[ after header ] [ Mobile ]

[ after header ] [ Mobile ]

عبد الرحمن اليعقوبي يكتب: مفهوم المرجعية الإسلامية في إطار التداول السياسي

 

عناصر الموضوع:
1 ـ قضايا إشكالية
2 ـ جدل الديني والسياسي
3 ـ الشريعة والقانون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة:
تهدف هذه الورقة إلى بسط بعض القضايا المتعلقة بمفهوم المرجعية الإسلامية. وقد استعملنا مصطلح مفهوم لنضفي على القضية معنى مجرد من خلاله يمكن فهم مجموعة من القضايا المرتبطة بمذهبية حزب العدالة والتنمية وما تطرحه هذه المذهبية وما تثيره في إطار التداول السياسي. ونعني بالتداول السياسي الطريقة التي تفرض بها هذه القضايا نفسها على المتداولين من مفكرين وسياسيين. ونشير إلى أن مفهوم المرجعية لا يزال موضوع الساعة في السجال الفكري الحالي ، وهذا ما يعطي لهذا الموضوع أهميته.

إشارات تاريخية

في التداول السياسي داخل الدول الديمقراطية، وفي التداول السياسي للأحزاب السياسية في هذه الدول، لا بد أن تكون الحدود بين الأطراف السياسية المشاركة في الفعل السياسي واضحة من خلال المشروع الفكري والمجتمعي والايديولوجي لكل طرف سياسي.
إن أهم ما تمخضت عنه الخلافات السياسية في فترة ما بعد الاستقلال هو الفرز الواضح للمشاريع السياسية آنئذ والتي كان من نتائجها إنتاج نظام التعددية وإنهاء مشاريع الطموح إلى الحزب الواحد، باعتباره التقليد السياسي السائد في ذلك الوقت في بلدان مثل بلدنا. ولقد ساهم الزعماء التاريخيون لحزبنا في إرساء حالة التعددية والتي كانت من نتائجها إنتاج كيانات سياسية ومدنية تعبر عن ذاتها من منطلق الاختلاف في الرأي ولكن أيضا في طرح مشاريعها المستقاة من منابع فكرية متعددة. ولأن القانون المغربي كان يضمن منذ البداية هذا التعدد والاختلاف فإن التدافع بين المنطلقات المذهبية للأحزاب والهيئات كان واضحا كل الوضوح، وهو لا يزال مستمرا إلى الآن، مما يعطي المشروعية لكل الفعاليات الفكرية والسياسية في التعبير عن نفسها ويجعل من كل محاولة للإقصاء أو الاستئثار بالرأي محاولة لا واقعية ولا تاريخية.
داخل هذه الشروط الفكرية والسياسية يمكن موقعة الاختيار المذهبي لحزب العدالة والتنمية وهو انطلاقه من المرجعية الاسلامية .
مذهبية حزب العدالة والتنمية المرجعية الإسلامية

السؤال الأساس المطروح هنا هو: ماذا تعني المرجعية الإسلامية في أدبيات حزب العدالة والتنمية؟

نطرح هذا السؤال لأنه يعتبر مقدمة لكل ما سيأتي من مناقشات حول الموضوع. ذلك أنه من الصعب إعطاء تحديد واحد لهذا المفهوم بسبب تعدد المقاربات التي واختلافها في هذا الموضوع باختلاف التصورات الفكرية في هذا المجال بين التيارات والمذاهب والحساسيات الإسلامية ولكن أيضا بينها وبين المهتمين بهذا الموضوع من الدارسين والأكاديميين والسياسيين.

حول مفهوم المرجعية الاسلامية في ادبيات حزب العدالة والتنمية

خضع هذا المفهوم لكثير من التوضيح منذ الاعلان عنه شعارا للحزب اي منذ اواخر التسعييات من القرن الماضي. ومع ذلك فان مفهوم المرجعية الاسلامية كان متداولا من قبل ولزمن بعيد من قبل حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عندما اسسها الدكتور الخطيب. لم يكن المناخ السياسي السائد عند إعلان الدكتور الخطيب هو نفسه عندما اعيد التاكيد على هذا المفهوم بعد انضمام الحركة الاسلامية . هنالك اشياء كثيرة تغيرت سواء على المستوى المحلي او الدولي. وهذا يعني ان حضور هذا المفهوم في التداول السياسي لم يكن هو نفسه اذا ما قارنا بين فترة النشأة والفترة التي اصبح فيها مركزا للتداول السياسي اواخر التسعينيات. وفي هذه المرحلة الاخيرة اختلطت الجوانب الأيديولوجية بدوافع التنافس السياسي ليصبح مفهوم المرجعية موضوعا يوميا في الصحافة وعلى افواه الساسة.
كل هذا يبين أن مفهوم المرجعية الاسلامية قد خضع مثله مثل باقي المفاهيم للتطور والتفسير المستمر ورفع الغموض الدائم كلما ازداد حضورا في التداول السياسي، وهذا بالرجوع إلى أن الفكر السياسي الغربي يطرح في كل يوم قضية جديدة تتعلق بمعنى المرجعية عندما يواجه التيارات السياسية المعادية بالنسبة إليه والتي أطلق عليها مسمى” الإسلام السياسي” وهو مسمى أيديولوجي وتعميمي ومخادع يصلح لا لصاق أي تهمة يريد في المواجهة مع التيار الاسلامي . وكثيرا ما يتلقى الإعلام السياسي المنافس في بلدنا مثل هذه التهم والتسميات والتصنيفات ويعمل على إذاعتها باعتبارها وسيلة في التنافس والصراع السياسي الداخلي، ويكون النقل في كثير من الأحيان نقلا حرفيا.
يحضر مفهوم المرجعية الاسلامية في كل الوثائق الرسمية للحزب ، وهذا يعبر عن أنه ليس مجرد مقولة سياسية من بين غيرها بل إنه تعبير عما يشكل أساس المذهبية الحزبية بين المذهبيات المختلفة التي تعرفها الحياة السياسية في بلدنا. وإذا كانت هذه المذهبيات المختلفة هي صدى للمذهبيات الأصلية في الفكر السياسي الغربي، فإن المرجعية الاسلامية هي وحدها تستمد أصلها من الثقافة المغربية التي تشكلت على مدى العصور وكانت نبراسا لكل حركات الإصلاح والنضال من أجل صد العدو ومن أجل التحرير. وهكذا نلاحظ أولا أن وثائق الحزب كلها تتحدث عن المرجعية بخلفية وطنية مغربية بالرغم من أن الإسلام ليس دينا للمغاربة فقط.
لهذا فإن الحزب يعرف نفسه كما يلي: “حزب العدالة والتنمية حزب سياسي وطني يسعى، انطلاقا من المرجعية الاسلامية وثوابت الأمة الجامعة، وفي إطار نظام المملكة القائم على الملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية الاجتماعية وفي نطاق مؤسساتها الدستورية، إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديمقراطي ، ومزدهر ومتكافل ، مغرب معتز بأصالته التاريخية ومسهم إيجابيا في مسيرة الحضارة الإنسانية” (1 )
سنحاول أن نقارب مفهوم المرجعية الاسلامية في أدبيات حزب العدالة والتنمية بناء على منهج يتوخى شيئا من الموضوعية، وهذا لأن الأمر لا يتعلق عندنا بالدخول في سجال أيديولوجي، ولكن يتعلق بالرغبة في الفهم وتقريب الفكرة وتوضيحها للمهتمين في إطار التداول السياسي والفكري للمفهوم.
سنعمل على إنجاز هذا الهدف من خلال بعدين: بعد سلبي نبين فيه ما ليس هو المرجعية الاسلامية بالنسبة للحزب، أي المعاني التي يجب استبعادها والتصدي لها في التداول السياسي للمفهوم ، وبعد ايجابي سنحاول فيه تحديد المعاني والدلالات التي يحملها هذا المفهوم.

