الأندلوسي يكتب: في الحاجة للتأسيس المشترك لجبهة تدافع عن الإصلاح

الأندلوسي

نبيل الأندلوسي*

13.06.14
اختار محمد عبد الوهاب رفيقي، أحد الفعاليات السلفية بالمغرب، رفقة ثلة من مقربيه الانخراط في العمل السياسي الحزبي عبر بوابة حزب النهضة والفضيلة، وهو الحزب الذي سبق له أن انخرط في تجربة “جي 8” التي ولدت ميتة في مطبخ حزب “الأصالة والمعاصرة”، وذلك بفضل حراك شباب مغربي آمن بالعدالة والكرامة والحرية، وبمغرب يتساوى فيه الجميع تحت سقف الوطن، وهو الحراك الذي ألجم “صوت التسلط” حينها، وأعاد بعض التوازن للمشهد السياسي المغربي المعتل.

اختلفت ردود الفعل وتباينت التقديرات، باختلاف المقاربات وزوايا وجهات النظر، وانقسم القوم بين من استهجن ارتماء جزء من “السلفيين المغاربة” في أحضان حزب سبق له أن أصيب “بعدوى مجموعة الثمانية لدعم قوى الاستبداد”، وبين مثمن للمبادرة باعتبارها تمرينا سياسيا للسلفيين من أجل الاحتكاك بالواقع المغربي المعقد، والاهتمام بتفاصيل وإكراهات خوض العمل السياسي بعيدا عن “الأحلام الطوباوية” و”الشعارات الرنانة” التي غالبا ما تصطدم بصخور الواقع.

اختلفت إذا التقديرات والمقاربات، وتعددت التحليلات والقراءات، لكن أتوقف هنا عند بعض الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا السياق وهي: أن السلفيين المغاربة ليسوا تنظيما ولم يسبق لهم أن أسسوا تنظيما مهيكلا وموحدا على المستوى الوطني يجمع “قبائل السلفيين”، رغم تأسيسهم لجمعيات وإطارات مدنية في العديد من المدن والقرى والأحياء، وإنما هم تيار فكري وديني يضم أراء فقهية ورؤى سياسية قد تتقارب أو تتباعد باختلاف السياقات والأحداث والاجتهادات والقناعات بل وحتى الولاءات، وبالتالي من التعسف في التحليل أن يصنف السلفيون، بصيغة الجمع، في مبادرة قام بها بعض الفعاليات المنتمية لهذا التيار، خاصة وأن شيوخا بارزين لم يلتحقوا بالمبادرة (أبرزهم حسن الكتاني وعمر الحدوشي)، أو “أقصوا منها” أو لا علم لهم بها (محمد الفيزازي).

إن السلفيين الملتحقين (هشام التمسماني جاد، وجلال المودن، ونعيمة ظاهر، وحسن العسري ومحمد عبد الوهاب رفيقي) ارتأوا إصدار بيان وقعوه بأسمائهم الشخصية يجيب عن كثير من التساؤلات المفترضة، وكأنه استباق لنقاش مشروع حول الخلفيات ومحاولة لرفع اللبس وتوضيح “سوء فهم كبير” قد يقع مع مكونات وطنية وعلى رأسها تنظيمات الحركة الإسلامية المغربية، التي توقع الملتحقون أنها لن تنظر في الغالب بكثير من الارتياح لمثل هذه المبادرة.

لقد حاول “أبو حفص” ومجموعته توضيح دوافع وسياق المبادرة التي جاءت بناء على عرض تقدم به محمد خليدي، الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة، والذي برروه بإيمانهم “بمبدأ المدافعة وضرورة المزاحمة، وعدم سلك سياسة المقعد الفارغ”، وسعيا” لدعم التجربة الإسلامية، وتنويع أشكالها وتجلياتها” و”التعاون مع كل القوى المحاربة للفساد والاستبداد”.

وكجواب ضمني وتوضيحا لموقفهم من التحاق حزب خليدي بمجموعة جي8 فيما مضى من أيام “حلم الهيمنة والتحكم عند قوى الإستبداد”، يوضح الملتحقون أنهم لا يتحملون “أي مسؤولية بخصوص مواقف الحزب السابقة أو تموقعاته واختيارته” وأن مسؤوليتهم “المعنوية والتاريخية تبدأ من يوم إعلانهم الانضمام للحزب” وأنهم لن يكونوا ولن يقبلوا “بأن يتم استخدامهم ضد أي أحد، إسلاميا أو غيره” مؤكدين على حرصهم “تقوية علاقتهم بكل فصائل المجتمع، وعلى رأسها الحركة الإسلامية والقوى الوطنية”.

إنها إشارات لا تخلو من توجس ذاتي عند مجموعة أبي حفص، من أن يكونوا جزءا من مخطط هم أصلا غير مطلعين عليه، وهو ما يجعلهم يؤكدون وبلغة الوضوح في بيانهم على أن منطق التعامل داخل الحزب يجب أن يكون مستقبلا “مستقلا وبعيدا عن أي تعليمات أو توجيهات”.

إنه وبقراءة متأنية لما بين سطور “بيان الملتحقين” يتضح أن التوجس من عرض الالتحاق بحزب “الشمس” قائم عند الملتحقين أنفسهم، خاصة في سياق قد تحاول فيه “جهات ما” لعب ورقة السلفيين لخلق أو فرض توازنات سياسية معينة في الزمن السياسي المنظور، وهو ما جعل أبى حفص يؤكد على أنه “يفضل الموت على لعب مثل هذه الأدوار”، في رفض معلن من جهته لأي سيناريو لعب دور كومبارس ما في مسرحيات غالبا ما تكون سيئة الإخراج، وهي إشارة يجب استيعابها بكثير من التعقل والمرونة، اعتبارا لحساسية اللحظة التاريخية التي تجتازها البلاد، والتي تفرض الحسم في الاصطفافات بين من مع الفساد ومن ضده، ومن يدعم فعل الإصلاح ومن يقف في وجهه.

لذا فإن النقاش والجهود يجب أن تنصب في تعزيز جبهة الإصلاح، وخلق شروط تنسيق بين المناهضين للاستبداد داخل مختلف الأحزاب السياسية المغربية والتوجهات الفكرية، في أفق تعاون جميع الشرفاء، باختلاف انتماءاتهم الإيديولوجية، لخدمة مصلحة البلاد والعباد مصداقا لقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، ولا أرى مكانا للسلفيين المؤمنين بضرورة العمل السياسي من داخل المؤسسات إلا ضمن خندق الإصلاح، وهذا هو مقامهم ولاشك، مع التأكيد هنا على ضرورة التأسيس المشترك لوعي سياسي ناضج قادر على فهم إشكاليات المعادلة السياسية المغربية التي يهيمن فيها المجهول على المعلوم، تأسيسا لجبهة وطنية تدافع عن الإصلاح وتناهض الفساد والاستبداد.
*الكاتب الإقليمي لحزب العدالة والتنمية بالحسيمة

 

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.