[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

الهلالي يكتب: أي سند قانوني لاشتراط الإدلاء بعقد الزواج لولوج الرجل والمرأة إلى غرفة مشتركة بمؤسسات وأشكال الإيواء السياحية؟ ج1

امحمد الهلالي


في إطار تكثيف ضغوطه من أجل إلغاء تجريم العلاقات الجنسية الرضائية بين بالغين خارج مؤسسة الزواج كرر السيد وزير العدل تصريحاته بخصوص قانونية اشتراط عقد الزواج لولوج الجنسين إلى غرفة مشتركة بالفنادق، فانتقل من الاحتجاج على وجود هذا الإجراء والتعبير عن رغبته بإلغائه في إصلاحاته الموعودة، إلى مرحلة أخرى وجه فيها تهديدا صريحا إلى ملاك ومستغلي المؤسسات السياحية إذا ما استمروا في مطالبة زبنائهم بهذا الإجراء تحت طائلة المساءلة القانونية زاعما أنه من غير سند قانوني.
وقد أعقب هذه التصريحات صدور مقال لعضو ديوان الوزير السيد عبد الوهاب رفيقي، يشرح فيه تصريحات الوزير، ويبين ما يزعم أنه غياب للسند القانوني والفقهي، بل وذهب بعيدا في اعتبار هذا الإجراء متعارضا مع المواثيق الدولية والمقتضيات الدستورية والأحكام الفقهية.
مقال السيد عبد الوهاب رفيقي يناقش الإدلاء بوثيقة عقد الزواج كشرط لولوج الرجل والمرأة إلى غرفة مشتركة في مؤسسة سياحية ضمن فهمه الجديد لمفاهيم الحياة الخاصة والحرية الشخصية، وكذا ضمن تأويله الخاص لمفهوم حرمة المعطيات الشخصية وحرمة المسكن.
كما يرافع عن وجهة نظره الجديدة بالاستدلال بنصوص قانونية عامة من المواثيق الدولية أو الوثيقة الدستورية التي لا صلة لها بالموضوع وتحتاج إلى كثير من التعسف في التأويل، وكثير من الانتقاء لكي تسعف في القول بانعدام الأساس القانوني للمطالبة بعقد الزواج كشرط لولوج الجنسين إلى غرفة مشتركة بمؤسسة سياحية.
وللتفاعل مع هذا النقاش سوف ننطلق من الأسئلة التالية:
– ما هو الأساس القانوني للإدلاء بعقد الزواج كشرط لولوج الجنسين إلى غرفة مشتركة في مؤسسات وأشكال الإيواء السياحي؟
– هل شرط الإدلاء بوثيقة عقد الزواج للولوج إلى مختلف أشكال الإيواء السياحي يعتبر انتهاكا لحرمة الحياة الخاصة وللحرية الشخصية ولحرمة المعطيات الشخصية؟ أم أنه يعد من صميم الحماية القانونية للحياة العامة والفضاءات المشتركة عن طريق حماية النظام العام ونظام الأسرة والآداب العامة؟
وقبل ذلك كله، لماذا هذا الإصرار على هذه الموضوعات في سياقنا الراهن؟