1 ـ معاني لا يحملها مفهوم المرجعية الاسلامية

ما فتئت وثائق الحزب تؤكد على أن كثيرا من المعاني التي تتداول في الصحافة وفي بعض الطروحات الفكرية ليست هي المعنى الحقيقي لمفهوم المرجعية الإسلامية. ويتجلى ذلك في المعاني التالية:

أ ـ معنى القداسة:

يتداول هذا المعنى من خلال القول بأن الحزب يسعى إلى أن يضفي على اجتهاداته قداسة يواجه بها منافسيه تستمد من قداسة النص والدين. لهذا تنفي وثائق الحزب إضفاء القداسة على الجوانب المتعلقة بالسياسة من الدين، لأن الإسلام يرفض أن يضفي طابع القداسة على الممارسة السياسية ويرفض بشكل قاطع نظرية الحكم الإلهي أو ما يعرف بالحكم الثيوقراطي.(2)

ب ـ ليس الحزب حزبا دينيا:

وهذا معناه أن كون الحزب هو حزب سياسي فهذا يعني أن اجتهاداته واختياراته تبقى اجتهادات بشرية قابلة للصواب والخطأ والنقاش والمراجعة ، فهي اجتهادات مطروحة للشعب ويمكن للممارسة والأداء السياسي أن يحسم في مدى فعاليتها وجدواها.(3)

ج ـ ليست المرجعية تطرفا:
مفهوم المرجعية ينبذ كل مظاهر التطرف الديني والسياسي التي عرفها الفكر الديني أو الممارسة السياسية. لا يقتصر الرفض على التطرف الديني بل إنه يتعدى ذلك إلى التطرف العلماني الذي يميل إلى الإقصاء الفكري والسياسي. ولهذا لا يعتبر الحزب حزبا إقصائيا في أي جانب من جوانب فكره وممارسته. ظل الغلو والتطرف على الدوام ، وسيظلان شذوذا لا يعبر عن الاتجاه الغالب في تاريخ الأمة وحاضرها.(4 )

د ـ ليست المرجعية انكفاء على الذات:

يتداول أن المرجعية ستؤدي إلى الانكفاء على الذات وتحد من القدرة على التواصل ، وهذا أمر لا يتوافق مع معنى المرجعية في مشروع الحزب.(5)

ه ـ ليست المرجعية هي تطبيق أحكام العقوبات.

إن اختزال الشريعة في نظام العقوبات تشويه لها ، فإقامة العدل شريعة وإنصاف المرأة شريعة وحفظ كرامة الإنسان شريعة والصيام شريعة وإقامة الصلاة شريعة والمحافظة على البيئة شريعة وضمان حق كل مواطن في العيش الكريم شريعة . (6)
إن رفض هذه الأوصاف داخل التداول السياسي من طرف المنافسين يجعل من الضروري تقديم وصف دقيق لمعنى مفهوم المرجعية الاسلامية، وهو تحدي فكري وسياسي ما فتئ الحزب يعمل على حله منذ أن أقر بمذهبيته ورفض كل مساومة للرجوع عنها، بل إن الإشكاليات في هذا المجال تزداد في كل يوم، مما سنرجع إليه فيما بعد، سواء من طرف المتابعين في الداخل أو الخارج.

