[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

حميد بحكاك يكتب: الانتخابات الأوروبية 2024 والانعطافة نحو اليمين

د. حميد بحكاك


 

مقدمة
عرفت أوروبا انتخابات برلمان الاتحاد الأوروبي بين 6 و9 يونيو 2024، وهي تجري كل خمس سنوات لانتخاب ممثلي الدول الأعضاء السبعة والعشرين داخل البرلمان الأوروبي الذين يبلغ عددهم 720 نائب، وهو عدد مقاعد البرلمان الأوروبي الذي تحدَد فيه عدد المقاعد على أساس نسبة السكان لكل دولة، فألمانيا لها 96 مقعد، تليها فرنسا ب 81 مقعد ثم إيطاليا ب76 مقعد، وأدنى نسبة هي 6 مقاعد لكل من قبرص و لوكسمبورغ ومالطا.
مؤسسات الاتحاد الأوروبي1

1-البرلمان الأوروبي

البرلمان الأوروبي هو المؤسسة البرلمانية للاتحاد الأوروبي. يتألف من 720 عضوا، يتم انتخابهم من قبل مواطني الدول الأعضاء السبع والعشرين بطريق الانتخاب المباشر لمدة خمس سنوات. ولكل دولة من الدول الأعضاء عدد من المقاعد البرلمانية يتناسب وعدد سكانها. ويتمتع البرلمان بسلطة إقرار القوانين والموازنة وبصلاحيات الرقابة على المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، إلا أنه لا يتمتع بحق الاقتراح (المبادرة) في مجال القوانين. يوجد مقره في مدينة ستراسبورغ، وتتوزع مكاتب عمله في كل من بروكسل ولوكسمبورغ.
يتكون البرلمان الأوروبي من 720 نائب، يتوزعون على سبع مجموعات2:

 

1. مجموعة حزب الشعب الأوروبي(يمين محافظ أو يمين وسط)
2. مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي (اجتماعي ديمقراطي)
3. مجموعة تجديد أوروبا (ليبرالي)
4. مجموعة الخضر والتحالف الحر الأوربي (الخضر والبيئة)
5. مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين (يمين قومي)
6. مجموعة الهوية والديمقراطية (يمين متطرف)
7. مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي (يسار راديكالي)

ويتكون عدد كل المجموعة أو الفريق من 23 نائبا على الأقل، وكل فريق يمثل ربع عدد دول الاتحاد على الأقل وهي سبع دول، وبالتالي لا تتشكل هذه المجموعات وفق الانتماء الوطني وإنما وفق الانتماء السياسي والأيديولوجي، ولا يجوز لأي نائب أن ينتمي لأكثر من مجموعة. وينتخب رئيس البرلمان لمدة عامين ونصف قابلة للتجديد.

المفوضية الأوروبية

المفوضية الأوروبية هي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي،المسؤولة عن اقتراح وتنفيذ قانون الاتحاد الأوروبي والإدارة اليومية للاتحاد الأوروبي. يشكل البرلمان الأوروبي،الذي يمثل مصالح مواطني الاتحاد الأوروبي، والمجلس،الذي يمثل مصالح الدول،الاقتراحات التي تقدمها المفوضية وإذا وافقوا عليها،يعتمدونها.

 

مجلس الاتحاد الأوروبي
ويعرف باسم “المجلس الوزاري” هو أهم هيئة تشريعية في الاتحاد الأوروبي. وتشارك كل من الدول الأعضاء في هذا المجلس بوزير مختص. والمجلس يتقاسم مع البرلمان الأوروبي الصلاحيات التشريعية والمسؤولية عن موازنة الاتحاد الأوروبي. وتتناوب الدول على رئاسة المجلس كل ستة أشهر.

المجلس الأوروبي

يضع المجلس الأوروبي الخطوط السياسية العريضة لعمل الاتحاد الأوروبي. ويجتمع في المجلس الأوروبي برئاسة رئيس المفوضية رؤساء الدول والحكومات إضافة إلى المندوب الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية مرتين في السنة على الأقل.