أولا: في السياق الدعوة إلى رفع التجريم عن الولوج إلى غرفة مشتركة بين الجنسين دون عقد زواج.
تعد الحملة على طلب الإدلاء بعقد الزواج كشرط لولوج الجنسين إلى غرفة مشتركة بمؤسسات الإيواء السياحي جزءا من المساعي الرامية إلى إلغاء تجريم العلاقات الجنسية الرضائية، وفي إطار التمهيد لتنفيذ التوصيات الموجهة إلى المغرب بهذا الخصوص، ضمن تقرير الاستعراض الشامل أمام مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، إلى جانب باقي التوصيات ذات الصلة، ومنها تجريم الزواج دون سن الأهلية، والسماح لولوج الفتيات دون هذا السن إلى الصحة الإنجابية، مع الاعتراف بوضعية الأمهات العازبات، وإعمال البصمة الوراثية لإثبات النسب الطبيعي للمواليد خارج نطاق الزواج، وهي موضوعات لها ترابط خاص وتحكمها خلفية واحدة تتعلق بتشريع الحريات الجنسية ومناهضة مؤسسة الزواج للشرعي ومؤسسة الأسرة.
وتندرج هذه النقاشات ضمن سياق الاستعداد لإحالة مشروع القانون الجنائي الذي تم سحبه رغم التوافق الوطني الذي كان يحظى به، على إثر الحوار الوطني حول العدالة، لكونه لم يخضع للإملاءات الخارجية بخصوص تنفيذ التوصيات التي ظل للمغرب يعبر عن رفضه لها في تقارير الاستعراض الشامل لمرحلة ما قبل 2021، انطلاقا من تعارضها مع أحكام شرعية قطعية ومقتضيات دستورية متوافق عليها وتفسيرات وتحفظات للمغرب على الوثائق الدولية أثناء مصادقته عليها ضمن الأطر التي تسمح بها القوانين والمعايير الدولية نفسها.
كما يتأطر هذا الجدل ضمن المساعي الانفرادية التي سلكها وزير العدل بهدف مراجعة مدونة الأسرة، لاعتماد ما تم تسريبه إلى تقرير النموذج التنموي الجديد من قضايا تتعلق بالأسرة والمرأة، وما يرتبط بهما، خاصة في القضايا التي وردت بشأنها نصوص شرعية قطعية أو تلك التي تم فيها التوصل إلى توافقات في إطار لجان ملكية من قبيل توسيع مجال الإعفاء من العقاب في قضايا الإجهاض وقضايا العلاقات الجنسية خارج الزواج والشدود الجنسي والمساواة في الإرث وذلك قبل أن تسحب المبادرة من الوزير وتتخذ مسارها الجديد.
ضمن هذا السياق حاول السيد وزير العدل ومساعده الرجوع إلى قضية الإدلاء ببعض الوثائق والبيانات قبل الولوج إلى الإيواء في غرفة مشتركة بين الجنسين في مؤسسات الإيواء السياحية، زاعمين أنه لا يوجد أساس قانوني لهذا الشرط، ومدعين أن التمسك بهذا الشرط يعد انتهاكا للحياة الخاصة وللحماية القانونية للمعطيات الشخصية الذي يقع حسب تأويلهم تحت طائلة المتابعة القضائية.
فهل الإدلاء بعقد الزواج وبباقي البيانات والوثائق الشخصية يعتبر من غير سند قانوني كما يدعي وزير العدل وعضو ديوانه؟ وأي تأطير قانوني لمثل هذا الشرط للولوج إلى بعض الخدمات العمومية؟