مدلول مفهوم المرجعية الإسلامية

لقد تطور تعريف المفهوم منذ ظهوره وإلى اليوم. ويبدو أن الحزب يهدف إلى إغناء هذا المفهوم في كل لحظة لحسن التعامل مع المستجدات وملء بعض الفراغات والإجابة عن الإشكاليات المتجددة في هذا المضمار.. ويبدو أن الطرح في بدايته كان أكثر اهتماما بمواجهة الاتهامات ورد الاعتراضات وإيضاح المفاهيم، يظهر هذا في تصريحات المسؤولين الحزبيين منذ سنة 2000 وكذلك في الورقة المذهبية، ثم انبرى من بعد هذا إلى توضيح عناصر مشروع الحزب الذي أصبح طرفا رئيسيا في الساحة السياسية وخصوصا بعد النجاحات الانتخابية المتتالية. لهذا سنحاول الآن أن نعرض لمفهوم المرجعية الإسلامية كما قدمها الحزب في مختلف أدبياته.

2 ـ معنى المرجعية عند حزب العدالة والتنمية

عندما نتحدث عن المرجعية فهذا يحيلنا مباشرة إلى منظومة الإسلام عقيدة وشريعة وأنظمة وأحكاما وتراثا. إنه فهم تلقائي ومباشر بالنسبة لكل من يسمع بمفهوم المرجعية الاسلامية. يثر هذا الأمر أسئلة كثيرة عند كل من يتوجس خيفة من الإسلام سواء من الداخل أو الخارج، وسواء لأسباب تنافسية سياسية، أو لأسباب مبدئية، أو لرفض معين لإدخال الدين في السياسة أو غيرها. وليس حزب العدالة والتنمية وحده من واجه هذه المعضلة بل إن كل الأحزاب ذات التوجه الاسلامي في العالم العربي والإسلامي كانت تحت مطرقة ضرورة الرد على المناوئين في هذا المجال، وهذا ما يقتضي قراءة مقارنة في هذا الموضوع، سنحاول الاقتراب منها فيما بعد.
ولكي يفك حزب العدالة والتنمية شبكة هذه المواجهات عمد إلى التأكيد في أدبياته على أنه حزب مغربي ينطلق في نشاطه من تحديات الواقع السياسي المغربي ومتطلباته وقواعده ضمن المؤسسات المغربية وليس غيرها. وهو هنا يحاول رفع اللبس وتوضيح المفاهيم وملء الثغرات وتبديد كل سوء الفهم سواء منه العادي أو المقصود لأغراض متعددة وخصوصا عند ربطه بكيانات خارجية. كل هذا يظهر في تعريف الحزب والذي قدمناه من قبل وأيضا في كل الأوراق السياسية التي أصدرها، ونعطي أمثلة عنها من خلال: الورقة المذهبية( البرنامج العام) وأطروحة المؤتمر السادس وأطروحة السابع وورقة الحوار الداخلي: خلاصات وتوصيات.
كل هذه الوثائق مع غيرها تلخص رؤية الحزب وتصوره لعلاقة الدين بالسياسة ولعلاقة الشريعة بالقانون ولموقع المرجعية في التنافس السياسي الداخلي ولموقف الحزب من القضايا التي تطرح باعتبارها اشكاليات في هذا مثل الموقف من الديمقراطية، والمرأة، وحقوق الإنسان، والحرية، والدولة، والدين والدولة، والعلاقة مع الأطراف الأخرى داخليا وخارجيا، والعنف والتطرف، ومفهوم المواطنة، ومدنية الدولة، و التعددية السياسية، والحقوق المدنية والسياسية، وقضية فلسطين وغيرها.
يبدو من خلال هذا أن مفهوم المرجعية لا يمكن اختزاله في كلمات أو في طروحات عامة بل إنه يقتضي تقديم مشروع متكامل يجيب عن كل الأسئلة المطروحة على الأحزاب من مثل حزب العدالة والتنمية المغربي. والقضايا المطروحة على الأحزاب ليست فقط هي القضايا الفكرية بل أيضا القضايا التي تحضى باهتمام المجتمع في تفاعله مع الواقع بكل محدداته. لاحزب بدون نسق فكري مؤطر، ولكن ومن جهة أخري لا سياسة بدون القدرة على الإجابة عن هموم المجتمع. وهذا يفرض علينا لمتابعة القراءة في معنى مفهوم المرجعية الإسلامية أن نقسم الموضوع إلى عناصر محددة ولكن داخل هذا سنكون مضطرين إلى الرجوع إلى قراءة مقارنة من خلال هذه العناصر. وهكذا سنتناول الموضوع من خلال العناصر التالية:
ـ المرجعية الإسلامية:قضايا إشكالية
ـ المرجعية الإسلامية: جدل الديني والسياسي
ـالمرجعية الإسلامية: الشريعة والقانون

