فاضلي يكتب: العقل الاستراتيجي للمقاومة

علي فاضلي


يقوم العقل الاستراتيجي الصهيوني على فكرة عبر عنها الجنرال الصهيوني موشيه ديان: “يجب أن يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها كلبًا مسعورًا؛ خطير جدًا بحيث لا يمكن إزعاجه”، من هنا تفهم استراتيجية الكيان المجرم، وتفهم سياساته الاجرامية بحق الفلسطينيين، فالكيان يعلم انه قائم على فكرة التخويف والردع، وعندما يتم نزع هذين العاملين تبرز نهاية الكيان المجرم.
لهذا تقع أبشع جرائم الكيان المجرم بعد كل عملية نوعية للمقاومة، كما حدث في المعمداني في بداية العدوان، وكما حدث في رفح بعد العملية النوعية للمقاومة في أسر جنود في جباليا.
إن الهدف الصهيوني هو التغطية على تلك الهزائم التي تعرض لها عبر ارتكاب جرائم فظيعة تخطف الأضواء من عمليات المقاومة، بالرغم من الغضب الدولي الذي تثيره تلك الجرائم، فالهدف الأساس للعقل الصهيوني هو عدم فقدان قوة الردع والخوف من الجيش الذي لا يقهر، لأن فقد الكيان المجرم لتلك الخاصيتان تعني نهاية دوره الوظيفي في المنطقة وبالتالي نهاية مبرر وجوده.
في المقابل فالعقل الاستراتيجي للمقاومة فهم هذا العنصر الرئيس الذي قام عليه الكيان، لذلك فهو يتعامل بذكاء فائق مع مجريات المعركة، فعندما تم الإعلان عن عملية جباليا النوعية تبعها مباشرة بعد ساعات قصف دولة الكيان بعد شهور من توقف قصف عاصمة دولة الكيان، وهو ما يعني فشلا ذريعا للكيان المجرم في حربه في غزة، بعدها جاءت مجزرة رفح، لكن العقل الاستراتيجي للمقاومة توقف في تلك اللحظة عن نشر تفاصيل عملية جباليا حتى لا تغطي على جريمة رفح، ولم يعلن عن بعض تفاصيلها الا بعد أسبوع من العملية ما وضع الكيان المجرم في وضع انهزامي غير مسبوق حين أكدت المقاومة وجود أسرى من قوات الكيان.
كذلك الحال مع عملية تحرير بعض الأسرى الصهاينة، بحيث سيقوم العقل الاستراتيجي بدون تسرع بنسف رواية الانتصار التي يروجها نتنياهو وسيجعل العلمية التي أريد تصويرها كإنجاز “سيكتب في كتب التاريخ” كأحد أفشل العمليات في تاريخ تحرير الأسرى.
الملاحظ كذلك هو عدم تسخين المقاومة للمعارك في محور فيلاديلفيا بين مصر وقطاع غزة، بحيث تمكنت القوات الصهيونية من احتلاله بسرعة، وهو أمر ناتج عن قرار استراتيجي للمقاومة بعدم خوض معركة كبرى في تلك المنطقة، والهدف كان هو خلق صراع/أزمة بين مصر ودولة الاحتلال، ونقل المعركة من معركة بين غزة والكيان المحتل، إلى معركة بين مصر ودولة الاحتلال لخرقها اتفاقية 2005 المنظمة للحدود بين رفح غزة ومصر، وقد نجحت المقاومة هنا نجاحا سياسيا معتبرا وأوجدت بالفعل أزمة بين مصر ودولة الاحتلال وأزمة داخل النظام المصري نفسه بعد مقتل جنديين مصريين على يد دولة الاحتلال وبسبب إساءة دولة الاحتلال لمصر وعدم احترامها للاتفاقيات الموقعة بينها.
كذلك فالعقل الاستراتيجي للمقاومة رفض الانخراط في المعارك الهامشية والتضليلية الذي تثيرها بعض القوى الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح وبعض الأطراف العربية، بحيث يبدو تفاعل المقاومة مع استفزازات تلك القوى تفاعلا باردا وهامشيا حتى لا يغطي على الهدف الرئيس والاستراتيجي في مواجهة الكيان المحتل.
كما تعبر العلاقات مع أمريكا عن قراءة ذكية جدلية للعقل الاستراتيجي للمقاومة، فهو بالرغم من معرفته بحقيقة الدعم الامريكي للكيان المجرم وتوطئه معه في جرائمه، وباعتبار الكيان المجرم هو قاعدة لخدمة لأمريكا، إلا ان العقل الاستراتيجي للمقاومة في الوقت نفسه “يرحب” ببعض المبادرات الأمريكية ويطالب أمريكا بتقديم ضمانات لوقف الحرب ويتفاوض معها ويخاطب جمهورها.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.