السياق الدولي والرهان الجيوسياسي لهذه الانتخابات

تأتي هذه الانتخابات في سياق إقليمي ودولي يطبعه القلق والخوف من مآلات الأحداث الجارية في التراب الأوروبي وخارجه، كالحرب الروسية الأوكرانية التي عمرت أكثر من سنتين ولا زالت جارية،والتي ألقت بظلالها داخل الدول الأوروبية وخلقت انقساما داخليا إذ جعلت الاتحاد الأوروبي في مواجهة مع روسيا، وما خلقته هذه الوضعية من أزمات اقتصادية وغذائيةكـأزمة الطاقة بعد قطع الغاز من روسيا وتعثر تصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا.
حرب الإبادة التي تجري في غزة بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر2023 التي أطلقتها حركة “حماس” كبرى الفصائل الفلسطينية ولازالت فصولها جارية لحد الآن، مع ما خلفته من ضحايا أغلبهم من النساء والأطفال في قطاع غزة، وهذه الإبادة الجماعية خلقت انقساما أوروبيا بين الشارع الأوروبي المؤيد للفلسطينيين ولوقف إطلاق النار وبعض الدول الأوروبية المصطفة لجانب إسرائيل وإن بدرجات متفاوتة، بالإضافة إلى حدوث اختراق داخل الاتحاد الأوروبي فيما يخص الاعتراف بدولة فلسطينية، إذ اعترفت ثلاث دول رسميا بدولة بفلسطين ( أيرلندا وإسبانيا والنرويج).
كما تأتي هذه الانتخابات في سياق الاستعداد للانتخابات الأمريكية التي تثير كثير من التوجس في حال فوز الرئيس الأمريكي السابق “دولاندترامب” الذي أطلق مجموعة من التصريحات والمواقف أثناء “حملته الانتخابية”،حول علاقة أمريكا بالاتحاد الأوروبي وموقف ترامب من الحرب الروسية الأوكرانية، وهي تصريحات ومواقف تثير المخاوف لدى الطبقة السياسية الأوروبية فيما يخص السياسة الدفاعية الأوروبية ومستقبل حلف الناتو، كما تشكل العلاقة مع الصين قضية ذات أهمية بالنسبة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي التي تسعى إلى نوع من التوازن و “الاستقلال الاستراتيجي” بعيدا عن الوصاية الأطلسيةالأمريكية، في إطار نظام دولي متعدد الأقطاب قيد التشكل.
أما على المستوى الداخلي فتأتي هذه الانتخابات في سياق الحديث عن التحول المناخي وأزمات التضخم التي ضربت الدول الأوروبية في مناخ مثقل بالوضع الاقتصادي المتأزمجراء الحرب في أوكرانيا، وتوافد المهاجرين إلى أوروبا فرارا من الحروب والأزمات التي تعرفها بلادهم، مما أدى إلى صعود “اليمين” و”اليمين المتطرف” في أغلب الدول الأوروبية، خصوصا تلك المطلة على البحر المتوسط كإيطاليا وإسبانيا حيث قوارب الموت.

معطيات وأرقام انتخابية 
تعتبر هذه الانتخابات، العاشرة للاتحاد الأوروبي منذ أول انتخابات جرت سنة 1979 .
ويبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 447 مليون، و360 مليون منهم سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع.
يتم الانتخاب وفق الاقتراع العام المباشر يعتمد الأغلبية النسبية.
ويتنافس في هذه الانتخابات 100 حزب سياسي موزعون على الدول الأعضاء السبعة والعشرين.
النتائج الانتخابية3.
أسفرت هذه الانتخابات عن النتائج التالية حسب المجموعات البرلمانية:

المجـــموعةنسبــــة الأصواتعدد المـــقــــاعد
مجموعة  حزب الشعب الأوروبي26,39 %190
مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي18.89 %136
مجموعة تجديد أوروبا11,11 %80
مجموعة الخضر والتحالف الحر الأوروبي7,22 %52
مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين10. 56 %76
مجموعة الهوية والديمقراطية8.06 %58
مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي5.42 %39
غير المنتسبين6.25 %45
آخرون- النواب الجدد غير المنتسبين إلى مجموعة سياسية في البرلمان السابق6.11 %44

 