أولا: المرجعية الإسلامية: قضايا إشكالية

إن تأسيس حزب سياسي عصري بمرجعية إسلامية يطرح كثيرا من الإشكاليات التي على الحزب أن يجيب عنها والتي قدمنا بعضا منها. من هذه الإشكاليات ما يحتاج توضيحا إلى اليوم، وهذا يعني أن المجهود الفكري والسياسي يجب أن يبقى متواصلا بقدرة كبيرة على الإبداع في هذا المجال. الأمر لا يتعلق فقط بالجانب السياسي بل يتعلق أيضا بمساهمة في التجديد الفكري الإسلامي وإثراء التاريخ الفكري والاستجابة الدائمة لكل جديد سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
ونجد ان مجوع الإشكاليات المطروحة لا تخص حزبنا بل طرحت داخل الساحة العربية على امتدادها والأحزاب ذات المسحة الدينية الغربية نفسها، وذلك في الوقت الذي بزغت فيه أحزاب مسيحية ديمقراطية. بل إن تطور هذه الأحزاب نفسها قد كان استجابة للإشكاليات المطروحة. وكانت هذه الإشكاليات هي انتشار النزعة المادية والعلمانية وتقديم مشاريع تشئ الإنسان وتنزع عنه إحساسه الروحي. كانت نشأة هذه الأحزاب إثارة لإشكالية علاقة الدين بالدولة بعد أن أبعدت الكنيسة بطريقة قاسية. واستطاعت هذه الأحزاب المسيحية أن تكيف نفسها بل أن تتنازل عن أغلب ما قامت عليه وعن أغلب تعاليم الكنيسة في هذا المجال. وقد نجد تشابها في بعض الإشكاليات المطروحة هنا مثل ما يتعلق بقضية الاجهاض، وقضية الحريات الفردية، والزواج المثلي وغيرها. الملاحظ هنا هو ان التنازل المستمر لهذه الأحزاب قد ميع منظورها لعلاقة الدين بالسياسة. ورغم الاختلاف بين الطرفين الإسلامي والمسيحي في الخلفيات الثقافية والسياسية والدينية، فإن هذه الإشكالية تطرح حتى على الأحزاب الإسلامية، أي في مدى قدرتها على الصمود في وجه الأمواج الكاسحة سواء من طرف الغرب أو من قبل الأطراف السياسية الداخلية.
” إنّ تطورَ الأحزاب المسيحية الديمقراطية تَمَثَّلَ بالدرجة الأولى في إعادة تعريفها لعلاقة الدين بالسياسة، حيث تبنّت فكرة التأثير غير المباشر للدين على السياسة، أو ما يُعرف ب”الإلهام الديني” للسياسة. وتعني هذه الفكرة النظر غلى الدين المسيحي باعتباره مجموعة من “المبادئ الملهمة” للنشاط الموجه نحو السعي لتحقيق المصلحة المشتركة الدنيوية، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضا الظروف التاريخية الخاصة. وبالتالي يمكن فهم فكرة الإلهام الديني للسياسة كوسيلة للعمل المسيحي أي الاعتراف بالتأثير غير المباشر للدين على السياسة، مع احترام التمييز، وبالتالي درجة من الاستقلال الذاتي النسبي بين هذين المجالين. وتعتبر فكرة التأثير غير المباشر للدين على السياسة مختلفة تماما عن التأثير المباشر التي تتمثل في التطبيق الحرفي لمبادئ الأخلاق الكاتوليكية على السياسة” (7)
المواجهة ليست بالمسالة السهلة وهو ما تعرضت له الأحزاب السياسية في الساحة العربية. والنموذجان البارزان في هذا هما : الإخوان المسلمون في مصر وحركة النهضة في تونس.
يبدو لنا أن قدرة المقاومة الفكرية المتمثلة في التمييز بين الأهم والمهم لم تكن واضحة عند حزب الحرية والعدالة، وهو ممثل للإخوان المسلمين، ولهذا انكسر عند أول مواجهة مع خصوم يملكون كل أسلحة الحرب ضد الاتجاه الإسلامي. وفي مقابل هذه التجربة يمكن قراءة تجربة حزب النهضة التونسي، والذي استطاع بمهارة أن يتكيف مع تطور المواجهة وأن يستمر على الرغم من الحروب التي شنت ضده. لم يكن هذا فقط نتيجة المهارة السياسية والتكتيكية، ولكنه إضافة إلى هذا نتيجة جهد فكري واحتهادي كبير. وهو نفس الأمر الذي عرفته التجربة المغربية في هذا المجال.
ولأنه من الصعب أن نسرد كل الإشكاليات التي تواجهنا في هذا المجال لكثرتها، فإننا سنعرض بعضها ثم نختار منها ما يمكن أن أن جيب عنه من خلال النسق الفكري لحزب العدالة والتنمية.
وفي البداية نقول بأننا نستشف من خلال العرض المستفيض لمفهوم المرجعية لذى حزب العدالة والتنمية، بأنه فعلا يجيب عن أسئلة مضمرة طرحت على مدى وجود هذا الحزب ضمن تيار الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية بالبلاد الإسلامية، ومن ذلك الإشكاليات التي سنقدم في التالي:
أليست المرجعية وصاية على الجمهور باسم الدين؟
أليست المرجعية الإسلامية هي مجرد عبارة عن أيديولوجيا سياسية شعبوية تستغل الدين لأهداف سياسية؟
ألن يكون برنامج الحزب هو نفسه أحكام الشريعة ؟
أليست المرجعية هي مسبقا محددة في النصوص ومن ثم إغلاق باب الاجتهاد وفرض أحكام الدين على واقع مرن ومتحول؟
الا يعني القول بالمرجعية استغلال للمقدس والمشترك الديني فنجعل بهذا الاجتهادات السياسية اجتهادات مقدسة؟
توجد هنالك فيما يخص العلاقة بين الدين والسياسية نوع من الضبابية والتعويم وكثيرا من المناطق الرمادية تخص كثيرا من القضايا المطروحة على الواقع الحقوقي والقانوني ؟
كيف نضع القانون؟
كيف نبني الدولة؟
الدولة الحديثة هي دولة مدنية وهي دولة المواطنة، فما موقف الأحزاب الإسلامية بمرجعيتها الإسلامية؟
