التليدي
توفيق السعيد *
منذ الوهلة الأولى يمكن الجزم أن حزب الاستقلال الذي تقدم بطلب التحكيم الملكي دخل بقراره هذا في متاهات قانونية متشعبة ومتشابكة كان بالإمكان تجاوزها باللجوء إلى تقنيات دستورية عديدة حتى يضفي نوعا من المصداقية على مبادرته هاته.
فالقراءة المخالفة لهذا القرار تعطي الانطباع لوجود حياة دستورية غير محكومة بقواعد دستورية تضمن تدبير الأزمات السياسية بين الفاعلين الحزبيين في غياب تدخل جلالة الملك وكأن الفعل السياسي والعمل الحزبي مرتهنان بالإرادة الملكية وهذا غير صحيح من الناحية الدستورية والقانونية والواقعية.
فاستخدام مفهوم التحكيم جاء مبالغ فيه وتم في غير المحل الذي أريد له من قبل دستور 2011، فالاستقلاليون يطلبون تدخل جلالة الملك من أجل الفصل في خلافاتهم مع رئيس الحكومة حول الأداء الحكومي أو حول التعديل الحكومي.. إلخ الذي لم يلق تجاوبا من طرف رئيس الحكومة. هذه الأمور كلها تبقى بعيدة كل البعد عن التدخل الملكي فهي شؤون سياسية محضة تهم فرقاء حزبيين في لحظة خلاف وليس بين مؤسسات دستورية قائمة بذاتها حتى تتطلب التحكيم الملكي استنادا إلى منطوق الفصل 42 من الدستور.
فاللجوء إلى طلب التحكيم الملكي يعد سلوكا متسرعا ويفتقر إلى العقلانية ولا ينسجم مع روح الدستور لأنه والحالة هذه كان بإمكان حزب الاستقلال اللجوء إلى خيارات قانونية وسياسة أخرى (ملتمس الرقابة والخروج إلى المعارضة..(
فالتحكيم في الدساتير السابقة كان يتم في إطار التأويل الضمني لمقتضيات الفصل 19، أما حاليا فوظيفة التحكيم أصبحت مقننة دستوريا وأصبحت تكتسي صبغة دستورية واضحة بموجب الفصل 42 من الدستور، فجلالة الملك باعتباره رئيس الدولة وممثلها الأسمى هو الحكم الأسمى بين مؤسساتها الدستورية وليس بين الأفراد والأشخاص أو الهيئات الحزبية.
ثم إن الدستور كان جد واضح في مسألة التحكيم الملكي، حيث حدد على وجه الدقة والحصر الحالات التي تستدعي التحكيم من قبل جلالة الملك حتى لا يصبح هذا الطلب (التحكيم) أداة لتصريف الصراع الحزبي والسياسي خارج نطاقه العادي وهذه الحالات هي :
أولا : تجاوز المؤسسات الدستورية لمقتضيات الدستور
ثانيا : وجود تهديد للاختيار الديمقراطي
ثالثا : الإخلال بالتعهدات الدولية.
رابعا : تعثر سير المؤسسات الدستورية.
وخلاصته واستنادا إلى روح الدستور فإن جلالة الملك غير ملزم دستوريا بالجواب الإيجابي أو السلبي على طلبات التحكيم المقدمة خارج النطاق الموضوعي للدستور.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، وبالتركيز على الواقعة نفسها – أن التحكيم الملكي في حالة تحققه وهو أمر مستبعد دستوريا كما سبق الذكر – لابد وأن يتم بمقتضى ظهير شريف ومن المعلوم أن الظهائر الشريفة توقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة، الأمر الذي يجعل هذا الأخير في الواقعة المعنية خصما وحكما في وقت واحد.
فاللجوء إلى التحكيم في هذه الحالة هو خرق واضح لمقتضيات الدستور لأنه سيكرس قاعدة عرفية ستقوم على أنقاض نص مكتوب وهو ما يتنافى إطلاقا مع المبادئ العامة للقانون التي تعد مصدرا أساسيا من مصادر القاون بما فيها القانون الدستوري
واليوم، نحن نؤصل لممارسة حكومية نابعة من ممارسة دستورية جديدة وبالتالي يجب أن نضع الأسس والقواعد التي يجب أن يحتكم إلها الجميع وليس الهروب إلى التحكيم، لأن الهدف هو التربية على تشكيل حكومة قوية ومنسجمة عقب الانتخابات التشريعية وليس فقط البحث عن تشكيل حكومة.
وكمواطن وكأكاديمي متتبع للشأن السياسي بالمغرب أدعو مكونات الحكومة إلى الاحتكام إلى منطق الحوار فيما بينها وتغليب المصلحة العليا للوطن والبحث عن توافقات جديدة تخدم الدرجة الأولى المواطن ومستقبل الديمقراطية الفتية بالمغرب.
*أستاذ جامعي
عن يومية “الأحداث المغربية” عدد الثلاثاء 11 يونيو 2013