قراءة في النتائج الانتخابية

1/ بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات % 51 ، وهي نسبة متقدمة مقارنة مع انتخابات 2019 (50,66%)
2/ في هذه الانتخابات حافظ يمين الوسط (مجموعة حزب الشعب الأوروبي)على صدارته في البرلمان الأوروبي، بمعية المجموعتين (“مجموعة التحالف التقدمي للاشتراكيين والديمقراطيين في البرلمان الأوروبي” و “مجموعة تجديد أوروبا”)، ولم تؤثر هذه الانتخابات على هذه المجموعات.
3/ اليمين المتطرف حقق تقدما نسبيا داخل برلمان الاتحاد الأوروبي بإضافة 13 مقعد (حزب التجمع الوطني في فرنسا) وهو ما انعكس داخل بعض الدول خصوصا في فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وهو ما توقعته استطلاعات الرأي قبل هذه الانتخابات، بينما عرف انتكاسة في شمال أوروبا (السويد وفلندا)، ورغم التقدم النسبي لليمين المتطرف إلا أنه لن يؤثر على توازنات البرلمان الأوروبي في وضعه الحالي.ويتوزع اليمين واليمين المتطرف بين مجموعتين في البرلمان الأوروبي هما “مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين” و”مجموعة الهوية والديمقراطية”.
4/ هذه النتائج لها تأثير مزدوج إن على مستوى البرلمان الأوروبي والتغيرات التي سيعرفها، ولها تأثيركذلك على مستوى كل دولة سواء بالنسبة للأحزاب التي حققت تقدما وتلك التي عرفت تراجعا، كما أن تشكيل التحالفات بين المجموعات قد يغير من خريطة وخيارات البرلمان الأوروبي من حيث التوجه السياسي.ويبقى اليسار الراديكالي في ذيل المجموعات.
5/ تقدم اليمين في هذه الانتخابات المتطرف يرى فيه البعض تصويت عقابي ضد الطبقة السياسية، ورغبة في التغيير، وإعادة تقييم تجربة الاتحاد الأوروبي(خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثال صارخ) كما تؤكد هذه الانتخابات ونتائجها فرضية أن اليمين المتطرف ينتعش في بيئة تعرف أزمات وتوترات وفي أجواء الحرب كما حدث بين الحربين العالميتين الأولى والثانية إذ انتعشت التيارات الفاشية والنازية.

تداعيات الانتخابات الأوروبية

على إثر إعلان النتائج الأولية لانتخابات البرلمان الأوروبي، جاءت أولى التأثيرات من فرنسا حيث أعلن الرئيس الفرنسي “إمانويل ماكرون” حل الجمعية الوطنية ودعا إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، كجواب على صعود “حزب التجمع الوطني” الحزب اليميني المتطرف في هذه الانتخابات الذي يتزعمه “جوردان بارديلا”،إذ حصل هذا الحزب على31,37%من الأصوات، أي 30 من أصل 81 مقعدا فرنسيا في البرلمان الأوروبي، أمام تراجع حزب الرئيس الفرنسي “حزب النهضة” الذي حصل على 14,6% من الأصوات أي حصوله على 13 مقعد، هذا الانتصار اليميني اعتبره الرئيس الفرنسي بأنه تعبير عن رغبة الناخب الفرنسي، وتفاعل معه الرئيس ماكرون بالدعوة إلى حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات تشريعية يومي 30 يونيو و7 يوليوز، مما خلق حراكا سياسيا وانتخابيا في الشارع الفرنسي( المؤشر الفرنسي CAC 40 فقد أكثر من 6٪، بداية الحملة الانتخابية، تشكيل تحالفات حزبية ورص الصفوف لمواجهة صعود اليمين المتطرف، مظاهرة حاشدة في باريس ضد صعود اليمين المتطرف، تأسيس “الجبهة الشعبية” ……)4.
ونفس الأمر ينطبق أيضا على المستشار الألماني “أولافشولتس” الذي تلقى حزبه “الاشتراكي الديمقراطي” نكسة انتخابية كبيرة بحصوله على 14% فقط من الأصوات.
كما أعلن رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو، استقالته بعد هزيمة حزبه “الليبراليين والديمقراطيين الفلمنكيين”، في هذه الانتخابات.
وأكبر الخاسرين في هذه الحرب هم أحزاب الخضر لأسباب يعزوها البعض إلى انقلاب الأولويات لدى الناخب الأوروبي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إذ أصبح الأمن والخوف هو الهاجس الأساسي.

خلاصة

في انتظار النتائج النهائية وترسيم التحالفات بين المجموعات النيابية في البرلمان الأوروبي، وانتخاب رئيس المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي والممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، تكون الانتخابات الأوروبية رسمت الملامح العامة لتوجهات الناخب الأوروبي في بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، وهذه التوجهات هي التي ستحدد طبيعة ومستقبل الاتحاد الأوروبي بين التوجه السيادي لدول الاتحاد (اليمين المتطرف)والتوجه الفيدرالي للاتحاد (حزب الشعب الأوروبي) وهو ما سيتأكد عند خوض معركة التشريعات القانونية ووضع السياسات داخل الاتحاد الأوروبي، وما ستحدده التطورات والتحولات الداخلية والتأثيرات الجيوسياسية الخارجية علىالاتحاد الأوروبي.

مراجع :
1 هذا هو تنظيم الاتحاد الأوروبي،01.11.2019https://rb.gy/r6zejx
Les groupes politiques du Parlement européen2
https://rb.gy/ppizft
3،4Pascale Joannin :Malgré une poussée à droite, la coalition majoritaire sortante avec plus de 400 sièges devrait être reconduite ;
https://rb.gy/75e6yd ;17 juin 2024

حميذ بحكاك: باحث في القانون الدستوري وعلم السياسة

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.