إن استقصاء وثائق الحزب تقدم لنا إجابات عن مجمل هذه الإشكاليات، غير أنه من الواجب القول إنه من الضرورة الاستمرار في الاجتهاد الفكري والسياسي المبدع لمحو كل المناطق الرمادية. وسنحاول تقدين بعض عناصر الإجابة هذه، ولكن قبل ذلك سنعود إلى الدراسة الهامة التي قام بها بصفة مشتركة في شهر مارس سنة 2005 كل من معهد كارنيكي للسلام الدولي ومؤسسة هربرت كاندت ستيفتونك الألمانية بعنوان: ” الحركات الإسلامية والعملية الديمقراطية في العالم العربي،استكشاف المناطق الرمادية “. وأهمية هذا العرض هو أنه كتب من طرف متخصصين أكادميين وليس صحفيين، ثم إنه كتب من طرف أطراف غربية غير محسوبة على التيار الإسلامي، وكتب لمصلحة مركزين غربيين مما يجعل ، في نظرنا ، لما كتب قيمة أكاديمية كبرى. لهذا نرى أن الإشكاليات المطروحة في هذا البحث تحتاج إلى إجابات عالمة وأكاديمية وليس إلى كتابات هواة وسياسيين.
يقدم هذا البحث في البداية عرضا لظهور وتطور الحركات الإسلامية ويبين في هذا المجال أن الحركات المعتدلة هي التي سيكون لها موضع في الساحة السياسية للعالم العربي، ويقدم أمثلة عن هذه الحركات من الأردن ومصر وتونس والمغرب. لكن الملاحظات التي يقدمها هذا البحث ، والذي يمكن أن نستشف منه ونفهم من خلاله مجموعة من الأسئلة و الإشكاليات التي لا تزال مطروحة، من منظور الغرب والتي تشكل اهتماماته، على الأحزاب الإسلامية الإجابة عنها. ويبدو أن هذه الاهتمامات لم تتغير لحد الآن. وهذا المنظور لا يجوز استبعاده ونحن نعالج هذه الإشكاليات وهذا لتأثيرها على الداخل وعلى وضع التيار الإسلامي في عمومه في العالم العربي.
هذا الغموض يطلق عليه معنى :” المناطق الرمادية”، وتشمل القضايا التالية: الشريعة الإسلامية، استخدام العنف، التعددية السياسية، الحقوق المدنية والسياسية، حقوق المرأة، الأقليات الدينية.
تشكل هذه المناطق الرمادية ، وإلى اليوم ، قلقا كبيرا للغرب وهو يتابع تمدد الإسلاميين داخل الساحة السياسية العربية. ويبدو أن الأمر لا يتعلق بهذه المناطق الرمادية ولكن الأمر يعود إلى أسباب ثقافية ودينية وحضارية واستراتيجية قديمة في الزمان ومؤثرة على المستقبل.
سنجد في أدبيات حزب العدالة والتنمية إجابات عن أغلب هذه الإشكاليات، لكن وكما يبدو لنا فإن الأمر يتطلب توضيحا أكثر عمقا ليستطيع الجمهور العالم والعادي أن يفهم مفردات هذا المشروع. غير أن الأمر لا يتعلق فقط بعناوين الفهم ولكن يتعلق بالمنهج الذي نوظفه لنفهم، وهو يرتبط بخلفيات الفهم وطرق النظر ، وهو أمر من الصعب الوصول فيه الى توافق بين الفرقاء السياسيين والفكريين في الخارج والداخل.
بالرجوع إلى وثائق الحزب نجد في المجمل أن المرجعية الإسلامية تعني:
ــ الإسلام هو عقيدة وشريعة وآداب وأخلاق ومقاصد ومبادئ تشكل أسسا صالحة لا ستنباط معالم نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي قائم على أساس العدل. (8)
ــ المرجعية الإسلامية تتأسس على الثقافة والأصالة الإسلامية والخصوصيات الوطنية، وهي المزاوجة الخلاقة بين المرجعية الثقافية والحضارية والمنظومة الاخلاقية للامة وبين المشروع السياسي.
ــ المرجعية الاسلامية في مفهوم الحزب هي منظومة متكاملة من المبادئ والاحكام والمفاهيم التي تؤطر رؤية الانسان للغيب والانسان والطبيعة ، كما تؤطر سلوكه وتعامله مع الآخرين . وهي بذلك معين زاخر ومتناسق يتضمن مبادئ وقيما مؤطرة وقواعد وضوابط موجهة ومرامي وغايات ناظمة،(9) ) مع ما يتضمنه ذلك من انفتاح على التجارب الإنسانية واستفادة من مكتسبات الإبداع الإنساني.
ــ تمتاز المرجعية بالوسطية والتي ليست تلفيقا او اوساط حلول، وتخضع للتجديد والتحديث الذين لا يمسان القطعيات التي حسم فيها الشرع أحكاما ومقاصد، والذي ينظر إلى الحداثة نظرة نسبية، وتؤكد على الانفتاح والتعارف، ويهدف إلى تخليق الحياة باعتبار الإسلام قوة تخليقية منسجمة مع ثقافة المجتمع ومرجعياته وهويته وأصالته .
ــ مفهوم الإنسان الذي كرمه الإسلام والذي يتناقض مع النظرة المادية التي تؤله الإنسان وفي نفس تشيؤه.
ــ اعتماد المرجعية الإسلامية معناه أن يكون الإسلام منطلقا وإطارا لمختلف الاختيارات والاجتهادات السياسية وللمشاريع المجتمعية
ــ الحزب ليس وصيا على الاسلام في المغرب وليس حزبا دينيا بل هو حزب سياسي ، المجال السياسي هو حقل اشتغاله.(10)
ــ يستمد الحزب أصوله الفكرية وأسس مشروعه المجتمعي من المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع المغربيين ومن الرصيد للمغرب وقيمه الثقافية الغنية متعددة الروافد والتي انصهرت في إطار حركة تاريخية وحضارية خلاقة كونت معالم الشخصية المغربية وسماتها المميزة. (11 )
ــ يعتبر الإسلام أسمى الثوابت المشكلة للهوية الوطنية، والإسلام هنا هو مبادئ وأحكام ومقاصد وهو أيضا كسب بشري متواصل من جهة الفهم والممارسة. (12 ).
ــ حزب العدالة والتنمية حزب سياسي مدني ذو مرجعية اسلامية ، وهو حزب ديمقراطي له برنامج سياسي يجيب عن الأسئلة المطروحة ولا يقوم بدور الأئمة والمفتين بل إن غايته المشاركة في تدبير الشأن العام.
هذه بعض العناصر التي تؤطر دلالة مفهوم المرجعية الاسلامية للحزب والتي تجيب على مجموعة من الإشكاليات المطروحة من قبل. ويبدو من خلال التداول السياسي والسجال الفكري أن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث وأن كل إشكالية تتطلب لوحدها بحوثا متخصصة مستقلة. وهذا الذي سيجعل العناصر السابقة في تعريف المرجعية غير كافية للإجابة النهائية التي ستغطي كل المناطق الرمادية من منظور البعض.

