا هو 700.000 أسرة (علما أن العدد هو أكبر من ذلك وهو يبلغ 1,8 مليون أسرة)، فالباقي هو 3,8 مليون أسرة تتحمل الدولة اشتراكاتها في إطار “أمو تضامن” أي ما بين 10 و 11 مليون مستفيد.
  • فأين 18 مليون مستفيد من راميد التي تتحدثون عنها؟”
    وهنا أيضا، فإن هذا التدليل يسقط تماما إذا ما انتبهنا إلى ما تحمله الفرضيات التي بنيت عليه من أخطاء:
  • الخطأ الأول– هو أنه وبالعودة للإحصائيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط لا يوجد نهائيا أي رقم رسمي يفيد أن عدد الأسر بالمغرب بلغ 11,5 مليون أسرة كما صرح به الوزيران ونسباه إلى المندوبية السامية للتخطيط.
    إن العدد الصحيح للأسر بالمغرب سنة 2023 هو 9 مليون و30 ألف أسرة (بمعدل 4,1 فردا في الأسرة الواحدة)، وهو العدد الذي يمكن التأكد منه بالعودة إلى الجدول 1.44 “خصائص الأسر” في الصفحة 45 من التقرير الذي نشرته المندوبية السامية للتخطيط يوم 15 أبريل الماضي على موقعها الرسمي تحت عنوان “المؤشرات الاجتماعية 2024”. وهو نفس العدد الذي يمكن التأكد منه أيضا على الموقع الرسمي لوزارة الاقتصاد والمالية ضمن الإحصائيات الاقتصادية والمالية في خانة “المؤشرات الاجتماعية”.
    كما أن الموقع الرسمي للمندوبية السامية للتخطيط يتضمن بيانا وأرقاما حول تطور عدد الأسر في المغرب بين 1960 و 2050، حيث وبالإضافة إلى كون هذا البيان يؤكد نفس عدد الأسر لسنة 2023 (أي 9.030.000)، فإن توقعاته تظهر أن عدد الأسر بالمغرب لن يبلغ ما يناهز 11,5 مليون أسرة، التي بنا عليها الوزيران دليلهما، إلا سنة 2036، أي بعد 12 سنة من تصريح الوزيرين. وبهذا تسقط نهائيا المحاولة الثانية للتغطية على وجود رقم 18 مليون وإقصاء الحكومة لما يناهز 08 مليون من الاستفادة من “أمو تضامن”.
    الخطأ الثاني- إن الأرقام الرسمية لعدد الأسر المؤمنة في إطار التأمين الإجباري عن المرض تثبت بالعكس أن هناك خصاصا كبيرا في عدد المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض وأن على الحكومة أن تجتهد لتحقيق تعميم التغطية الصحية ولبلوغ هدف 22 مليون مستفيدا إضافيا، حيث إن الأعداد المعروفة والمضبوطة لحد الآن هي: 10.500.000 مستفيدا وفق تصريح الحكومة نفسها بأنها نقلتهم بشكل أتوماتيكي من “راميد” إلى “أمو تضامن”؛ و11.649.718 مستفيدا كمؤمنين رئيسيين وذوي الحقوق من الموظفين والأجراء والمتقاعدين بالقطاعين العام والخاص سنة 2021، وذلك وفق الإحصائيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط كما وردت في الجدول 4.14 في الصفحة 179 من التقرير حول “المؤشرات الاجتماعية 2024″؛ و1.800.000 أسرة من غير الأجراء وأصحاب المهن الحرة، حسب تصريح الوزيرين.
    وفيما يخص دعم الأرامل نجد نفس الأخطاء والمغالطات، حيث أكد كل من الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في جوابه خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب يوم 20 ماي 2024، والوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال الندوة الصحفية الأسبوعية عقب المجلس الحكومي ليوم 23 ماي 2024، أنه ليس هناك تراجع بل هناك زيادة كبيرة في عدد المستفيدات من هذا الدعم. حيث صرحا أنه قبل العمل بالدعم الاجتماعي المباشر، كان عدد المستفيدات هو 76.000 أرملة وأصبح اليوم 300.000 أسرة تعولها نساء أرامل. مع التذكير بأن رئيس الحكومة سبق ورفع بطاقة مكتوبة تحمل عنوان “الدعم المباشر” يظهر عليها “دعم 375.000 أرملة شهريا” وذلك خلال رده يوم 08 ماي 2024 بمجلس النواب، مضيفا أنه يوم تحمل المسؤولية وجد 76.000 أرملة فقط يستفدن من الدعم.
