[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

غلاء الأضاحي أو سياسة تدوير الأزمة والاستثمار فيها

المحجوب لال


لا شك أن الناظر إلى أحوال الناس لا يجد على محياهم علامات الفرح والسرور باستقبال عيد الأضحى المبارك، ليس لكراهة في العيد أو رفضه لذاته، كلا، فهو شعيرة مقدرة ولها مكانة خاصة في نفوس المغاربة، ولذلك يأتي هذا الحزن بسبب عدم القدرة على إقامة الشعيرة بكل ما يلزم من تعظيم وإجلال، ومن ذلك توفير الأضحية، بما يليق بها كقربان لله عز وجل.
سبب هذا الحزن، هو ما يراه المواطنون من شجع واستغلال لهذه المناسبة، من لدن قلة متحكمة في السوق، مركزيا ومجاليا، فتفرض السعر العالي، وقد فضحت تسجيلات موثقة لعدد من “الكسابة” كيف أنهم باعوا أغنامهم بسعر وفي اليوم نفسه أو في الذي يليه وجدوها بثمن مضاعف.
هذه الحالة من الاستغلال، هي انعكاس لاستغلال حكومي، وهو الأخطر، ذلك أنه أعطى الإذن والإشارة لباقي النفوس المريضة بالسعي إلى مراكمة الأرباح والزيادة على الناس لأن يضاعفوا السعر دون خجل ولا خوف أو وجل، لا من سلطة تراقب، ولا من حكومة تعطي المثال والنموذج.
لقد شكل تخصيص الحكومة لدعم مباشر لاستيراد 600 ألف خروف، ب 500 درهم للرأس، أي ما مجموعة 300 مليون درهم، فضلا عن إعفاءات ضريبية وامتيازات أخرى، وتمكين بعض الموالين والمقربين من هذا الامتياز الذي كله أرباح سهلة على حساب المال العام وجيب المواطنين، شكل نموذجا لتورط مفضوح للحكومة في استغلال هذه المناسبات الدينية لإغناء البعض وتفقير العموم.
والأنكى من هذا، أن يكون أحد مفسرات هذا الدعم الموجه لأشخاص دون عموم الراغبين في الاستيراد، تمكينهم من توفير السيولة المالية من المال العام ومن المواطنين بعد بيع هذه الأضاحي بأضعاف مضاعفة، لأجل تمويل الحملة الانتخابية المقبلة للحزب الذي يقود الحكومة، وهذا تساؤل مشروع يمكن أن نطرحه على رئيس الحكومة والناطق باسمها ووزيرها في الفلاحة، ما داموا جميعا من نفس الحزب، ذاك الذي بشر المواطنين بـ “المعقول” و”الكفاءات” و”الأحسن” فكان كمن يعد بنهر من الماء والحال أنه محض سراب، لا غير.
إن ما تقوم به الحكومة منذ مجيئها ذات انتخابات يَعرف عموم المواطنين كيف مرت، بل كيف صُنعت على مقاس البعض لوضعه في الصدارة، بما يحقق مصالح مزدوجة؛ لرجال المال عبر حماية مصالحهم وتعظيمها من خلال الإشراف على الشأن العام، وللمتحكمين في المشهد عبر صناعة الخريطة العامة، سياسيا واقتصاديا ورمزيا، بما يمكنهم من ضبط كل شيء والتحكم فيه دون تشويش، قل أو كثر.
هذه الحكومة تمعن في تبخيس العمل السياسي، وفي توسيع الفجوة بين الشعب والحكم، وفي نشر وترويج وجود وشيوع ثقافة الأنانية والاستغلال عبر منافذها الإعلامية، والتي تحاول تصوير الواقع وكأن المشكل الحقيقي هو في الشعب نفسه، حيث لا ينفك الواحد عن استغلال كل فرصة سانحة لأجل القيام بما تقوم به الحكومة وزيادة، وهذا القول، إن كان صحيحا في جزء منه، فإنه لا يصح أن يكون عامل تفسير لواقع الغلاء الذي ينخر عظام المواطنين ويقطعها، ذلك أن عمق الأزمة وسببها هناك، في الحكومة أساسا، بل في رأسها، ما دام هو نفسه الفاعل الأول في المحروقات والغاز والأكسجين الطبي والفلاحة وغيرها..
والخلاصة، أن كل نقد يجب أن يوجه للوسطاء أو ما يسمون شعبيا بـ “الشناقة”، يجب أن يوجه أضعافه للحكومة ورئيسها، ذلك أنه كبيرهم الذي علمهم السحر، وكما يقال أيضا: “إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”، وما يقع هو أفظع أنواع الرقص، رقصٌ على المعاناة والأزمات واستغلال لها بما لا يُقبل أن يكون وسيلة، ألا وهو القرار العمومي وسلطة تدبير الشأن العام.

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.