ثانيا: المرجعية الإسلامية: جدل الديني والسياسي

الدين عموما هو مجموعة من المبادئ والمرجعيات التي يجب الرجوع إليها في تحديد السلوك وفهم الوجود. ولهذا فعندما نتحدث عن الأحزاب المسيحية فإنها ترجع إلى الإلهام الإلهي في مرجعيتها، هذا الإلهام الذي سيخلص الإنسان من الميل المادي الذي فرضته العلمانية في أوروبا في العصر الحديث. ولهذا كثيرا ما عارضت هذه الأحزاب مجموعة من مقترحات القوانين التي تبيح الإجهاض أو الزواج المثلي أو الاستنساخ أوغيرها، باعتبار هذه المقترحات تخالف القيم الإنسانية الأساسية. وهذا يعني أن من بين مجالات اهتمام هذه الأحزاب هو الجوانب الأخلاقية ، وهنا يكمن اختلافها مع النزعة المادية.
المجال الديني الذي يهمنا هنا هو المرجعية الاسلامية كما تطرحها الأحزاب ذات الخلفية السياسية الإسلامية وقد يكون من بين الاهتمامات الأساس لها أيضا الجوانب الأخلاقية وكذلك جوانب محددة من النظرة إلى الوجود. لكن الالتقاء يقف هنا باعتبار الإسلام ليس مجرد قيم تعليم أخلاقية بل إنه أحكام وضوابط تلزم المسلم باتباعها وتشكل ثقافته ومنظوره إلى ذاته وإلى غيره.
عرضنا فيما سبق مجمل نظرة حزب العدالة والتنمية ومفهومه للمرجعية الاسلامية. والقضية الأساس في المرجعية ليس فقط هو جوانبها الأخلاقية والتنظيمية بل نظرتها إلى الإنسان وإلى الوجود.
عنما نتحدث عن المرجعية وعما يقابلها نستحضر هذين العنصرين. ذلك أن الحداثة الغربية قد استطاعت أن تنجح في إضعاف الحس الديني وتغييبه من مجال الحياة العامة . وقد فشلت الكنيسة هنا في استرجاع انفاسها بل وفقدت بريقها.
وهنا سادت المادية في النظرة إلى الإنسان وظهر ذلك في مجموع العلوم الإنسانية التي أصبحت تتعامل مع الإنسان تعامل العلوم الطبيعية مع المادة الطبيعية( علم النفس، علم الاجتماع). إنه تغير في النظرة إلى الوجود والإنسان .
يبدو أن هذه هي بداية كل الإشكاليات التي نعرفها الآن في الصراع بين القول بالمرجعية الإسلامية وبين من يعارضها ويهجم عليها ويسعى إلى إقصائها. إضافة إلى هذا فإن للغرب حسابات حضارية مع العالم الإسلامي. وعندما تلتقي النظرة المادية مع الموقف الحضاري سنفهم كثيرا من التفسيرات التي يقدمها المفكرون المناوئون للمرجعية الإسلامية، ذلك أن أثر النظرة الغربية قد انتقلت وأثرت في واقعنا والتقت هنا بمظاهر التخلف المزمن والمتجدر مما أنشأ الصراع الذي نرى مظاهره والذي يتجاوز في بعض الأحيان السجال الفكري والسياسي العادي لينتقل إلى مشاريع للإقصاء بكل صورها.
إن ما يؤسس للمرجعية هو النظرة المتميزة للإنسان والوجود ومنها تنطلق كل المشاريع ذات الصبغة السياسية. والمرجعية الإسلامية هي مرجعية شاملة في جوهرها يصعب الفصل فيها بين ما هو تصوري وما هو أخلاقي وما هو حياتي عام.
هنا الأساس الديني بمعناه الشامل للمرجعية الإسلامية.
أما عندما نتحدث عن السياسة فإننا نستحضر المقولة التي أشيعت وهي مقولة المزج بين السياسة والدين، أو الحديث عن الإسلام السياسي. وإذا كنا نعاني في بعض الأحيان من غموض يصاحب مفهوم المرجعية الإسلامية فإن هنالك غموضا أكبر يصاحب المقولتين السابقتين. إنهما يرتبطان أشد الارتباط بمسار تطور الفكر الغربي الحديث وعلاقته بالدين وبتأسيس الدولة الحديثة. إنها دولة علمانية، والعلمانية تعني في عمومها فصل الشأن السياسي عن الشأن الديني في بناء الدولة. ولهذا لا يجب خلط الدين بتسيير الدولة وهو النمط الذي ورثناه من الاستعمار وخصوصا في الدول التي بنيت على أساس قومي.