    وهنا يتأكد مرة أخرى أن رئيس الحكومة ووزيريه يعانون مشكلا كبيرا في التعامل مع الأرقام، فمن نصدق بخصوص عدد الأرامل المستفيدات اليوم من الدعم الاجتماعي المباشر؟ هل نصدق رئيس الحكومة الذي صرح بأنه يتم “دعم 375.000 أرملة شهريا”؟ أم الوزير المنتدب الملكف بالميزانية والوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة اللذان صرحا بأن عدد الأرامل المستفيدات حاليا هو 300.000؟ وللتذكير فإن الوزيرين كانا جالسين قبالة السيد رئيس الحكومة وهو يرفع بطاقة ” دعم 375.000 شهريا”. فإذا لم يستطع رئيس الحكومة إقناع وزيريه ببطاقته فكيف سيقنع الرأي العام بأرقامه؟
    ثم بخصوص عدد المستفيدات في السابق نجد أن رئيس الحكومة ووزيريه اتفقوا هذه المرة على أن الأرامل المستفيدات من برنامج الدعم كن في السابق 76.000 أرملة فقط، والحقيقة المدونة في التقارير الرسمية هي أن برنامج دعم الأرامل، قبل دخول الدعم الاجتماعي المباشر حيز التنفيذ، بلغ عدد المستفيدين منه إلى غاية 13 شتنبر 2023، 130.205 أرملة وما يفوق من 220.000 يتيما وهو ما دونته الصفحة 53 من مذكرة تقديم مشروع قانون المالية 2024، وهو نفس العدد الذي أكده التقرير حول الحسابات الخصوصية للخزينة المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2024 في صفحته 36 حيث ورد فيه: “وقد بلغ عدد المستفيدات بتاريخ 14 شتنبر 2023، ما مجموعه 130.205 أرملة، وحوالي 220.000 يتيم.”
    والخلاصة هي أن رئيس الحكومة وبعض من وزرائه يبدو أن لهم مشكل كبير في التعامل مع الأرقام في مواجهة المعارضة، ولا يستحضرون المسؤولية والجدية المطلوبة واللازمة في التعامل مع البرلمان والرأي العام وهم يتوجهون إليه من داخل مؤسسات رسمية، فنجد في مثال آخر رئيس الحكومة يرفع وهو يتباهى بمنجزاته يوم 08 ماي 2024 بطاقة كبيرة يظهر عليها “17.000 منحة للولادة”، هذا في الوقت بلغ هذا العدد 2.887 كما هو مكتوب في الصفحة 83 من التقرير الرسمي الذي نشره رئيس الحكومة نفسه يوم 24 أبريل تحت عنوان “30 شهرا من الإنجاز”. ولما ووجه فيما بعد بهذا التناقض الكبير في الأرقام قال ببساطة إن الأمر يتعلق بخطأ مادي.
  • فكم هي كثيرة وعجيبة وملفتة ومقلقة “الأخطاء المادية” لرئيس الحكومة…!
    إن المطلوب من الحكومة في التعامل مع المعارضة البرلمانية ومكانتها الدستورية المعتبرة، -وليس “البعض” كما ورد على لسان رئيس الحكومة ووزيريه- هو العمل على معالجة الاختلالات التي طبعت تنزيل الحكومة لورش تعميم الحماية الاجتماعية والتي يشكو منها في صمت كثير من المواطنيين، وليس التلاعب بالأرقام واستغلال المنابر الرسمية لتمرير مجموعة من المغالطات التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تشفي من مرض أمام ما يحس به المواطن من إقصاء وتهميش مع حكومة لا تتواضع في الحد الأدنى لتتفهم وتتعاطف مع شكواه ومعاناته.
شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.