ثانيا: في أسباب اشتراط تقديم وثائق الهوية والبيانات الشخصية ومنها عقد الزواج لولوج بعض الخدمات العمومية.
للولوج الى بعض الخدمات العمومية يشترط القانون الإدلاء ببعض وثائق التعريف أو الوثائق المثبتة للهوية أو المتضمنة لبعض البيانات الشخصية، وعلى رأس هذه الخدمات الإيواء السياحي في الفنادق وباقي أشكال الإيواء الأخرى.
وتأتي هذه الشروط ضمن إجراءات تهدف إلى تعزيز النظام العام بأركانه الثلاثة وكذا في إطار التدابير الهادفة إلى تكريس الضمانات القانونية المتعلقة بحماية الحياة العامة والفضاء المشترك، من خلال حماية نظام الأسرة والآداب العامة لفائدة جميع المواطنين بلا استثناء بمن فيهم مرتادي هذه الخدمات أنفسهم.
كما أن فرض بعض الإجراءات على المستفيدين من بعض الخدمات إنما هي جزء من تدابير احترازية ترمي إلى تسهيل مأمورية الأجهزة المختصة بحماية الحقوق والحريات لفائدة المجتمع ككل، ولفائدة أشخاص معينين في وضعيات محددة، كما تهدف أيضا إلى تقاسم المسؤولية مع موردي هذه الخدمات ومستغلي المؤسسات التي توفرها للإسهام الجماعي في الوقاية المسبقة من التهديدات المحتملة لهذه الحقوق والحريات، وكذا من أجل التشارك في التصدي الجماعي للجرائم الماسة بالنظام العام أو بنظام الأسرة والآداب العامة، كما هو الشأن بخصوص موضوع مناقشتنا.
إن تدخل القانون الذي هو تعبير عن إرادة الأمة للحد المؤقت من بعض الحريات أو لفرض قيود معينة نظير الاستفادة من بعض الخدمات المرتبطة بحقوق وحريات أخرى، إنما يتم بغاية تأمين ممارسة حقوق وحريات أخرى أكثر أهمية أو مماثلة لها في القيمة والأولوية، وقد يكون المستفيد الأول من هذه الإجراءات هو من قيدت حريته، ثم عموم المواطنين، كما أن جميع النصوص القانونية الدولية والوطنية لا تعتبر ذلك مسا بحقوق الانسان بل تعتبرها من الواجبات المفروضة على السلطات العامة للقيام بمسؤوليتها دون تقصير بغاية حماية حقوق وكرامة الانسان ومصالحه، بشرط أن يتم تشريع هذه القيود ومداها وحدودها والمكلفين بتنفيذها بواسطة القانون ولغاية المصلحة العامة.
لذلك فكل النصوص التي تم الاستشهاد بها سواء من المواثيق الدولية أو من الدستور المغربي في موضوع حرمة الحياة الخاصة أو في موضوع معالجة المعطيات الشخصية، وإن كانت لا تخص موضوعنا، فهي تتضمن بشكل لا لبس فيه إمكانية الحد من هذه الحقوق والحريات أو تقييدها بشرط أن يكون ذلك بواسطة القانون وتحت إشراف سلطة عامة ولغاية تتعلق بالمصلحة العامة.
ومن هنا فإن حق التجوال على سبيل المثال، والحق في التنقل خاصة عبر المطارات، يخضعان في ممارستهما لقيود تبدو شديدة ولتفتيش قد يصل إلى حد انتهاك الخصوصية والحميمية، والأغراض الخاصة أيضا، ولا يقول أحد إن ذلك غير قانوني أو متعارض مع المعايير الدولية والوثائق الدستورية طالما أن ذلك يتم في نطاق القانون ومن قبل سلطة مختصة ولغرض مصلحة عمومية.
طبعا قد يقول قائل ومنهم السيد وزير العدل إن هذا التفتيش وهذا الإدلاء بهذه الوثائق يتم من قبل أجهزة مختصة كلفها القانون بمهام ضباط الشرطة القضائية، لكن يفوت هؤلاء أن القانون الذي كلف هؤلاء، هو نفسه الذي أجاز ممارسة بعض مهام ضباط الشرطة القضائية من قبل موظفي وأعوان بعض الادارات والمرافق العمومية حسب قانون المسطرة الجنائية، ولا سيما المادة 27 التي جاء فيها “يمارس موظفو وأعوان الإدارات والمرافق العمومية الذين تسند إليهم بعض مهام الشرطة القضائية بموجب نصوص خاصة، هذه المهام حسب الشروط وضمن الحدود المبينة في هذه النصوص”.
ومن بين القوانين الخاصة التي نصت على تعيين أعوان وموظفين مكلفين ببعض مهام ضباط الشرطة القضائية القانون رقم 80.14 ولاسيما المادة 39 منه التي تنص على ما يلي: “علاوة على ضباط الشرطة القضائية يؤهل للبحث عن مخالفات أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه ومعاينتها الأعوان المؤهلون والمنتدبون خصيصا لهذا الغرض من لدن الإدارة”.
وهو نفس القانون الذي أناط بمستغلي ومديري هذه المؤسسات بواجب تلقي بيانات ووثائق الزبناء العابرين والمقيمين فور وصولهم، والتصريح بها لدى الإدارة في يومه عبر معالجة إلكترونية، يلتزم مستغل مؤسسة الإيواء السياحي وجوبا “بأن يطلب من زبنائه العابرين أو المقيمين بمجرد وصولهم إلى المؤسسة تقديم وثائق التعريف وملء وتوقيع استمارة فردية للإيواء” حسب المادة 37، و”أن يصرح يوميا لدى الإدارة، عبر معالجة إلكترونية تسمى التصريح الإلكتروني، بالمعطيات المتعلقة بزبنائه العابرين أو المقيمين يوم وصولهم لمؤسسته مع احترام المقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي”، وفقا لمنطوق المادة 36.
وانطلاقا مما سلف وباستحضار هذه المنصوص الواضحة نعيد طرح الأسئلة التالية:
– هل طلب الإدلاء بعقد الزواج للولوج إلى غرفة مشتركة بين رجل وامرأة يعد مسا بالحياة الخاصة أم هو ضمانة لحماية الحياة العامة؟
– وهل هذا الإجراء يعد ضمن الحالات الممكن فيها قانونا معالجة المعطيات الشخصية، لطالبي هذه الخدمة في هذه المرافق المفتوحة للعموم؟
– وهل مطالبة المؤسسات السياحية بهذه الوثيقة والبيانات هو الذي يعرضهم للمساءلة أم امتناعهم عن طلب هذه الوثيقة وتقاعسهم في التصريح بها لدى الإدارة المعنية، عبر معالجة إلكترونية، هو الذي يعرضهم للعقاب وفق لنصوص تنظيم استغلال المؤسسات السياحية وفتحها امام العموم؟
يتبع…

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.