إن قضية الجدل ما بين السياسي والديني هي قضية معقدة لتداخل كثير من العناصر في إثارتها. تدخل التصور للوجود والإنسان إضافة إلى العوامل الخارجية والمواقف السياسية الداخلية والتنافس الانتخابي…الخ
السؤال المطروح هنا هو: هل يمكن أن نبني دولة حديثة على أساس ديني في وضعنا العربي والإسلامي؟
عندما نتسلح بالمرجعية الإسلامية فها نحن أمام دولة دينية أم دولة مدنية بالمعنى المعاصر؟
هل يتحمل واقعنا السياسي المغربي دولة علمانية بالمعنى الذي يدعو إليه القائلون بفصل الديني عن السياسي؟
لقد استحضرت أدبيات حزب العدالة والتنمية مجمل هذه الأسئلة وعملت على الإجابة عنها، ومع ذلك نعود فنقول بأن هذه الإجابات ليست بالسهولة التي يتصورها من لا يعرفون جوهر العلاقة بين الديني والسياسي، وتعقيد هذه العلاقة في السياق المحلي والدولي وفي التداول السياسي الحاصل حاليا.
سنعود مرة أخرى إلى وثائق الحزب لنقف على الأجوبة الحاضرة في هذا الموضوع. سنختصر ذلك في العناصر التالي:
ــ جاء في الورقة المذهبية حول القضية المطروحة مايلي: ” إن قضية العلاقة بين الدين والدولة في بلادنا قضية محسومة دستوريا حيث ينص الدستور( تغير الدستور لكن هذا الأمر لم يتغير في النص الدستوري ل2011 ) على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وان النصوص المتعلقة به غير قابلة للمراجعة كما أنها قضية محسومة تاريخيا حيث ظل الإسلام باستمرار ولا يزال يشكا أساس الشرعية التي قامت عليها الدولة في المغرب.
أما فصل الدين عن الشأن العام فهو أمر لا يتصور في حق الإسلام باعتباره عقيدة وشريعة ، إن الإسلام ليس مجرد قيم وشعائر وأخلاق بل هو أيضا مبادئ ومقاصد وأحكام ومنهج حياة للفرد والمجتمع”(13 )
ــ الدين والدولة: تمييز لا فصل.
وهنا أيضا سنجد التأكيد على نفس المعطيات مع استحضار مؤسسة إمارة المؤمنين التي تشرف في نفس الوقت على تدبير الشأن الديني والشأن السياسي.
ـــ العلاقة بين الديني والسياسي ليست هي الفصل المطلق ولا هي التماهي التام مثلما عرفه النظام الثيوقراطي.
ــ تؤكد أدبيات الحزب على الديمقراطية باعتبارها طريقة في بناء الدولة. وتأخذ الديمقراطية معنى منح الاختيار في المسؤولية للشعب وهو جوهر الدولة الحديثة وفي نفس الوقت هو لا يتناقض مع المرجعية الإسلامية.
ــ التأكيد على مبدأ الحرية باعتبارها شرط قيام الدولة الحديثة ، والحرية هنا بمعناها الثقافي والاجتماعي وبمعنى كونه أداة للتعبير عن الرأي والاختيار وهو جوهر الديمقراطية.
ـــ حزب العدالة والتنمية هو حزب مدني بمرجعية إسلامية.
من هذا نتبين أن التداول السياسي حول علاقة الديني بالسياسي قد يكون في كثير من الأحيان مغلوطا عندما يعتمد على حجج مستقاة من قراءة غير صحيحة للتراث، أو يستحضر طروحات سياسية غربية ويفصلها عن سياقها ويفسر بها الواقع السياسي المغربي. نجد هذا في أدبيات بعض أحزابنا وطروحات لبعض مفكرينا. وهذا ما يجعلنا نرى بضرورة إقامة نقاش علمي متخلص من الميول الأيديولوجية والحزبية، من أجل فهم حقيقة احتياجاتنا وبناء حلول ملموسة لواقعنا السياسي الملموس. ليس الأمر بالسهل ولكنه ممكن في ظروف خاصة.

ثالثا: المرجعية الإسلامية: الشريعة والقانون

من بين الإشكاليات التي تحضر في التداول السياسي هي إشكالية العلاقة بين الشريعة والقانون. فالمرجعية الإسلامية تستند ضمنا في كل الشؤون إلى الشريعة والتي هي عبارة عن أحكام وقوانين موضوعة وثابتة ولا تقبل التداول، أما القانون في الدولة المدنية فهو شأن ديمقراطي يتفق عليه الناس في المجتمع من خلال ممثليهم ، وهو أحكام متغيرة وإرادية للمصوتين. وهنا فإن أحكام الشريعة لا تلتقي مع القانون بالمعنى المدني. بل إن الدعوة إلى المرجعية الإسلامية هي استدعاء للمقدس في شأن دنيوي، فيخضع من ثمة ما هو قانوني متغير إلى ما هو ثابت ومقدس. وهذا هو شعار الداعين إلى تطبيق الشريعة. كل هذا يجعل المتحفظين على المرجعية الاسلامية يتخوفون من نية الإسلاميين في موقفهم من الديمقراطية. فعن طريق الديمقراطية يمكن فرض قوانين تتنافي مع الحرية ومع مبادئ الدولة المدنية. ومن ذلك: كبث الحريات، حرمان المرأة من حقوقها، تطبيق الحدود.. يقول تقرير كارنيجي، وهو يمثل كما رأينا نظرة الغرب وتخوفاته من التيارالإسلامي في السياسة: ” ولعل قضية من له حق التشريع، وفي ظل أي سلطة، هي أكثر النقاط الرئيسية للخلاف بين الإسلاميين وغير الإسلاميين. وبالتفسير الدقيق لمعنى تطبيق الشريعة، لا يكون سن القوانين مهمة مجالس النواب المنتخبة بحرية والتي تستمد سلطتها من الناخبين، ولكن من الفقهاء الذين يفسرون أوامر اللهـ وهو الأمر الذي يبغضه غير الإسلاميين “(14).
هذه بعض الطروحات التي تؤطر السجال والتداول السياسي عند المعارضين لمفهوم المرجعية الإسلامية.وهو يرتبط بما سبق وذلك من خلال تحديد معنى الدولة والعلاقة بين الديني والسياسي في الدولة. فالقانون هو شأن سياسي مدني أما الشريعة فهي شأن ديني.
القانون هو إجراءات لها بعد اجتماعي وتحل مشاكل مطروحة في هذا المجتمع أو ذاك بناء على واقع معين ومن خلال مرجعيات ثقافية. ومع هذا فإن الاتجاه العام الذي تسير فيه الحياة الدولية المعاصرة يميل إلى تغليب الطابع “الكوني” على ما هو ثقافي ومحلي.
إنها إشكاليات تقتضي الإجابة بشكل واضح لا لبس فيه. ويبدو أن الأمر غير مطروح بحدة عندنا ولكنه مطروح بشكل عام على الفكر الإسلامي وعلى الساسة الإسلاميين. ومع ذلك فلا يستبعد أن تفرض هذه القضية نفسها في وقت من الأوقات وعلى الخصوص في ظل صدور قوانين من منظمات دولية تخالف المعلوم من الدين ويطلب ، تحث الضغط، من الدول الإسلامية التصديق عليها، بدعوى كونها تمثل الكونية في القانون. ولهذا أصبحت كثير من دساتير الدول الإسلامية تقر بعلو القوانين الدولية على القوانين المحلية.
حاولت وثائق الحزب حل هذه الإشكاليات ، لكن هذا يتطلب في نظرنا مزيدا من العمق الفكري والسياسي والقانوني، ومع ذلك فإننا نلاحظ نوعا من التطور في بناء القضايا والمفاهيم، أو في الصيغة الأدبية للطروحات التي تؤطر فكرة العلاقة بين القانون والشريعة، وتطور في الأسلوب الذي كتبت به، إذا ما قارنا بين طريقة العرض في الورقة المذهبية وبين خلاصات وتوصيات الحوار الداخلي. وسنعرض لبعض الإجابات الواردة في هذه الوثائق من خلال العناصر التالية:
ــ جاء في الورقة المذهبية ما يلي: ” ولهذا الاعتبار فلا يكون للنصوص التشريعية المتعلقة بالإسلام أي معنى حقيقي مالم تترجم إلى مدلول فعلي وأثر ملموس في جميع جوانب الحياة، وهذا يتطلب أن ينص بشكل صريح على أن الإسلام هو المصدر الأسمى لجميع التشريعات والقوانين وأن كل ما يتعارض مع نصوصه ومقاصده يعتبر لاغيا. وهذا يتطلب أيضا العمل على ملاءمة القوانين والتشريعات لأحكام الإسلام ومقاصده والاستعانة بالخبرة الشرعية عند وضع القوانين في مختلف المجالات ” (15)
ــ عندما يؤكد الحزب على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأسمى للتشريع فهذا يعني الشريعة في معناها الواسع الذي يتضمن العقيدة والأخلاق والأحكام، وإقامتها هو مجال لعمل المجتمع بأسره، ولا يقتصر على الدولة أو على سلطة القانون.(16 )
ــ ضرورة التمييز بين مجال الشريعة ومجال القانون. فإذا كانت الشريعة تضع المبادئ العامة وبعض الأحكام التفصيلية فإن مجال القانون هو صياغة نصوص تشريعية أو تنظيمية، وهي مهمة المشرع في الدولة.(17 )
ــ القانون مجال متطور وعلى الكل في المجتمع العمل على وضعه وتنزيله.
ونرى أنه بقدر ما إن هذه الوثائق تعمل على الإجابة عن الإشكاليات المطروحة بقدر ما تثير إشكاليات أخرى وجب الوقوف عندها داخل السياق الفكري والسياسي المعاصر سواء على المستوى المحلي أو الدولي.

خلاصة:

كانت هذه الورقة إذن مساهمة في النقاش الفكري والسياسي من خلال التداول السياسي لمفهوم المرجعية الإسلامية. وعلى الرغم من الإشارات المقارنة فإننا حاولنا التركيز على ما هو داخلي باعتبار أن حزب العدالة والتنمية يعرض هذه القضايا داخل السياق الوطني أساسا. ويمكن التأكيد على أن هذه القضايا المثارة لا تزال موضع نقاش في كافة المنتديات الثقافية والسياسية ، ومن هنا تستمد أهميتها. ولذا وجب طرحها أيضا على كافة المستويات في النقاش الفكري والسياسي للحزب.. وجب عدم الركون إلى نوع من الدوغمائية معتقدين أننا قد فصلنا القول في مجمل هذه القضايا، إذ أن هنالك أمورا وجب تعميق النظر فيها وإعادة مناقاشتها باستمرار وخصوصا في كثير من التفاصيل التي تحتاج إلى وضوح أكبر. وكما يقال فإن الشيطان يكمن في التفاصيل.

هوامش:
1 ــ العدالة والتنمية المشروع والمسارـ بدون تاريخ.
2 ــ الورقة المذهبية.سلسلة العدالة والتنمية، عدد7 . ص 29. أطروحة المؤتمر السادس2009 . ص: 28 .
3 ــ نفس المرجع ، ص:30
4 ــ نفس المرجع. ص: 26. أطروحة المؤتمر السادس2009 . ص:25
5 ــ نفس المرجع. ص: 27
6 ــ أطروحة المؤتمر السادس 2009 . ص:28 /29
7 ــ محمد أسويق: الأحزاب الإسلامية والأحزاب الإسلامية، أوجه الاتفاق وأوجه الاختلاف. الرباط. جامعة محمد الخامس. مركز برق للسياسات والاستشارات .
8 ــ الورقة المذهبية. ص: .25
9 ــ الحوار الداخلي لحزب العدالة والتنمية، خلاصات وتوصيات. ص: 19
10 ــ الورقة المذهبية . ص: 29
11 ــ أطروحة المؤتمر السادس 2009 ص: 24
12 ــ أطروحة المؤتمر السادس. ص: 25
13 ــ نفس المرجع .ص: 28
14 ــ نفس المرجع. ص : 28
15 ــ الورقة المذهبية . ص: 31
16 ــ أطروحة المؤتمر السادس2009 . ص: 28
17 ــ أطروحة المؤتمر السادس . ص: 29

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.